من المؤكّد أنّ الأسابيع القليلة الماضية كانت مُرعبة لكلّ عشّاق رياضة الملاكمة والرياضات القتاليّة، وممّا لا شكّ فيه أيضًا أن الكثير ممن يحترفون هذه الرياضة قد انزوَوا وحدهم لدقائق ليفكّروا مع ذواتهم إذا ماكانوا يرغبون حقًّا في مواصلة ممارسة هذه الرياضة أمّ أنّه آن الأوان لتغيير المسار المهنيّ والاعتزال نهائيًّا، وذلك بعد الصدمة التي عاشها عالم الملاكمة إثر وفاة مُلاكميْن اثنيْن في أسبوع واحد جرّاء إصابات خطيرة كانا قد تلقّياها داخل حلبة النزال.

عندما تخطّى الملاكم الأرجنتيني اليافع هيغو آلفريدو حبال الحلبة لمواجهة خصمه خافيير آبرو في العاصمة الأرجنتينيّة بويناس آيريس في يوليو (تمّوز) الماضي كان يُمنّي نفسه بأنّ هذه المواجهة ستُعطيه دفعة لتحقيق حلم البطولة والمجد والثروة، لكنّه لم يكن يعلم بأنّ هذه المواجهة هي التي ستضع حدًّا ليس لأحلامه فقط، ولكن لحياته كلّها، وذلك جرّاء تأثّره بالإصابات التي تلقّاها من طرف خصمه خلال المواجهة الدمويّة.

وقبله بأربعة أيّام فقط كان قد توفي الملاكم الروسيّ ماكسيم داداشيف بنفس الطريقة بعد نزال ملاكمة في ميريلاند الأمريكيّة، إذ خاض الملاكم ماكسيم حربًا قتاليّة داخل الحلبة ضد منافسه، انتهت برمي المنشفة من طرف مدرّبيه في الجولة الحادية عشر، لكن ذلك جاء متأخّرًا؛ فقد توفي الملاكم بعدها جرّاء اللكمات التي أتلفت دماغه.

«الجارديان»: «أنا خجولة للغاية!».. تعرف إلى أول بطلة مصارعة محجبة في العالم

ضريبة المجد.. العائد ليس سخيًّا كما قد تعتقد

الحلم البطولة والشهرة والحصول على لقب «الأفضل في العالم» الذي يدفع الكثير من الملاكمين اليافعين من أجله أعمارهم وأجسادهم ويفرّطون في علاقاتهم الشخصيّة كثيرًا ما يتحوّل إلى كابوس مرعب للأغلبية الساحقة منهم، فهذه المخاطرة بالصحّة الجسديّة والتعرّض لإصابة مستديمة قد تُبقى مدى الحياة أو حتّى تودي إلى الوفاة لا يُقابلها مداخيل ماليّة مُجزية كما قد يتصوّر البعض. فقد يظنّ البعض أنّ الملاكمين في المتوسّط يحظون بمبالغ ماليّة محترمة مقابل اللكمات التي تنهال على أجسادهم لـ12 جولة، لكن الواقع في الحقيقة مختلف تمامًا للأغلبية الساحقة منهم، فالكثيرون منهم يعانون ماليًّا بشكل كبير.

ولا يمكن مقارنة مداخيلهم مع لاعبي كرة القدم مثلًا، إذ بلغ متوسّط أجور لاعبي الدوري الإنجليزي حوالي 200 ألف جنيه إسترلينيًّ في الشهر، أي أنّ مداخيل لاعب كرة القدم المتوسّط في السّنة تقدّر بملايين الدولارات، دون الحديث عن نجوم الفرق ومشاهير اللاعبين الذين تبلغ رواتبهم مبالغ فلكيّة، كلّ ذلك مع احتماليّة أقل للتعرّض لإصابة قد تهدّد حياة الرياضي للأبد كما هو الحال مع رياضة الملاكمة أو الرياضات القتاليّة المختلطة (mma).

