واكبت كرة القدم التطور التدريجي الحادث في العالم على مر السنين، انتهاءً بظهور عصر العولمة وسيطرته على شتى مناحي الحياة، وبالطبع لم تكن كرة القدم استثناءً، فظهر الاحتراف الخارجي ليبلور فكرة العولمة داخل كرة القدم، حتى أصبحت الفرق الأوروبية عامة عبارة عن خليط من عدة جنسيات يلعبون بهدف المال.

فريق واحد رفض ذلك .. أتليتيك بيلباو.

تعريف

أتليتيك هو نادي كرة قدم إسباني من مدينة بيلباو التابعة لإقليم الباسك في شمال إسبانيا، قام بتأسيس النادي عدد من المغتربين البريطانيين عام ١٨٩٨م؛ حيث وصلت كرة القدم لمدينة بيلباو من بريطانيا من خلال التجارة والعاملين في السفن بالإضافة للطلبة الباسكيين العائدين من دراستهم في بريطانيا.

في أول بطولة لكأس ملك إسبانيا استطاع الفريق العودة محملاً بالكأس بعدما تمكن من هزيمة فريق برشلونة في المباراة النهائية.

1.png (686×518)

ضد العولمة

اتبع الفريق منذ نشأته سياسة واضحة تعتمد على أن جميع لاعبي الفريق هم من منتسبي إقليم الباسك، ولعل ذلك يعود إلى النزعة القومية لسكان الباسك الذين يرفضون اعتبار إقليمهم إقليمًا منتميًا لإسبانيا، ويعتبر سكان الإقليم فريق بيلباو بمثابة منتخب إقليم الباسك الذي يقف الجميع خلفه، ففريق بيلباو هو الأكثر تعصبًا لإقليمه، فلا مكان بالفريق للاعب لا يحمل الهوية الباسكية.

2.png (1000×1133)

الكأس هو الغنيمة

برز نادي بيلباو بقوة مع بطولة كأس ملك إسبانيا والتي حصل على لقبها الأول، والفريق هو ثاني أكثر الأندية الإسبانية فوزًا بكأس الملك خلف فريق برشلونة المنتمي لإقليم كتالونيا؛ حيث أحرز بيلباو اللقب ٢٤ مرة في تاريخه.

السبب وراء اهتمام الفريق ببطولة كأس الملك هو – مثله مثل فريق برشلونة أيضًا – أنه يمشي على نهج أن إقليمنا ليس إسبانيًّا، وفوز الفريق بالكأس يعتبر غنيمة حرب، فلك أن تتخيل أن يُسلم رئيس الكأس إلى لاعبين لا يعترفون به ملكًا عليهم، هؤلاء سيطوفون إقليمهم منتشين بغنيمة حرب سلبوها من بين أيدي الإسبان.

3.jpg (512×384)

هل نجحت الفكرة

قد تكون سياسة الفريق مقبولة فيما مضى، لكن مع عصر العولمة وانتشار الاحتراف فإن مهمة الفريق قد تكون مستحيلة في مجرد الحفاظ على نفسه، فهل نجح الفريق في وجه العولمة؟؟

يجيبنا على ذلك سجل إنجازات الفريق..

فأتليتيك بيلباو لم يهبط مطلقًا إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني مثله في ذلك مثل فريقي ريال مدريد وبرشلونة.

وحصل الفريق على على لقب الدوري الإسباني ٨ مرات من أصل ٨٠ مشاركة آخرها عام ١٩٨٤م، كما نال لقب كأس الملك ٢٤ مرة آخرها عام ١٩٨٤م، وكأس السوبر الإسباني مرة وحيدة عام ١٩٨٥م.

وكان الإنجاز الأبرز للفريق هو حصوله على لقب بطولة الدوري الأوروبي لكرة القدم عام ٢٠١١م، فرغم ابتعاد الفريق عن منصات التتويج طويلاً، حتى شكك البغض في السياسة التي يتبعها الفريق، عاد بيلباو ليرد بقوة على منتقدي سياسته ببطولة أوروبية وليست محلية لأول مرة في تاريخه.

4.jpg (634×422)

الانتماء

رغم مساهمة الاحتراف في تطوير أداء لعبة كرة القدم، إلا أن هناك الكثير من السلبيات التي واكبت انتشاره، أبرز هذه السلبيات هو فقدان اللاعب لانتمائه لأرضه وبلاده لصالح جهات أخرى، فالمال أصبح هو القبلة الرئيسية للاعبين حاليًا، وقد شاهدنا الموسم الماضي كيف هبط أداء أغلى لاعب في العالم البرتغالي كريستيانو رونالدو بسبب رغبته في الحصول على راتب شهري أعلى من منافسه ليونيل ميسي.

الظاهرة الغريبة التي بدأت تنتشر حاليًا هي ظاهرة التجنيس، أي أن تقوم الدولة التي تلعب في أحد أنديتها بمنحك جنسيتها لأحد سببين، الأول هو رغبة النادي في اعتبارك كلاعب محلي وليس أجنبي بسبب قواعد خاصة بالحد الأقصى للاعبين خارج الاتحاد الأوروبي المشاركين في المباريات. والثاني هو أن الدولة تحتاج لهذا اللاعب ليمثل منتخب بلادها لوجود ندرة في المواهب بها.

فماذا سيكون شعور اللاعب إذا ما قابل منتخب بلاده الأم؟!

ما يفعله بيلباو، كما أنه يَرجِع للنزعة القومية لسكان إقليم الباسك، فإنه تسبب أيضًا في تأصيل هذه النزعة في وجدان سكان الإقليم، وينعكس ذلك بوضوح على حماس اللاعبين في أرضية الملعب والتشجيع الرائع والمستمر للجماهير في المدرجات، فالجمهور يشجع أبناءه.

5.jpg (512×341)

نماذج أخرى

هذه الفكرة التي يتبعها بيلباو توجد في جميع دول العالم لكن بصورة تقليدية محدودة وليس على المستوى الاحترافي، فجميع الفرق الرياضية التابعة لمدرسة ما أو جامعة ما تتبع نفس هذه السياسة ولكن بصورة اضطرارية.

ونشاهد كيف أن فريق كرة السلة لمدرسة ثانوية في أمريكا مثلاً يقف وراءه جميع الطلاب والمدرسين بشكل حماسي فريد لأن فوز الفريق هو فوز لهم جميعًا، فهو فريق المدرسة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد