في الوقت الذي كانت فيه طبول الحرب تقرع حول العاصمة الليبية طرابلس منذرةً بمواجهة إقليمية بعد قرار السلطات التركية إرسال جزءٍ من قواتها إلى ليبيا لمساعدة حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا كانت العاصمة الجزائرية تعيش على وقع إنزال دبلوماسي غير مسبوق بعد أن استقبلت الجزائر وزراء خارجية كلٍ من تركيا، إيطاليا، ومصر، وكذا مبعوث الاتحاد الأفريقي الخاص بليبيا، وأجرى وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، اتصالات هاتفية مع نظرائه في كلٍ من مصر، والإمارات، ومالي، والنيجر، وفرنسا، وختمها باتصالٍ مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، للتأكيد على عودة الجزائر للعب دورها المحوري في حلّ الأزمات السياسية التي تشهدها المنطقة.

ويمكن القول إن غياب الجزائر أثّر في السنوات الماضية على الكثير من الملفات والأزمات؛ وهو ما جعل الكثير يستبشر بعودة التحركات الدبلوماسية والاهتمام الجزائري بالأزمات التي تعيشها المنطقة، في هذا التقرير نستعرض معكم أبرز القضايا المحتمل أن تلعب فيها الدبلوماسية الجزائرية دورًا هامًا في سبيل حلحلتها. 

دولي

منذ 3 شهور
هل يسهم التقارب الجزائري التركي في حلّ الأزمة الليبية؟
عبد القادر بن مسعود

1. «الامتحان الأوّل».. هل  تنجح الجزائر في حلّ الأزمة الليبية؟

فور تأديته اليمين الدستورية في 19 ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي وجّه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون رسالةً إلى المجتمع الدولي، مؤكدًا من خلالها أنه لن يكون هناك أي حل للأزمة الليبية في غياب الجزائر. مبرزًا أن الحل المنشود في ليبيا لن يخرج عن إرادة الشعب الليبي الذي يجب أن يختار هو من يحكمه. كما شدد الرئيس الجزائري على أن بلاده هي أولى المعنيين باستقرار ليبيا «أحب من أحب وكره من كره»، مؤكدًا بأن الجزائر لن تقبل أن يتم إبعادها عن الحلول المقترحة للملف الليبي في رسالة منه إلى عزم بعض الدول إبعاد الجزائر عن أي حلٍّ للأزمة الليبية من خلال استبعادها من المشاركة في مؤتمر برلين. 

تبون يستقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج

ومباشرةً بعد خطاب تبون تحوّلت الجزائر إلى مزارٍ للدول الإقليمية الفاعلة في الأزمة الليبية، بدايةً من رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا فائز السرّاج ووزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، اللذين أكدا على دور الجزائر في إيجاد حلٍ للأزمة، وأكدت الجزائر من خلال تلك اللقاءات أنّها تعتبر العاصمة الليبية «خطًا أحمرًا ترجو ألا يتجاوزه أحد» في رسالةٍ غير مباشرةٍ للجنرال خليفة حفتر والدول الداعمة له. ودعت الجزائر المجموعة الدولية ومجلس الأمن إلى «فرض الوقف الفوري لإطلاق النار في ليبيا». 

وما إن أقلعت طائرتي وزير الخارجية التركي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي حتى حطّت طائرة وزير الخارجية المصري سامح شكري ووزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو للتباحث بشأن الأزمة الليبية، والدور الجزائري في الوصول إلى وقفٍ لإطلاق النار بليبيا. 

ونجحت المساعي الدبلوماسية الكثيفة التي قادتها الجزائر في الدفع بالدول الفاعلة إلى الضغط على طرفي الصراع في ليبيا من أجل الموافقة على وقف لإطلاق النار، وهو ما حدث بعد أن أعلنت كلٌ من قوات الخليفة المتقاعد خليفة حفتر والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني عن قبولها لدعوة كلٍ من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوقف إطلاق النار ابتداءً من اليوم الأحد 12 يناير (كانون الثاني) الجاري. 

