توجهت «ساسة بوست» إلى عدد من السوريين في الداخل بسؤال «ما المسموح بأن تنشره اليوم على منصات التواصل الاجتماعي بما يخص نقد أداء عمل الحكومة أو أي جهة رسمية أخرى؟»، وقد أجاب الكثير منهم بأنهم يفضّلون عدم نشر أي نقد بحق أي جهة رسمية، فيما قال البعض إنه يمكنه النشر لكن بدون ذكر اسم جهة بعينها، بينما أكد آخرون أنهم أزالوا العديد من المنشورات القديمة الناقدة خوفًا من النظام السوري.

بدا الجميع غير متأكد مما يتوجب عليه فعله لو رغب في نقد عمل أي جهة رسمية، فلماذا كلّ هذا الخوف وكيف وصل السوريون في الداخل إلى الخوف من نشر أي عبارة نقد صغيرة أو شكوى حول سوء الحال الذي يعيشونه؟ ولماذا يبدو من الصعب عليهم اليوم توجيه إصبع الاتهام لمن يتسبب في تجويعهم وترهيبهم؟

كيف صنع النظام السوري شعبًا خائفًا؟

لفهم طبيعة الخوف وحجمه الذي يعيشه سوريو الداخل لا بد من العودة إلى مصدر هذا الخوف وهو النظام السوري، الذي أدرك في مرحلةٍ ما، الدور الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أداةً لحرية التعبير ومقاومة الديكتاتورية.

فحجب النظام السوريّ كلًّا من «فيسبوك» عام 2007 و«يوتيوب» عام 2009 ولم يكن متاحًا للسوريين الوصول إلى الموقعين، لكن ومع بدء الثورة أدرك النظام أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في نشر البروباجاندا الخاصة به، فرفع الحجب عن المواقع السابقة في بداية الثورة وبالتحديد في التاسع من فبراير (شباط) عام 2011، إذ كان من المهم أن يحشد النظام مواليه ويمنحهم قيادة الرأي العام وفقًا لروايته، وهذا ما حصل بالفعل، فانتشرت مئات الصفحات الموالية التي كانت مهمتها إظهار النظام بأفضل صورة في مقابل شيطنة الثورة السورية.

Embed from Getty Images

وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا

لكن ومع تردي الأوضاع المعيشية لدى غالبية السوريين والتضييق على حرية الرأي من طرف نظام الأسد، بدأ بعض الموالين له التململ والسخط من الوضع الاقتصادي، والإكثار من نقد عمل الحكومات والأجهزة الأمنية، دون المساس بشخص القائد، إذ إن الموالين يعتبرون النقد «موضوعيًا» طالما لم يمس رأس السلطة.

ومع ذلك بدأت هذه الانتقادات تُزعج النظام، بعد إذ شجعت على ظهور توجهات أكثر حريّة وجرأة بين الشريحة العريضة من مؤيديه، الذين قد ينقلبون عليه بالفعل، خاصة حين يصبح الخيار حتميًّا بين لقمة عيش أطفالهم أو كرسي الديكتاتور، لذلك بدأ النظام بالفعل عددًا من الإجراءات وتعديلًا لقانون الجرائم الإلكترونية بما يتناسب مع شكل القمع الذي يودّ تعميمه.

«لا أحد يجرؤ على الانتقاد هنا»، هكذا يختصر مازن (اسم مستعار) حرية التعبير الوهمية التي يود النظام تصديرها، مازن الذي كلما نشر منشورًا على صفحته على «فيسبوك» ينتقد به الوضع المعيشي أو الحياة الفارهة لابن أحد الوزراء، سارعت زوجته للتوسل إليه لحذف ما كتب.

وينبع خوفُ زوجة مازن بشكل أساسيّ من ذكرى اعتقال أحد أقربائها وإدراكها لمعنى التعذيب، فهكذا خلق النظام السوري دائرة من القمع الذاتي داخل البيوت السورية، عن طريق التخويف بما فعله بالمعتقلين السابقين، ويكفي تخيل عدد المعتقلين الذين خرجوا وتحدثوا عمّا مروا به لإدراك طريقة النظام السوري في خلق مجتمعٍ خائف.

تنظيم قمعِ الحريات.. الجريمة المطاطة سلاح النظام السوري ضد التململ

هكذا بدأ النظام في تنظيم قمع الحريات عن طريق سلسلة من القوانين المقيدة للحريات، وعلى عكس الدول التي تعيد صياغة قوانينها لتحقيق أكبر قدر من الرفاهية لسكانها، يعمل نظام الأسد على تعديل القوانين لتشديد قبضته الأمنية عليهم لا غير.

ومن الجدير بالذكر أن قانون «تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة الإلكترونية» يعود لعام 2012 إلا أنه وفي نهاية عام 2021 كُشِفَ عن مشروع تعديله، إذ شددت العقوبات المرتكبة على الشبكة المعلوماتية ليصل بعضها إلى حبس سبع سنوات، وغرامات مالية تصل حتى 10 ملايين ليرة.

