في ظل الكَم الهائل من المسلسلات العربية التي تُنتج سنويًّا، ومع تغيُّر الأحوال وشكل صناعة الدراما بأكملها في الأعوام الأخيرة؛ كان من الطبيعي أن نشهد تطورًا ملحوظًا بالأعمال الدرامية المُقدَّمة في الوطن العربي.

بدأ الأمر بالاقتداء بالدراما التركية الطويلة التي عادةً ما تستمر على مدار مئات الحلقات، أو على الأقل 60 حلقة، فيما تتناول قصصًا اجتماعية شائكة؛ هكذا أُنتجت مسلسلات مثل «مدرسة الحب» و«سرايا عابدين»، بل إن بعض المنتجين لجأوا لتعريب المسلسلات التركية نفسها كما شاهدنا في مسلسل «عروس بيروت» الذي سيعرض الموسم الثالث منه خلال أيام.

نجاح مضمون أم فقر في الأفكار؟

أمام عدم تماهي الجمهور مع القصص المقدمة على هذه الشاكلة، ظهر نوع آخر من الدراما اعتمد على مسلسلات «الفورمات» والمقصود بها الأعمال المأخوذة عن مسلسلات أخرى أجنبية حققت نجاحًا جماهيريًّا عند عرضها في أوطان صناعها؛ إذ يستغل القائمون على العمل العربي نجاح العمل الأصلي وشهرته، ومن ثمَّ يُعيدون صياغته والإضافة إليه أو الاقتطاع منه بما يتناسب مع قيم مجتمعاتنا العربية وعاداتها.

في هذه الفئة شاهدنا الكثير من المسلسلات التي أقبل الجمهور على متابعتها بنهم، مثل مسلسل «حلاوة الدنيا»، و«طريقي»، و«جراند أوتيل»، و«ليالي أوجيني»، ومؤخرًا «الآنسة فرح».

منصات البث تُغيِّر خارطة الدراما

«شاهد.نت»، «واتش إت»، «viu»، وغيرها من منصات البث العربية، جميعها جاءت بعد النجاح والانتشار الذي حققته منصة «نتفليكس» بل إقدامها على المنافسة بمجال الدراما العربية من خلال إنتاجاتها الأصلية.

مسلسل «في كل أسبوع يوم جمعة» المأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية:

شجَّع انتشار هذه المنصات الكتاب والمخرجين على تقديم سواء مسلسلات قصيرة من موسم واحد مثل مسلسل «في كل أسبوع يوم جمعة»، و«بين السما والأرض»، و«DNA»، أو أعمال من عدة مواسم، مثل «اللعبة»، و«الآنسة فرح»، و«عهد الدم» وغيرهم. بل إنه ساهم كذلك بضخ دماء جديدة للفئات الدرامية المُقدَّمة؛ فأصبح عاديًّا أن نشاهد مسلسلات فانتازيا وخيال علمي مثل «النهاية» و«كوفيد 25»، أو إثارة وغموض مثل «قارئة الفنجان».

وصُنَّاع الدراما يرفعون شعار «لا لوضع البيض في سلة واحدة»

لكن في ظل الظروف القاسية التي يعيشها العالم، وحالة اللهاث والسرعة التي تسيطر على كل شيء، خاصةً مع التغيرات الكثيرة وما تستحدثه التكنولوجيا من حولنا كل لحظة؛ ظهر نوع درامي آخر اعتمد على الكوميديا، إيمانًا من صُنَّاعه بأن المشاهد لم يعد يحتمل أكثر.

ومع انتشار ورش الكتابة؛ صارت الفرصة للإبداع أكثر قُدرة على التحقق؛ وهو ما نتج منه بعض التحوُّر؛ إذ انتشرت الدراما المتصلة المنفصلة، حيث كل حلقة تعرض قصة مختلفة لكن مع ثبات الأبطال وبعض الروابط بين الأحداث. هكذا خرج إلى النور مسلسلات مثل «الوصية»، و«ريَّح المدام»، و«الواد سيد الشحات»، و«خلصانة بشياكة»، و«طلعت روحي».