Embed from Getty Images

«قتال القرن» بين فلويد مايويذر وكونور ماكجريجور

صحيح أنّ عالم الملاكمة به استثمارات مهولة من الأموال التي تأتي من الوسائل الإعلاميّة والإشهارات والشركات الراعية، ومن المؤكّد أنّ الرياضيين اليافعين يعلّقون صور فلويد مايويذر الذي تبلغ ثروته أكثر من نصف مليار دولار حسب بعض التقديرات، أو آنثوني جوشوا وتايسون فيوري الذين يعتبرون أيقونات في عالم الملاكمة، لكن هؤلاء النجوم يمثّلون الجزء اللامع من حلم المجد والبطولة، بينما يخفى على الرياضي الصاعد الجانب المظلم من هذا الحلم الذي تُدفع فيه أنهار من الدماء والدموع والعرق.

فالجزء الأكبر من هذه الأموال الطائلة تذهب إلى دائرة ضيّقة من الأسماء اللامعة المعروفة، لكن ما إن تنزل ولو قليلًا في الترتيب، حتّى تجدّ باقي الرياضيين يعانون ماليًّا في كثير من الحالات من أجل توفير الحدّ الأدنى من المداخيل.

فالقتال من أجل لقب عالمي تمرّنت من أجله طول حياتك وحصلت على فرصة واحدة في العمر قد لا تتكرّر لن يمنحك أكثر من 150 ألف دولار في العادة إذا لم تكن من الأسماء المشهورة، وهو أقلّ ممّا يحصل عليه لاعب متوسّط في الدوري الإنجليزي في أسبوع واحد فقط، أمّا إذا كنت مجرّد اسم غير معروف وفي سجلّك الكثير من الخسارات، فلن يُدفع لك أكثر من 500 إلى ألف دولار من أجل أن تخسر أمام اسم أكبر، تذهب كلّها في مصاريف التمارين والعلاج.

وفي سبيل تحقيق حلم المجد الذي يدفع فيه آلاف الملاكمين اليافعين الدماء والدموع والعرق، غالبًا ما يصدمون بالحقيقة المؤلمة، وهي أن المجد والشهرة والأموال في عالم الملاكمة والرياضات القتاليّة بشكل عام لا تنالها إلا مجموعة ضيّقة جدًا من النجوم العالميّين، ليدفع البقيّة ساعات طويلة من التمرينات القاسية والحمية الغذائية الصارمة والجدول الزمني الدقيق المتعلّق بالتمرين والنوم والأكل والوزن والاسترجاع مقابل ملاليم معدودة.

ثم يأتي اليوم المنتظر حيث يوضع الملاكم الشاب في حلبة واحدة مع مُنافس يرى أنّ خصمه هو العائق الوحيد أمام تحقيق حلمه في البطولة وتغيير حياته للأبد، وأنّ الطريق نحو الخروج من تعاسته وحالة الماليّة الرثّة لا يمرّ إلا عبر إخضاع الخصم الآخر وإلحاق أكبر قدر من الأذى به، ولو عنى ذلك إصابته إصابة خطيرة أو حتى إنهاء حياته داخل الحلبة.

وقد أحدث خبر الوفاتيْن زلزالًا في عالم الرياضات القتاليّة؛ فقد عبّر الكثير من الرياضيّين عن تخوّفهم وحتى اشمئزازهم من هذا الجانب المظلم لهذه المهنة، والتكلفة الباهضة لحُلم البطولة والمجد، والتي قد تصل إلى دفع حياتهم ثمنًا لها، وقد علّق بطل العالم في الرياضات المختلطة (mma) حبيب نورمحمدوف على خبر وفاة الملاكم الروسي ماكسيم داداشيف بقوله: «هذه الحالة تثبت مرّة أخرى أن الرياضة ليست أهمّ شيء، كلما أسمع أخبارًا كهذه أكره هذه الرياضة التي نضرب فيها بعضنا بعضًا. كلّ شيء مؤقّت: الشهرة، المال، الألقاب، حتى حياتنا بأكملها، جميعنا سنغادر هذا العالم، لا أحد سيبقى، هذا جدير بالتفكّر». 

إغماءات وإصابات دماغيّة خطيرة.. هل حان الوقت للتغيير؟

لطالما عرف البشر منذ القِدم المواجهات القتاليّة من أجل المتعة والشهرة والتنافس، والترفيه عن جمهور يعشق مشاهد إراقة الدماء، ومعرفة إجابة السؤال الأزلي «من الأفضل والأقوى في العالم؟» إذ يمكن اعتبار القتال غريزة بشريّة منذ أوائل البشر الذين وطئوا الأرض، وجاءت الملاكمة وغيرها من المنافسات القتاليّة لتشبع هذه المتعة، لذلك فمن المؤكّد أنّها لن تختفي في المستقبل المنظور.

