يعتقد الكثيرون أن خط بارليف الذي عبره الجيش المصري في حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، عبارة عن مجرد حاجز ترابي ضخم، بناه الاحتلال الإسرائلي شرق القناة، ولكن في الحقيقة فإن تركيبة الخط الذي كان واحدًا من أقوى الخطوط الدفاعية في التاريخ، تحمل تعقيدات كبيرة، جعّلت تخطيه معجزة عسكرية مصرية ليست سهلة على الإطلاق.

خط بارليف.. فكرة من خارج صندوق العسكرية الإسرائيلية

بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، التي أدت لخسارة الجيش المصري من نظيره الإسرائيل في حرب الستة أيام، استولت إسرائيل على سيناء، وبدأت في تعزيز تأميناتها شرق قناة السويس أثناء حرب الاستنزاف (1967- 1973)، تلك الحرب التي شهدت هجمات مصرية متفرقة على قوات الاحتلال شرق القناة، تضمنت قصفًا مدفعيًّا مصريًّا على المراقبين الإسرائيليين شرق القناة.

ولصد الخطر المصري القادم من قناة السويس، خطر على بال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي، فكرة إنشاء خط دفاعي قوي على طول شرق القناة يحمل اسمه «بارليف». الفكرة في البداية لم تلقَ القبول الكافي لدى عدد من قادة إسرائيل العسكريين، كان أبرزهم: أريل شارون، ويسرائيل تال، اللذين رأيا في فكرة خط دفاعي ثابت خروجًا عن التكتيكات الحربية الإسرائيلية، التي تعتمد على المرونة، والحركة، والمناورات العسكرية، وليست الخطوط الثابتة التي قد تكون أسهل في استهدافها.

لكن في النهاية طُبق قرار إنشاء خط بارليف، مع أهداف استراتيجية تتضمن حماية القوات الإسرائيلية شرق القناة، ومراقبة تحركات المصريين غرب القناة وبالقرب منها، وتدمير القوات المصرية إذا ما فكّرت في عبور القناة، ومع نهاية عام 1968، بدأ مشروع إنشاء خط بارليف على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، باستثمارات بلغت نحو 300 مليون دولار.

أحد حصون خط بارليف

نفذت المشروع شركات إسرائيلية بمساعدة مهندسين أجانب، حتى أُتم إنشاء المشروع في 15 مارس (آذار) عام 1969، بحسب ما ذُكِر في كتاب «The Albatross of Decisive Victory: War and Policy Between Egypt and Israel in the 1967 and 1973 Arab-Israeli Wars»، الذي يتحدث عن طبيعة الحرب والسياسة بين العرب وإسرائيل، خلال حرب الاستنزاف. ويمكن القول بأنه منذ إنشاء خط بارليف حتى العبور المصري له بعد نحو أربع سنوات ونصف، في حرب أكتوبر 1973؛ اكتسب خط بارليف قيمة دفاعية واستراتيجية كُبرى لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

مؤتمر الحسنة.. عندما أرادت إسرائيل أن يكون 31 أكتوبر عيد استقلال سيناء عن مصر

تركيبة معقدة ومنيعة لخط بارليف

حاول جيش الاحتلال الإسرائيل تأمين نفسه شرق القناة بمنطقة دفاعية كبيرة تصل إلى عمق 35 كيلومترًا في مقدمتها خط بارليف، الذي يمتد بكافة مراحله لنحو 10 كيلومترات. وقد استفادت إسرائيل من العوامل الجغرافية وتضاريس الأرض لإنشاء خط دفاعي يجمع بين الحائط الترابي وقوة الخرسانات المحصنة، والعائق المائي الطبيعي في القناة ذاتها، والتي تمثل خطًّا دفاعيًّا طبيعيًّا في حد ذاتها؛ إذ يبلغ طولها نحو 170 كيلومترًا، ومتوسط عرضها 200 متر، وعمقها 18 مترًا، وتنتهي القناة بحواجز مائية أُخرى تتمثل في البحرين الأحمر والمتوسط.