وكانت مصادر مطلعة أشارت إلى «ساسة بوست» عن زيارة غير معلنة أجراها وفدٌ تابعٌ للجنرال المتقاعد خليفة حفتر إلى الجزائر ليلة أول أمس، التقى من خلالها بوزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، وأفصح فيها ممثلو حفتر عن قبولهم لوقف إطلاق النار. 

وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم رفقة نظيره المصري سامح شكري

وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم رفقة نظيره المصري سامح شكري

وبعد استبعادها سابقًا من مؤتمر برلين، أجرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الأسبوع الماضي مكالمة هاتفية مع الرئيس تبون من أجل دعوة الجزائر بشكل رسمي لمؤتمر بشأن ليبيا في برلين، بحسب الرئاسة الجزائرية، وهو المؤتمر الذي يسعى إلى إيجاد حلٍ نهائي للأزمة في ليبيا، وينتظر من الجزائر أن تساهم فيه بشكلٍ كبير. 

2. «الحفاظ على السلام والمصالحة».. المهمة الجديدة للدبلوماسية الجزائرية في مالي

بعد انفراجٍ أزمتها الداخلية تراقب الجزائر باهتمام شديد تطورات الوضع بالجارة الجنوبية لها. وتعتبر مالي عمقًا إستراتيجيًا بالنسبة للجزائر، حسب تصريحات سابقة لمسؤولين محليين فيما يجمع خبراء على الارتباط الوثيق لأمن البلدين، وهو ما يبرر اعتزام القيادة الجزائرية الجديدة تفعيل دورها في حل الأزمة.

ففي أوّل إجتماعٍ له منذ أكثر من عقدين، ترأس الرئيس الجزائري تبون اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن الجزائري، ومن بين القضايا التي طرحت على طاولة المجلس، الوضع الأمني في مالي، والسبل الكفيلة لتطبيق «اتفاق السلام والمصالحة» التي صادقت عليه الأطراف المتنازعة في مالي سنة 2015، تحت رعاية أممية وبقيادةٍ من الجزائر.

كما اتصل وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم بنظيره المالي للتأكيد على موقف الجزائر من اتفاق السلام والمصالحة في مالية وآليات تطبيقه، كما أكّد صبري بوقادوم لنظيره المالي اعتبار الجزائر علاقاتها مع جارتها الجنوبية علاقاتٍ محورية، ومن جهة وزير الخارجية المالي أثنى تييبيلي درامي على الدور الجزائري في حل الأزمة في بلاده، ووصفه بـ«الدور البارز والمفاوض الأساسي في إرساء الاستقرار وتسوية الأزمة في مالي».

وزيري الخارجية الجزائري والمالي في ندوة صحفية في أكتوبر الماضي، مصدر الصورة (الشروق)

وزيري الخارجية الجزائري والمالي في ندوة صحفية في أكتوبر الماضي، مصدر الصورة (الشروق)

وفي حديثه مع «ساسة بوست» يرى الخبير الأمني المتخصص في القضايا الإقليمية الدكتور محمد ميزاب أن النشاط الدبلوماسي المكثف بين الجزائر وباماكو مؤشر على «عودة الجزائر إلى الساحة المالية»، مرجعًا ذلك إلى «الوضع الأمني الذي تعرفه الحدود الجزائرية المالية التي فرضت نفسها على أولويات الدبلوماسية الجزائرية».

ويضيف الخبير الأمني أن دولة مالي «تمثل عمقًا إستراتيجيًا وأمنيًا  للجزائر، خاصة مع الحدود الشاسعة التي تربط البلدين والبالغ طولها 1376 كيلومترًا والقريبة من قواعد نفطية  بالجنوب الجزائري، وهي الحدود التي تشهد في السنوات الأخيرة حالة استنفار أمني من جانب الجزائر، بسبب النشاط المتزايد للجماعات الإرهابية المتمركزة في الشمال المالي، وآخر تلك النشاطات كان استهداف مجمع تيقنتورين النفطي سنة 2013». 