ترفيه

منذ 10 شهور
7 من أشهر المسلسلات العربية القصيرة التي صدرت حديثًا وتستحق المشاهدة

وهو ما يبدو أنه لم يعد كافيًا سواء لصناعه أو الجمهور، وفي محاولة لتفادي العيوب وتحسين الأمر؛ وُلِد نوع درامي آخر يعتمد على تقديم حكايات قصيرة على مدار عدد حلقات محدود، تليه قصة جديدة بأبطال آخرين بل أحيانًا بمؤلفين ومخرجين جدد؛ مما ضمن النجاة من فخ التطويل من جهة، والحد من التكلفة الإنتاجية من جهة أخرى، اعتمادًا على الوجود المكثَّف للوجوه الشابة والظهور المحدود لنجوم الصفوف الأولى، والأهم أنه سمح بالتنويع في الحكايات التي يقدمها العمل الواحد.

وبالتالي فرد مساحات لطرح قضايا مجتمعية ومعاصرة مختلفة، فحتى إذا ما جانب صناع العمل الصواب بإحدى القصص أو لم يحب الجمهور أبطالها، يظل أمامهم حكايات أخرى قد تسترعي انتباههم وتحثهم على المتابعة؛ وهو ما يُزيد من القاعدة الجماهيرية للمسلسلات التي تنتمي لتلك الفئة ويُضاعف فرص انتشارها.

ومع نجاح هذه النوعية من الأعمال، زادت كثافتها حتى بدا أنها تطغى حاليًا على المشهد، وهذه قائمة بأحدث 6 أعمال درامية قصيرة اعتمدت على تنوع الحكايات، ويمكنكم مشاهدتها في أوقات فراغكم:

1-«نصيبي وقسمتك».. أول القصيدة

البداية كانت في 2016 على يد الكاتب عمرو محمود ياسين، حين قدَّم الموسم الأول من مسلسل «نصيبي وقسمتك» الذي تضمَّن 45 حلقة على أن تتمحور كل ثلاثة منها حول قصة مختلفة، وإن كانوا جميعهم من بطولة هاني سلامة، في حين أُسندت البطولات النسائية لممثلات من الصف الثاني، وهو ما منحهم فرصة جيدة لإثبات موهبتهم.

ومع التقييمات الجماهيرية الإيجابية التي حظي بها العمل، قُدِّم منه موسم ثانٍ في 2018، وثالث في 2019، وإن اختلفت المواسم الجديدة في كَون القصة الواحدة من خمس حلقات وأن البطولات متنوعة وليس لبطل واحد. وهي الحكايات التي تمحورت جميعها حول العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة بمختلف أشكالها وتفاصيلها، وتميزت بنهاياتها الواقعية.

2- «بدل الحدوتة 3».. الرهان على الكوميديا

في 2019 تشجعت دنيا سمير غانم لتقديم فكرة مشابهة خلال الماراثون الرمضاني؛ إذ شاركت بمسلسل «بدل الحدوتة 3» الذي شمل ثلاث حكايات كل واحدة منها عُرضت على مدار 10 حلقات. جاءت جميع القصص من بطولة دنيا سمير غانم، وانتمت لفئة الكوميديا.

فشاهدنا قصة بيلا ذات الشخصية القوية، والتي تعمل في إصلاح العلاقات العاطفية بطرق مبتكرة وطريفة، وهناك قصة لهفة التي سبق وقدمتها البطلة نفسها في مسلسل آخر، وربما كان السبب الذي جعل هذه الحكاية لا تحظى باهتمام المشاهدين أو استحسانهم. أما الأخيرة، فكانت الأقرب لقلب الجمهور عامةً والأطفال خاصةً؛ فالبطلة هي لولي التي عاشت معظم حياتها في مزرعة للبطاطس؛ ظنًّا منها أن العالم خارج المزرعة قد انتهى، وحين تكتشف الحقيقة، تسعى للبحث عن والديها.

3- «إلا أنا».. الحصان الأسود

أما المسلسل الذي يمكن تصنيفه الأفضل ضمن هذه القائمة هو «إلا أنا» الذي بدأ عرضه في مارس (آذار) 2020 قبل أن يتوقف بسبب جائحة كورونا، لكن مع استمرار الحياة؛ عاد العمل للتصوير وتوالت الحكايات، حتى إن الموسم الثاني من المسلسل يُعرض حاليًا.

العمل فكرة يسري الفخراني، وهو مقتبس عن قصص حقيقية من الواقع تستعرض جميعها مشكلات نسائية شائكة في أغلبها، أو يغض المجتمع العربي بصره عنها مُتظاهرًا بأنه لا يراها، وهو ما يُحسب لصناع المسلسل الذين سلَّطوا الضوء على قضايا مهمة وملهمة.