Embed from Getty Images

وتشمل الجرائم كلًّا من «نشر أخبار كاذبة على الإنترنت من شأنها النيل من هيبة الدولة أو المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة الرأي العام»، كما شملت الجرائم من ينال من «شرف موظف عام أو كرامته»، ويحق للنائب العام تحريك الدعوة حتى لو لم يقدم المتضرر شكوى.

وكان مشروع القانون بدايةً لسلسلةٍ من القرارات التي تهدف إلى تضييق حرية التعبير ففي النسخة الأولى جرى النص على مدة العقوبة لتصبح خمس سنوات حدًا أقصى لبعض الجرائم الخطيرة من وجه نظر النظام السوري، أما في النسخة التالية من القانون، فقد بدا النظام أكثر قسوة، إذ سيعاقب بالحبس من أربعة إلى 15 عامًا كل من نشر أخبارًا أو أدار مواقع إلكترونية تزعزع أسعار الصرف، كما سيعاقب كل من أساء إلى الدستور.

وقد وضع القانون السوريين في حيرة، إذ بدا أنه غير واضح تمامًا، فيمكن للدولة أن تعتبر انتقاد الوضع المعيشي شكلًا من إثارة الرأي العام أو النيل من هيبة الدولة، على اعتبار أن رواية النظام تقول إن الوضع الاقتصادي هو نتيجة العقوبات الاقتصادية والمؤامرة الخارجية.

وفي هذا السياق تقول هند (اسم مستعار) لـ«ساسة بوست»: «لا نعرف ما يمكن نشره أو لا، أي عبارة قد تضع صاحبها في موقع مساءلة»، لذا فقد قللّت هند من نشر انتقادات الحكومة أو الوضع المعيشي، لكنها تنشر أحيانًا منشورات ساخرة وغير مباشرة، فهذه هي الحرية التي تستطيع ممارستها اليوم، حسب قولها.

التواصل مع الخارج له نتائج وخيمة

القانون جزء من المنظومة الديكتاتورية التي يديرها النظام السوري، ويقودها الأسد، الذي قال في إحدى خطاباته إن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور في تردي الأوضاع في سوريا، وقال إن الإنترنت «نوعٌ من أنواع الحروب عبر صفحات تبدو وطنية إلا أنها مواقع خارجية في الحقيقة».

ومن جانبها تقول بتول (اسم مستعار) – وهي صانعة محتوى مرئي- لـ«ساسة بوست» إنها توقفت عن نشر محتوى على «يوتيوب» بسبب مطالبة «لجنة صناعة السينما والتلفزيون السورية» منْ ينشر أو يقوم بصناعة محتوى فني بمختلف مسمياته على وسائل التواصل الاجتماعي، بوجوب الحصول على التراخيص اللازمة من اللجنة والموافقات الخاصة بالتقييم الفكري.

وهذا يعني أن السوريين، وصانعي المحتوى بشكل خاص، لن يتمكنوا من نشر أعمالهم مثلما كان في السابق، فحتى لو أرادت فتاة نشر محتوى عن طريقة وضع المكياج سيجب عليها أن تأخذ موافقةً على ذلك، إذ أكدت أن الحصول على التراخيص يجب أن يكون «من جميع الجهات المعنية»، من دون تحديد هذه الجهات والتي قد تكون عسكرية أو أمنية أو حتى فرع المخابرات.

تتساءل بتول في حديثها مع «ساسة بوست» قائلةً: «كيف يمكن أن أتجرأ على الحصول على التراخيص وأنا لا أعرف ما هي الجهات الأمنية؟ هل يمكن أن أذهب إلى الأمن العسكري لأحصل على موافقة لصناعة محتوى اجتماعي؟»

ولم تتوقف تحذيرات وتنبيهات النظام السوري من كافة جهاته، إذ حذرت أيضًا وزارة الداخلية بضرورة عدم التواصل مع صفحات لها ارتباطات خارجية أو التفاعل معها أو نشر أخبار كاذبة حتى لا يتعرض الفرد للمساءلة القانونية، محذرةً من العقوبات التي ينصّ عليها قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية.

ويعني هذا أن الإعجاب بمنشور معارض يستوجب المحاسبة، وكذلك التواصل مع رقم أجنبي، إذ استُدعي سامر (اسم مستعار) إلى التحقيق بسبب تواصله عبر «الواتساب» مع شخص معارض، وعلى الرغم من اقتصار الحديث على السلام والكلام دون التطرق إلى السياسة فإن النظام السوري حذر سامر من مغبة تصرفاته، مما دفعه لحظر صديقه وعدم التواصل معه مرة أخرى.

هذه بعضٌ من المخاوف التي يعيشها السوريون اليوم، على مستوى التعبير عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ويبدو أن الخوف هو السمة العامة للسوريين، وهو أمرٌ عمل النظام السوري على بنائه يومًا بعد آخر.

مجتمع

منذ 5 شهور
ما أضيق العيش لولا كدحهنّ.. 3 نساء سوريات يقاومن ضيق الحال بـ«التحدي»
عرض التعليقات
تحميل المزيد