3. فتح الحدود وإحياء العلاقات مع المغرب.. هل ينجح تبون في المهمة المستحيلة؟

لا تزال  العلاقات الجزائرية المغربية تشهد ركودًا بالرغم من الامتداد التاريخي للبلدين، فالعلاقات بين البلدين شهدت عدّة محطات أدت بها إلى شبه قطيعة، بداية من الستينيات أين تفجرت أزمة ترسيم الحدود التي خلفها الاحتلال الفرنسي، والتي تصاعدت بسبب تشبث كل طرف بموقفه إلى اندلاع معارك حدودية بين الجانبين عام 1963، حملت اسم «حرب الرمال».

وصولًا إلى تفجّر أزمة الصحراء الغربية بداية من سنة 1975،  إلى أن وصل حد الجمود والقطيعة الدبلوماسية بُعيد اتهام المغرب لجهاز الاستخبارات الجزائري بتدبير تفجيرات فندق «آسني» بمراكش وسط البلاد عام 1994؛ ما دفع الرباط إلى فرض التأشيرة على الجزائريين لدخول البلاد، وهو القرار الذي لم تستسغه الجزائر وردّت عليه بغلق الحدود البرية، معتبرةً أن قرار جارتها «جاء أحادي الجانب»، لتبقى الحدود مغلقة إلى اليوم. 

ومع اندلاع الحراك الشعبي في الجزائر بدايةً من 22 فبراير (شباط) الماضي استبشرت شعوب البلدين في مستقبل العلاقات الجزائرية المغربية خيرًا، وارتفعت أصواتٌ من البلدين تدعو لطيّ صفحة الخلافات وفتح صفحة جديدة، غير أنّ الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون أبقى في خطاب ألقاه عقب تأديته لليمين الدستورية على المقاربة السياسية نفسها لبلاده في العلاقة مع المغرب، ورمى بالكرة في مرمى الرباط في حال قبلت استبعاد ملف النزاع في الصحراء  الغربية عن أي تطبيع للعلاقات مع الجزائر.

الحدود الجزائرية المغربية مغلقة منذ سنة 1994، مصدر الصورة ( الخبر)

الحدود الجزائرية المغربية مغلقة منذ سنة 1994، مصدر الصورة ( الخبر)

وقال تبون في كلمته: «أعلن بوضوح أن مسألة الصحراء الغربية هي مسألة تصفية استعمار وهي قضية بيد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي»، مضيفًا أن «هذه القضية يجب أن تبقى بعيدة كل البعد عن العلاقات مع الأشقاء»، وهي التصريحات التي خلفت جدلًا وغضبًا كبيرين في المغرب.

جديرٌ بالذكر أن الرئيس الجزائري تبون قال أثناء حملته الانتخابية: «إن إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين وارد»، لكنّه اشترط على السلطات المغربية الاعتذار للشعب الجزائري على فرض تأشيرة دخول على الجزائريين عام 1994.

4. القضية الفلسطينية.. هل ستقف الجزائر في وجه صفقة القرن؟

 تحتل القضية الفلسطينية حيزًا هامًا من اهتمام الدبلوماسية الجزائرية، وهو الأمر الذي جعلها من ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، وهي القاعدة التي لم يشذ عنها الرئيس الجزائري الذي أكّد في أوّل خطابٍ له بعد تنصيبه رئيسًا على الجزائر، من خلال تأكيده على استمرار الجزائر في دعم مطالب الفلسطينيين في  إقامة دولة لهم.