من بينها استيلاء الذكور من الأهل على ميراث الإناث، والخيانة الزوجية بعد سنوات طويلة من العشرة، وما تُحدثه السنوات والنضج من تغيير بشركاء الحياة يستوجب قرارات مصيرية غير متوقعة، وكذلك التنمر المجتمعي بمظهر المرأة، ومشكلات الإنجاب وتأثيرها في العلاقة بين الزوجين، وغيرها من القضايا التي على بديهية بعضها، لكنها قدمت هذه المرة بمزيد من العمق والصدق والتفاصيل شديدة الدقة والإنسانية.

وهو ما ساعد على تماهي المُشاهد مع العمل، خاصة وأن القصة الواحدة تمتد طوال 10 حلقات، الأمر الذي يسمح للجمهور بالتعلُّق بالأبطال. كل ذلك كان السبب في تصدُّر العديد من القصص «الترند» على «السوشيال ميديا»، وهو ما جعل صناع العمل يمدُّون الموسم الأول ليشمل ثماني حكايات بدلًا من ستة كما كان متفقًا عليه، ومع نهاية المسلسل أعلن صناعه نية تقديم جزء جديد.

4- «حلوة الدنيا سكر».. عن الحب والصدفة وأشياء أخرى

إحدى الممثلات المحظوظات بهذا النوع من الدراما كانت هنا الزاهد، التي استطاعت اقتناص بطولتها الأولى من خلال مسلسل «حلوة الدنيا سكر» الذي قدمت فيه ثماني قصص مختلفة على مدار 40 حلقة، لكل منها مؤلفها وطاقم عملها.

وبالرغم من أن موهبة هنا الزاهد لا تزال محدودة حتى الآن؛ فإن طبيعة الحكايات التي جمعت بين الضحك والدراما والسيناريو غير المعتاد، ساعدت في منح العمل قاعدة جماهيرية لا بأس بها كونها أول بطولة لصاحبته، خاصةً وأن معظم الحكايات جاءت صالحة للمشاهدة العائلية وبرز من خلالها دور الحب والصدفة في تغيير حياة الأشخاص وقلبها رأسًا على عقب.

5- «زي القمر».. تقليد أم أفكار جديدة تستحق الطرح؟

بعد النجاح الذي حققه مسلسل «إلا أنا» كان طبيعيًّا أن يحاول البعض العيش في جلباب صناعه؛ هكذا وُلد مسلسل «زي القمر» الذي يستعرض هو الآخر قضايا نسائية خلال خمس حلقات للقصة الواحدة.

الفارق هنا أن العمل جاء من بطولة أسماء معروفة مثل إلهام شاهين، وليلى علوي، ومع أن القصص في معظمها كانت جيدة، فإن مسلسل «إلا أنا» ظل محتلًّا الصدارة كونه جمع بين العديد من العناصر الفنية القوية، من تمثيل وسيناريو وحوار وتصوير وإخراج.

6- «ورا كل باب».. دراما اجتماعية معاصرة جدًّا

مسلسل «ورا كل باب» والذي يُعرَض منه الآن الموسم الثاني بالتزامن مع الموسم الثاني من «زي القمر»، دراما قصيرة من حكايات مُنحت كل منها خمس حلقات لمناقشتها، لكنه على عكس العملين الآخرين لم يُركِّز على المرأة بقدر ما عرض دراما اجتماعية اتَّسَمَت بالمعاصرة.

فشهدنا قصة عن «الكورونا» وما فعلته بنا وتأثيرها في الأسر والتواصل بين البشر، كذلك جاء من بين الحكايات: قصتان عن ظواهر مثل «البلوجرز»، و«الترند»، و«السوشيال ميديا» التي صارت تحتل دور البطولة في حياتنا الحالية، بين تلفيق الاتهامات دون التَحَقُّق من صحتها، وكيف يمكن لانتشار خبر كاذب أن يُخرِّب حياة صاحبه ظُلمًا، خاصةً وأن الأخبار السيئة والفضائح أكثر انتشارًا وتلقى رواجًا واهتمامًا أكبر، سواء من رواد منصات التواصل أو الإعلام، عن الأخبار المهتمة بإعادة الحقوق لأصحابها.

والحكاية الأخيرة التي استعرضت عائلة كاملة جعلت «السوشيال ميديا» شغلها الشاغل حرفيًّا؛ فصارت فيديوهات «اليوتيوب» و«ستوريز الإنستجرام» هي مصدر دخلهم، وجروا وراء حلم الثراء السريع تاركين خلفهم الدراسة الجامعية ومنزل الزوجية، وحتى تحرِّي الصدق في ما يقدمونه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد