لأول مرة منذ 45 عامًا وقع ما لم يحدث طيلة عقود بين الصين والهند؛ فقتِل ما لا يقل عن 20 جنديًا، ضربًا بالهراوات وشدخًا بالحجارة ولكمًا بالأيدي؛ لتسيل الدماء غزيرة في المنطقة الحدودية التي تتنازع عليها الصين والهند، أكبر دولتين من حيث عدد السكان في العالم، وصاحبتَيْ أكبر جيشين، وترسانتين نوويتين.

تمتد الحدود بين الصين والهند بطول 3 آلاف و440 كيلومتر بين التبت الصينية ولداخ الهندية، وهي أطول حدود برية متنازع عليها في العالم، وخاضت الدولتان حربًا في عام 1962 – على خلفية رفض الصين الاعتراف بترسيم الحدود خلال مرحلة الاستعمار البريطاني – ثم وقعت اشتباكات لاحقة بينهما أسقطت قتلى في عام 1967، لكن آخر حادث إطلاق نار على الحدود وقع عام 1975.

منذ ذلك الحين لم تسل أي دماء بالرغم من المناوشات، ويحرص الجانبان على عدم خرق بنود الاتفاق الثنائي الذي وقَّعا عليه في عام 1996، وينص على أن «الجانبين لن يفتحا النار، أو يقوما بتفجيرات، أو يستخدما الأسلحة النارية، أو المتفجرات، في منطقة يبلغ عمقها كيلو مترين على جانبي خط الحدود».

لكن ما لم يفعله الرصاص والذخائر طيلة 45 عامًا، كانت الهراوات وقضبان الخيزران المزودة بالمسامير كفيلة به مؤخرًا.

لماذا انفلتت الأمور هذه المرة بين الصين والهند؟

من المؤكد أن المناوشات الحدودية حدثٌ طبيعي، خاصة إذا كانت مواقع النزاع تصل إلى 23 موقعًا على طول خط السيطرة الفعلي بين البلدين، والتجاوزات كانت تقع فعليًا 350 مرة كل عام، لكن المختلف هذه المرة هو كثافتها، إضافة إلى نطاقها وطبيعتها، كما يقول الجنرال الهندي فينود بهاتيا في تصريح لوكالة الأناضول، حتى أن بيان الخارجية الهندية اتهم الصين بتدبير الحادث سعيًا وراء تغيير الوضع القائم.

دولي

منذ 3 أسابيع
«واشنطن بوست»: هل تندلع حرب حدودية بين الهند والصين الآن؟

في خلفية المشهد بين الصين والهند، كانت الهند تشقُّ طريقًا يمتد لبضع مئات من الكيلومترات للوصول إلى قاعدة جوية تقع في موقع مرتفع، أعيد تفعيلها في عام 2008، وفي المقابل كانت القوات الصينية تحفر مواقع وتنصب خيامًا وتنقل معدات عسكرية ثقيلة لمسافة عدة كيلومترات داخل المنطقة التي تعتبرها الهند جزءًا من أراضيها.

بيدَ أن السبب الحقيقي في انفلات الأمور هذه المرة أعمق من ذلك، وربما يشمل – في رأي القائد السابق للجيش الهندي، باركاش مالك – انضمام الهند إلى المطالبة العالمية بالتحقيق في مصدر فيروس كورونا المستجد، وطبعًا تشييد موقع عسكرى على جانبها من خط السيطرة، حتى أن البروفسور هابيمون جاكوب، من جامعة جواهرلال نهرو في نيودلهي، لا يستبعد أن يغير هذا التصعيد «قواعد اللعبة»، قائلًا: «ربما تكون هذه بداية نهاية العلاقة التي تمتعت بها الهند والصين منذ 45 عامًا».

وبمجرد أن تُزهَق الأرواح، تتزايد صعوبة الحفاظ على الهدوء، مع تفاقم الضغوط الشعبية على كلا الجانبين؛ حسبما يُحَذِّر الدكتور نارانج، أستاذ الدراسات الأمنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في تصريحه لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، الذي أشار للحرب التي اشتعلت منتصف العقد الماضي، وانتهت بـ«هزيمة قاسية» للجيش الهندي، حينما وجد رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو نفسه بين سندان الضغوط الشعبية ومطرقة تجاوزات الصين.

والحديث عن الحرب، ولو كانت من صفحات الماضي، يقودنا إلى عَقْدِ مقارنات بين القوة العسكرية والاقتصادية بين الصين والهند، لا سيما أن حروب العصر باتت متنوعة الأشكال، ولم تعد تقتصر على ساحة بعينها.