وأضاف الرئيس تبون قائلًا: «سوف نظل سندًا لإخواننا الفلسطينيين ولن نتأخر عن الاستجابة لندائهم وسنقف إلى جانب نضالهم حتى تحقيق حقهم المشروع في بناء الدولة الفلسطينية المستقلة عاصمتها القدس الشريف وتحقيق حق العودة»، كما دعا الرئيس الجزائري المجتمع الدولي إلى «تحمل مسؤوليته التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني الذي يواجه قوة استعمار غاشمة بتطبيق كل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بإطار الشرعية الدولية».

 وفي السياق ذاته ترى الباحثة في العلوم السياسية بجامعة الجزائر الأستاذة مليكة عزّام بأنّ «عودة الجزائر بقوة من خلال دبلوماسيتها إلى الساحة من شأنه أن يغيّر خطط بعض الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية»، وأكدت عزّام بأنّ الجزائر «لن تسمح بأن تباع القدس والشعب الفلسطيني وتبقى هي متفرجة»، متكهنةً بأن تقدم الجزائر على إعادة تفعيل التحالف القديم الذي كانت تعرفه الجامعة العربية، والمشكل من سوريا، والعراق، ولبنان، وتونس، وليبيا، وقطر، لمواجهة كلٍ من السعودية، ومصر، والإمارات، التي باتت حسب عزّام مختطفةً لقرارات الجامعة العربية. 

5. «المصالحة الخليجية».. الملف الذي فشل فيها الجميع

تقترب الأزمة الخليجية من إتمام سنتها الثالثة، دون أفقٍ قريبة لحلّ الأزمة التي تعيشها دولة قطر مع كلٍ من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين إضافةً إلى مصر. وعلى الرغم من المبادرات العديدة من عدّة دولٍ أبرزها الوساطة التي قادتها الكويت من أجل الصلح بين الدول الخليجية، إلّا أن تلك المصالحة  لم ترى طريقها إلى النور. 

ويتوقع المتابعون للشأن الجزائري أن تلعب الدبلوماسية الجزائرية دورًا هامًا في  المرحلة المقبلة بعد أن أطلق الرئيس الجزائري تبون العنان لها للعودة بها إلى الواجهة. ومن بين الملفات المتوقع ان تتدخل بها الدبلوماسية الجزائرية هي الدفع بالمصالحة الخليجية إلى الأمام و دعم الوساطة الكويتية في هذا الإطار، وفي هذا الصدد تشير الباحثة في العلوم السياسية هجيرة بن زيطة إلى أن عودة الدبلوماسية الجزائرية إلى الساحة الدولية من شأنه أن يدفع دول الخليج إلى طلب وساطة الجزائر في الأزمة.

كما أنّ دولة قطر كانت أولى الدول التي طلبت وساطة الجزائر بعد نشوب  الخلاف بينها وبين الدول الخليجية الثلاث، وأضافت هجيرة بن زيطة أنّ السمعة الطيبة التي تمتلكها الجزائر في إنهاء الأزمات الدولية والسياسة التي تنتهجها الخارجية الجزائرية بالوقوف مسافة واحدةً بين الدول الخليجية من شأنه أن ينجح أي وساطة قد تلعبها الجزائر في هذا الملف. 

ويجمع  الجزائريون الذين حاورتهم «ساسة بوست» حول الملف، على أن غياب أي دورٍ لبلادهم في حلّ الأزمة الخليجية خلال السنتين الماضيتين يعود إلى الفراغ السياسي الذي كانت تعيشه البلاد، وكذا مرض الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة الذي أثّر على صورة البلاد، وأن الرئيس الجديد عبد المجيد تبون سيعمل على الرفع من وثيرة عمل الدبلوماسية الجزائرية فيما يخص الأزمة الخليجية خاصةً أنّ من بين محاور برنامجه الرئاسي إعادة الجزائر إلى دورها الريادي الإقليمي والعالمي.

منطقة الشرق

منذ 3 أسابيع
3 قضايا كُبرى تنتظره.. هل سيتغير شيء خلال ولاية رئيس الجزائر الجديد؟
679
فريق العمل

المصادر

تحميل المزيد