وهي أبعاد تُصّعب من إمكانية تخطيها أو محاصرة خط بارليف، وأزاد من تعقيد خط بارليف الدفاعي أنه جاء على طول ساحل قناة السويس، وبارتفاع يبلغ نحو 25 مترًا، وعمق يقترب من 10 كيلومترات. ويضم خط بارليف 22 موقعًا محصنًا تحت الأرض، و31 نقطة قوية، وتضم كل نقطة وموقع طوابق متعدد من السواتر الترابية، والإسمنت المسلح، والكتل الخرسانية، وقضبان السكك الحديدية، ومرابض للدبابات، وملاجئ للأفراد، ودشمًا للرشاشات والأسلحة الثقيلة، وتترابط المدافع بعضها مع بعض بخنادق عميقة.

صورة تُظهر طبيعة التركيبة المعقدة لخط بارليف (المصدر: forums arabmilitary)

وتبلغ درجة انحدار خط بارليف نحو 45 درجة، ويحيط بكل نقطة قوية أسلاك شائكة، وحقول ألغام تمتد لعمق يقترب من 800 متر، اللافت أيضًا أن بعض النقاط القوية في خط بارليف كانت تمتلك خزانات نابالم كبيرة مدعومة بخطوط وقود تحت المياه، تعطيها القدرة على تغطية أجزاء من مياه قناة السويس بالوقود، مما قد يؤدي إلى ارتفاع النيران المشتعلة في المياه لطول يصل إلى متر، ورفع درجة حرارة المياه لدرجة الغليان، إذا ما حدث هجوم.

وفي مقدمة خط بارليف كان هناك مراكز وأبراج مراقبة أمامية لمراقبة التحركات المصرية. فعلى امتداد القناة، وعند كل سبع أميال يوجد مركز مراقبة يضم 15 مجندًا إسرائيليًّا، تحميهم قوات مدرعة إسرائيلية متنقلة، وتكمن مهمة مراكز المراقبة في مراقبة الأنشطة المصرية، وإرسال الإنذارات والتحذيرات لجيش الاحتلال الإسرائليي عند وقوع هجمات من الطرف المصري، ولكن كيف لمصر أن تشن هجمات وسط هذه التحصينات المنيعة؟

الهجوم المفاجئ على خط بارليف المنيع

الوضع بدا صعبًا وحرجًا على الجانب المصري، فكيف السبيل إلى شرق القناة؟ الإجابة كانت «المفاجأة»؛ هذا ما فكر فيه المصريون حقًّا. وفي يوم 26 سبتمبر (أيلول) 1973، قبيل يوم رأس السنة اليهودية، أعلنت مصر بدء مناورات الخريف السنوية على طول القناة، على أن تنتهي يوم 7 أكتوبر، وهو إعلان حمل في طياته مناورة ذكية، فبهذا الإعلان نجح المصريون في إخفاء تراكمهم المقصود على طول القناة.

كانت المناورات الدورية طبيعية، ولم تثِر الشكوك الإسرائيلية، لدرجة دفعت قوات من الجيش النظامي للاحتلال الإسرائليلي، التي تشغل خط بارليف إلى مغادرة مواقعها للاحتفال بيوم الغفران، ليحل محلهم قوات الجيش الاحتياطي.

في الساعة الثانية ظُهرًا، فاجأ الجيش المصري العدو بالهجوم، وفتحت 4 آلاف مدفعية وبندقية وقاذفة صواريخ على طول الجبهة النار على جيش الاحتلال، وهو قصف مدفعي مدعوم بضربات جوية لأكثر من 300 طائرة مقاتلة مصرية، وانتشر في القناة نحو 8 آلاف جندي مصري، على متن ألف قارب مطاطي لعبور القناة.