عسكريًا.. ما هي قدرات الصين والهند؟

بحسب أحدث إصدار من مؤشر «جلوبال فاير باور»، الذي يُقَيِّم القوة الهجومية والدفاعية لأقوى الجيوش في العالم؛ نجد أن الصين تتبوأ المرتبة الثالثة، وتتبعها الهند في المرتبة الرابعة، من بين 138 دولة استعرض المؤشر قوتها العسكرية في عام 2020.

ومثلما تتقارب مرتبة الدولتين على مؤشر أقوى جيوش العالم، يتقارب أيضًا تعداد سكانهما، إذ يصل في الصين إلى 1.3927 مليار نسمة، وفي الهند إلى 1.3526 مليار نسمة، بحسب تقديرات البنك الدولي للسكان المقيمين داخل البلدين، وإن كانت الصين تتفوق قليلًا على مستوى الأفراد الصالحين للخدمة العسكرية.

 

على مستوى الأفراد النشطين في الخدمة العسكرية، نجد العدد يصل في الصين إلى مليونين و183 ألف فرد، وهو ما يقارب ضعف العدد في الهند الذي يبلغ مليون و444 ألف شخصًا، وإن كانت كِفَّة أفراد الاحتياط تميل أكثر لصالح الهند، بواقع 2.1 مليون مقابل 510 ألف للصين. لكن حين نستعرض ميزانية الدفاع، نجد أن الفارق بين البلدين يقفز بشدة؛ إذ يصل إنفاق الصين إلى 237 مليار دولار بينما يناهز في الهند 61 مليارًا فقط.

هذا الإنفاق الصيني الضخم ينعكس على ميزان القوة الجوية بين البلدين؛ إذ إن مجموع الطائرات التي يمتلكها الجانب الصيني يبلغ 3 آلاف و210 في مقابل ألفين و123 فقط لدى الهند، موزَّعة ما بين ألف و232 طائرة مقاتلة لدى الصين مقابل 538 لدى الهند، و911 مروحية (هليكوبتر) لدى الصين مقابل 722 لدى الهند، وفقًا لمؤشر «جلوبال فاير باور».

لكن وجدنا أيضًا أن الميزان يميل قليلًا لصالح الهند على بعض مستويات القوة البرية، إذ تمتلك نيودلهي 4 آلاف و292 دبابة قتالية، و4,060 مدفعية ميدانية، مقابل 3 آلاف و500 دبابة قتالية، و3 آلاف و600 مدفعية ميدانية لدى الصين. وإن كانت الصين تستعيد قدم السَّبْق على مستوى المركبات المدرعة بواقع 33 ألفًا مقابل 8 آلاف و686 فقط لدى الهند، أما المدفعية ذاتية الدفع فتتفوق فيها الصين باكتساح بـ3 آلاف و800 مقابل 235 فقط لدى الهند.

على مستوى القوة البحرية بين الصين والهند، وجدنا أن بكين متفوقة إلى حد كبير على نيودلهي؛ إذ تبلغ قوة الأسطول الصيني 777 قطعة، مقابل 285 لدى الهند، ولدى الصين حاملتَيْ طائرات مقابل حاملة واحدة تمتلكها الهند، أما الغواصات فتمتلك منها الصين 74 قطعة مقابل 16 فقط لدى الهند، وعدد المدمرات الصينية يبلغ 36 مقابل 10 فقط لدى الهند، وكذلك الفرقاطات التي تمتلك منها الصين 52 مقابل 13 فقط لدى الهند، والطرادات التي يبلغ عددها لدى الجانب الصيني 50 مقابل 19 لدى الهند، إلى جانب 220 دورية ساحلية لدى الصين مقابل 139 لدى الهند، أما على مستوى حرب الألغام (استخدام أنواع مختلفة من المتفجرات) فتطيش الكفة تمامًا لصالح الصين بواقع 29 مقابل ثلاثة فقط على الجانب الهندي.

وعلى صعيد الخدمات اللوجستية، رصدنا ميلًا مؤشر المقارنة لصالح الصين؛ إذ تمتلك بكين 507 مطارًا مقابل 346 لدى نيودلهي، وفي مقابل 22 ميناء ومحطة في الصين يوجد 13 في الهند، وبينما تصل القوة العاملة في الصين إلى 806.7 مليون شخص فإنها تبلغ في الهند 521.9 مليون شخص، وتمتد تغطية الطرق البرية في الصين بطول 3.860 مليون كيلومتر مقابل 3.32 مليون كيلومتر في الهند، أما تغطية السكك الحديدية فتمتد في الصين بطول 86 ألف كيلومتر مقابل 63.9 ألف كيلومتر في الهند.