Embed from Getty Images

لكن الجانب المظلم لهذه الرياضات لا يتلخّص في الأموال فقط، فإلى جانب العائد الماديّ غير المُجزي بالنسبة للأغلبية العظمى من الملاكمين والمقاتلين، وبالإضافة إلى خطر الإصابات التي قد تودي بحياة الرياضيّ أو تسبّب له إعاقات دائمة تستمرّ معه حتى بعد نهاية مشواره الرياضيّ، فإن هنالك جوانب أخرى قاسية من هذه الرياضات، لعلّ أبرزها عمليّة إنقاص الوزن قبل القتال من أجل الوصول إلى الوزن المطلوب، وهي تتمّ من خلال ما يسمّى بـ«التجفيف»، أي إزالة أكبر كميّة من المياه من جسد الرياضي خلال ساعات قليلة قبل القتال، وذلك من خلال تعرّضه للبخار ودرجات عالية من الحرارة؛ وهو ما يؤدّي في كثير من الحالات إلى انخفاض حادّ في نسبة المياه بالجسم؛ ممّا يؤدّي بدوره إلى إغماءات، وحتى حالات مرضيّة خطيرة.

ويمنّي الكثير من الملاكمين والمقاتلين أنفسهم بمسار مهنيّ ناجح خلال سنوات الشباب وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأموال، ثم التقاعد مبكّرًا بعد أن يضمن مستقبل أسرته الماليّ، لكن متاعب الملاكمة لا تنتهي مع انتهاء المشوار الرياضي، فما يحصل في حلبة الملاكمة لا يبقى فيها، إذا غالبًا ما تظهر أعراض ما يسمى بـالاعتلال الدماغي المزمن (CTE)، والذي يأتي نتيجة لتلقّي عدّة ضربات قويّة للرأس؛ ممّا يسبب تلف جزء من نسيج الدماغ الذي لا يُعاد تجديده، إلا بعد حوالي 10 سنوات من تلقّي الضربات، وهو ما يؤدّي غالبًا لدى الكثير من الملاكمين إلى بطء التفكير والتأتأة في الكلام وغياب التناسق في الحركة، وعدّة مشاكل صحيّة أخرى تؤثّر على سلامتهم العقليّة.

وقد يتساءل البعض: لماذا تنال الملاكمة كل هذه الانتقادات حول همجيّتها؟ أليست الرياضات القتاليّة المختلطة (MMA) التي يُسمح فيها باستخدام كل التقنيات القتاليّة – وليس فقط القبضتان كما في الملاكمة – بلا قواعد تقريبًا، أكثر دمويّة وخطورة على المُقاتلين؟

في الحقيقة فإن الملاكمة تبقى بلا منازعة أكثر رياضة قتاليّة خطورة، فرغم التصوّر المغلوط عن الرياضات المختلطة والمشاهد المرعبة التي قد نراها في القفص المغلق، إلا أنّها تبقى أمن بكثير من الملاكمة، فمثلًا منذ بداية بطولة «UFC» للقتال المختلط سنة 1993، لم تسجّل أيّة حالة وفاة بسبب القتال داخل القفص، بينما في نفس الفترة، توفي 30 مُلاكمًا جرّاء إصابات متعلّقة بالنزال داخل حلبة الملاكمة.

صحيح أنّ حلبة الملاكمة أو قفص القتال هو المكان الوحيد الذي من الممكن أن تقتل فيه منافسك – ولو دون قصد – دون أن يوجّه إليك أيّ اتهام بالقتل، تتعالي بعض الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات أو استصدار قوانين للتضييق على رياضة الملاكمة أو حتّى منعها تمامًا كما فعلت في السابق جمعية الأطبّاء الأمريكيين، ويؤكّد البعض أنّ التخلّص من الملاكمة يعدّ مستحيلًا، إذ إن محاولة منعها واعتبارها مخالفة للقوانين لن يعني نهاية وجودها، بل سيدفع بالرياضة إلى الظلام وإلى جهات موازية غير نظامية حيث لا يمكن مراقبتها، ولا ضمان الحدّ الأدنى من السلامة للرياضيين والمعجبين.

أكثر من مجرد «مستطيل أخضر».. كيف تكشف كرة القدم عمق النزاعات الجهوية في تونس؟

المصادر