ومع اقتراب عبور القوات المصرية للقناة واقترابها من خط بارليف، استخدم المصريون خراطيم المياه عالية الضغط لاختراق الحواجز الرملية وإضعافها لتتكامل مع القصف المصري لتخطي خط بارليف، وهي فكرة جاءت من المهندس المصري باقي زكي يوسف الذي استلهمها من استخدام المصريين لخراطيم المياه قوية الدفع في نقل الأتربة والرمال، في أثناء بناء السد العالي، وأدت بالتكامل مع الهجمات المصرية إلى اختراق 80 ثغرة في خط بارليف.

ومع استمرار الهجوم المصري تمكّن نحو 80 ألف مصري من العبور إلى شرق القناة، وتخطي أقوى حواجز خط بارليف، بل التمركز في شرق القناة وإقامة رؤوس جسور لها على الضفة الشرقية، بعمق يصل إلى أربعة كيلومتر، في انتصار مصري كبير ومفاجئ، أبهر العالم، واحتفل به المصريون، واعترف به العدو الإسرائيلي.

«قضينا ليلة من أسوأ الليالي في حياتنا».. عبور بارليف صدم العدو

«إن التاريخ العسكري سيقف طويلًا بالفحص والدرس، أمام عملية يوم 6 أكتوبر عام 1973، حين تمكّنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام مانع قناة السويس الصعب، واجتياح خط بارليف المنيع، وإقامة رؤوس جسور لها  على الضفة الشرقية من القناة، بعدما أفقدت العدو توازنه في ست ساعات»

هكذا جاءت كلمات الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات بعد نصر أكتوبر في كلمة له أمام مجلس الشعب، وهو نصر اعترف به العدو الإسرائيلي وتحدّث عن طعمه المُر الكثير من المسؤولين الإسرائيليين، من أبرزهم جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية التي قالت: «لا شيء أقسى على نفسي من كتابة ما حدث في أكتوبر؛ فلم يكن ذلك حدثًا رهيبًا فقط، وإنما مأساة عاشت وسوف تعيش معي حتى الموت، فلقدت وجدت نفسي فجأة أمام أعظم تهديد تعرضت له إسرائيل منذ نشأتها، ولم تكن الصدمة فقط في الطريقة التي يحاربوننا بها، ولكن أيضًا لأن عددًا من المعتقدات الأساسية قد انهارت أمامنا».

فيديو لخطاب السادات:

خطاب السادات فى مجلس الشعب بعد نصر.. "أفقدنا العدو توازنه في 6 ساعات"

خطاب السادات فى مجلس الشعب بعد نصر.. "أفقدنا العدو توازنه في 6 ساعات"

Geplaatst door ‎بوابة الأهرام‎ op Woensdag 3 oktober 2018

مشاعر حزن جولدا مائير امتدت لوزير دفاعها موشي ديان الذي قال: «إنها حرب صعبة للغاية والمواجهات قوية ومريرة لقواتنا البرية والبحرية، هذه الحرب ثقيلة بأيامها وبدمائها، ونحن الآن في خضم المعركة ونعجز تمامًا عن التعبير عن مدى حزننا لفقد شهدائنا».

أمّا الجنرال آريل شارون فقال في كتابه «المُحارب»: «قُتل حوالي 300 مجند وأصيب ألف آخرون، قضينا ليلة من أسوأ الليالي في حياتنا» فيما تحدّث زميله الجنرال عاميرام ميتسناع عن الآثار النفسية لحرب أكتوبر، عندما قال: «إنني أرى أن حرب يوم الغفران خلفت جراحًا عميقة في نفوس المحاربين، كما أنها خلفت آثارًا سيئة على الكيان الإسرائيلي برمته، وجرحًا عميقًا في المجتمع الإسرائيلي لم يندمل».

الدفرسوار.. الثغرة التي وقعت بعد خلاف القادة وخنقت الجيش المصري بعد نصر أكتوبر

المصادر

تحميل المزيد