وفي المجمل، تمتلك الصين أضخم قوة عسكرية نشطة في عالم اليوم، بحسب تقديرات موقع «ستاتيستا» الإحصائي، وإن كانت الهند تحاول اللحاق بها على صعيد الإنفاق العسكري، الذي شهد زيادة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، وهو النهج الذي يرجع في جانب منه إلى تنافسها مع الصين وباكستان، بحسب الباحث الأول في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، سيمون تي وايزمان.

ففي عام 2019 كانت الصين والهند تحتلان – على التوالي – المرتبة الثانية والثالثة على مستوى الإنفاق العسكري العالمي؛ إذ بلغ الإنفاق العسكري الصيني 261 مليار دولار في عام 2019، بزيادة 5.1% مقارنة بعام 2018، بينما ارتفع الإنفاق العسكري الهندي بنسبة 6.8% إلى 71.1 مليار دولار، وفق التقديرات التي نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بتاريخ 27 أبريل (نيسان) الماضي.

القوة الصاروخية والنووية

لا يعني امتلاك عدد كبير من القطع العسكرية التفوُّق العسكري بالضرورة، لوجود عناصر أخرى مؤثرة، وأسلحة أكثر فتكًا، مثل الصواريخ والرؤوس الحربية التي تحملها.

الحديث عن الصواريخ يعيدنا إلى أشهر قليلة إلى الوراء، حين كشفت الصين أواخر العام الماضي عن صواريخ باليستية عابرة للقارات، يبلغ مداها 12 – 15 ألف كم قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة بـ10 رؤوس حربية نووية مستقلة قادرة على ضرب أهداف مختلفة؛ مما يجعلها تهديدًا يصعب اعتراضه.

إحدى نقاط القوة القتالية التي يتمتع بها جيش التحرير الشعبي الصيني هي ترسانته الصاروخية المتقدمة، والتي تحتوي على أكثر من 40 طرازًا يمكن استخدامها لحمل رؤوس حربية تقليدية أو نووية.

ولا تكتفي الصين بذلك، بل تواصل تطوير ترسانتها الصاروخية، من حيث الكم والنوع، وأوضح دليل على ذلك أنها أطلقت أكثر من 100 صاروخ باليستي خلال التجارب والتدريبات التي نفذتها في عام 2019، وهو ما أثار قلق الخبراء العسكريين الأمريكيين.

على الجانب الهندي، نجد أن نيودلهي تمتلك هي الأخرى ترسانة لا يُستَهَان بها من الصواريخ البالستية، القادرة على حمل أسلحة النووية، وتستخدمها في الأساس لردع كل من الصين وباكستان، حسبما يخلص «مشروع الدفاع الصاروخي» التابع لـ«مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)».

ولتواكب الهند منافسيها؛ فإنها تعمل بدأب على تطوير صواريخ أطول مدى وتنويع منصات إطلاقها كيلا تقتصر على الصواريخ الأرضية المتنقلة، وأوضح جهودها في هذا الإطار يتجلى في تطويرها صواريخ بالستية تطلق من السفن والغواصات، وتعاونها مع روسيا في تطوير صواريخ كروز.

تخوض الصين عملية تحديث مهمة لترسانتها النووية، وتطور لأول مرة ما يسمى بـ«الثالوث النووي»، المكوَّن من: صواريخ برية، وبحرية جديدة، وطائرات قادرة على حمل أسلحة نووية.

فيما تعمل الهند هي الأخرى، وإن كان ببطء، على زيادة حجم قواتها النووية وتنويعها، وفي حين تصدر نيودلهي بيانات بخصوص تجاربها النووية، فإنها لا تفصح إلا عن القليل من المعلومات حول حالة ترسانتها أو حجمها.

ولأن الأرقام أصدق إنباءً عن الواقع في أغلب الأحيان؛ ذهبنا لنلقي نظرة على الإحصائيات، فوجدنا أن إجمالي عدد الرؤوس النووية التي تمتلكها الصين في عام 2019 كان يبلغ 290 رأسًا، لكنها في غضون عامٍ واحد ارتفعت إلى 320 في عام 2020. أما الهند فكان لديها 130 – 140 رأسًا حربيًا في العام الماضي، ثم زادت بحلول العام الجاري إلى 150 رأسًا، وفقًا لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام المنشورة بتاريخ 15 يونيو (حزيران) الجاري.

Embed from Getty Images

القوة الاقتصادية

تبلغ الديون الخارجية الصينية 1.598 تريليون دولار، مقارنة بـ501.6 مليار دولار حجم الديون الخارجية الهندية، إلا أن احتياطي النقد الأجنبي في الصين يبلغ 3.236 تريليون دولار مقابل 409 مليار دولار في الهند.

ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القوة الشرائية: السلع والخدمات التي يستطيع الفرد شراءها بدخله المُتاح خلال مدة زمنية محددة) 25.27 تريليون دولار في الصين، مقابل 10.51 تريليون دولار في الهند.

أما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (قياس الناتج المحلي الإجمالي اعتمادًا على الأسعار الجارية دون إجراء مقارنات زمنية للوقوف على حقيقة تطور الإنتاج نموا أو انكماشا، بسبب تأثير تغيرات الأسعار) فيبلغ 14.14 تريليون دولار في الصين، في مقابل 2.94 تريليون دولار للهند.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يشهد الاقتصاد الصيني نموًا بنسبة 5.8% في عام 2020. وبحلول عام 2023، سيبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني 36.99 تريليون دولار، وفق تصنيف موقع «إنفستوبيديا» الأمريكي لأكبر 20 اقتصادًا في العالم، الذي وضع الصين في المرتبة الثانية، والهند في المرتبة الخامسة، لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن الاقتصاد الهندي هو الأسرع نموًا في العالم.

هل الهند في طريقها للتفوق على الصين اقتصاديًا؟

في خضم الحديث عن النزاعات الحدودية الدامية، وعقد المقارنات العسكرية واستشراف الآفاق الاقتصادية، لا ينبغي تجاهل جائحة كورونا، التي ضربت اقتصاد البلدين مثلما فعلت في بقية العالم.

أوردت وكالة الأناضول، على لسان الجنرال فينود بهاتيا، المدير العام السابق للعمليات العسكرية في الهند، أن «الشركات الصناعية تتطلع لترك الصين؛ وهذا يجبر بكين على المحاولة لتشتيت الانتباه عن أزمة كورونا»، وأشار إلى أن الهند لها «فرصة كبيرة» في عالم ما بعد الجائحة.

وإن كانت الهند تتحيَّن الفرصة لملء الفراغ الصيني بمجرد أن تتراجع بكين عن موقعها باعتبارها «مصنع العالم»، فإن خطوط الإنتاج والإمداد أكثر تعقيدًا بكثير مما يتصوَّره كثيرون، ومن العسير جدًا تفكيكها بين ليلةٍ وضحاها، ومن الصعوبة بمكان إعادة توطينها في مكان مختلِف بالسرعة المتخيَّلة لدى البعض، حسبما يؤكد الخبير في الشأن الصيني راحول جاكوب، المدير السابق لمكتب صحيفة «فاينانشال تايمز» في هونج كونج.

بل يتوقع العديد من الخبراء أن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها، بعدما يضع فيروس كورونا المستجد أوزاره، وحتى تذهب مجلة «أوت لوك» الهندية الأسبوعية، التي تصدر باللغتين الإنجليزية والهندية، إلى حد التحذير من أن الصين والهند ستعانيان كارثة اقتصادية هي الأسوأ منذ حوالي 100 عام.

دولي

منذ شهرين
بدلًا عن الصين.. هل تصبح الهند «مصنع العالم» المُحتمل بعد كورونا؟

والحال هكذا، لا ينبغي أن يغطي ضجيج المناوشات الحدودية على الحقائق الاقتصادية، فالصين هي ثاني أكبر شريك تجاري للهند، بعد الولايات المتحدة، إذ استحوذت على حصة كبيرة من إجمالي الصادرات والواردات الهندية تبلغ 9% و18% على التوالي في العام المالي 2019 – 2020.

وبتحليل جدول المدخلات والمخرجات، وجدت صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» اليومية الهندية أن الهند تميل إلى تصدير المواد الخام أو المكونات إلى قطاع التصنيع الصيني، وتستورد في المقابل المزيد من المنتجات النهائية ذات القيمة المضافة الأعلى، وبينما تميل كفة التبادل التجاري بقوة لصالح الصين، تجد الهند نفسها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على جارتها اللدود.

وفي ضوء هذه الحقائق، وعلى الرغم من كل الأضرار التي قد تكون لحقت بالصين خلال هذه الفترة أو ستلاحقها في المستقبل، يرى الكاتب والناشط السياسي الهندي، كانشا إيليا، أن الهند لن تكون قادرة على منافسة الصين في عالم ما بعد (كوفيد–19).

عرض التعليقات
تحميل المزيد