هل يوجد ما هو أهم للكائنات الحية من الماء والأكسجين، مصدرا الحياة الأساسيين؟ بالنسبة لمعظم أشكال الحياة على كوكب الأرض، يعد الأكسجين والماء عنصرين ضروريين للحياة، فما بالك عندما تعاني مصادر المياه العذبة من أزمة في توافر الأكسجين ذاته فيها؟

هذا هو ما يحدث في بحيرات المياه العذبة على كوكب الأرض؛ إذ إنه نتيجة لارتفاع درجة الحرارة، يختفي الأكسجين بسرعة من هذه البحيرات؛ مما يعرض الحياة المائية والنظم البيئية للخطر، ومن بينها مورد الماء العذب للبشر أنفسهم.

ما الذي يحدث في البحيرات؟

عاد الباحثون إلى عينات وقياسات سابقة مأخوذة من 393 بحيرة في المناطق المعتدلة من العالم خلال الفترة من عام 1941 إلى عام 2017، وبدأوا في تتبع قياسات نسبة الأكسجين المسجلة في هذه العينات، ودرجات الحرارة المسجلة في مناطق البحيرات التي أخذت منها هذه العينات.

لاحظ الباحثون في تلك الدراسة الواسعة التي نشرت في مجلة «ناتشر» بداية شهر يونيو (حزيران) 2021، وجود انخفاض واسع النطاق في نسبة الأكسجين المذاب في كل من المياه السطحية والعميقة بهذه البحيرات.

فقد وجد الباحثون انخفاضًا في المتوسط بنسبة 5.5% في الأكسجين المذاب في المياه السطحية على مدى العقود الأربعة الماضية، بينما بلغ متوسط ​​الانخفاض في نسبة الأكسجين المذاب في المياه العميقة خلال الفترة الزمنية نفسها 18.6%.

Embed from Getty Images

ليس هذا فحسب، بل إن البحيرات تفقد الأكسجين بمعدل 2.75 – 9.3 مرة أسرع من المحيطات، وهو انخفاض سيكون له تأثيرات في جميع مكونات النظام البيئي.

لماذا ينخفض الأكسجين في البحيرات؟

السبب كله يتلخص في كلمتين: الاحتباس الحراري. إذ إن التغير المناخي المصاحب لارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض خلال السنوات الماضية، بات يؤثر بشكل سلبي واضح في الكثير من البيئات الموجودة على كوكب الأرض، فلماذا تكون البحيرات العذبة استثناءً؟

إذ يرجع السبب وراء انخفاض الأكسجين في المياه السطحية في البحيرات إلى أن الهواء الأكثر دفئًا أو الأكثر حرارة بشكل متزايد يسخن الطبقات العليا من البحيرة، وبالتالي تجد الغازات في الهواء الملامس لسطح البحيرات صعوبة في الذوبان في هذا الماء الأكثر دفئًا. ومصدر الأكسجين الموجود في كل المياه ناجم عن عملية ذوبان نسبة ضئيلة من الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي فيها.

أما انخفاض نسبة الأكسجين في المياه العميقة فله تفسير فرعي مختلف، وإن كان السبب الرئيسي (الاحتباس الحراري) نفسه. فنتيجة لارتفاع حرارة الهواء، ترتفع درجة حرارة الطبقة السطحية للمياه وتظل أكثر دفئًا لفترة أطول، مما يجعل الفرق في الكثافة بين طبقات المياه العليا والسفلى أكبر، وهذا يجعل عملية اختلاط المياه السطحية بالمياه الأعمق أقل. هذا الأمر ذاته يحدث في المحيطات أيضًا.

تبعات نقص الأكسجين في البحيرات

تعد البحيرات مؤشرات أو «حراسًا» للتغير البيئي والتهديدات المحتملة للبيئة، لأنها تستجيب للإشارات من البيئة المحيطة بشكل واضح. ورغم أن البحيرات تشكل حوالي 3 إلى 4% من سطح الأرض غير المغطى بالجليد، فإنها تتميز بأنها أنظمة بيئية غنية بشكل مميز وتوفر الموارد الحيوية اللازمة لحياة أنواع لا حصر لها من الكائنات الحية بما فيهم البشر.

ويلاحظ الآن أن الأنظمة البيئية في هذه البحيرات تتغير بسرعة، مما يشير إلى مدى تأثير التغييرات الحالية في الغلاف الجوي على النظم البيئية على كوكب الأرض بالفعل. إذ إن تناقص إمدادات الأكسجين لا يهدد فقط الأنواع المائية داخل البحيرات؛ بل يهدد الكثير من السلاسل الغذائية على كوكب الأرض كونها تعتمد أو تتداخل مع الأنظمة المتنوعة بيولوجيًّا في هذه البحيرات.

Embed from Getty Images

التغيير في مستويات الأكسجين له تأثير غير مباشر في التركيب الكيميائي والبيولوجي للمياه، وكان هناك تأثيرات سلبية على صحة السكان الذين كانوا يعتمدون على هذه البحيرات. هذا الأمر يهدد أيضًا أشكال الحياة المائية المختلفة التي تعيش في هذه الأماكن؛ إذ إن كل أشكال الحياة المعقدة تعتمد على الأكسجين، لأنه نظام دعم شبكات الغذاء في الكائنات المائية. وعندما تبدأ في فقد الأكسجين، سيكون هناك إمكانية لفقدان بعض الأنواع.

كما أن تغير تركيبة المياه العذبة في البحيرات سيكون له تداعيات سلبية على صحة الإنسان سواء من خلال شرب المياه بشكل مباشر، أو عبر استخدام الكائنات المائية أو الموارد الأخرى الموجودة في هذه البحيرات.

يمكن أن يؤدي أيضًا انخفاض مستوى الأكسجين في هذه البحيرات إلى زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من البكتيريا المائية التي تنتج غاز الميثان. فانخفاض مستويات الأكسجين يسمح لأنواع عديدة من البكتيريا التي ينبعث منها غاز الميثان بالوجود والتكاثر، وهو ما يفاقم زيادة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وبالتالي استمرار تأثير الاحتباس الحراري وزيادة معدلاته.

حال البحيرات العذبة أسوأ من المحيطات

ما يحدث في البحيرات يمثل للعلماء وضع أكثر كآبة من الموقف الذي نراه يحدث مع محيطات الكوكب، بل إن ما يحدث يمكن أن يكون في نظر البعض منهم مجرد بداية لنضوب الأكسجين من الكوكب، رغم أن المحيطات أيضًا تعاني من تراجع سريع لمستويات الأكسجين حول العالم.

لكن خطورة فقدان الأكسجين في البحيرات هو أنها أحد أبرز مصادر المياه العذبة، مما يهدد إمدادات مياه الشرب والتوازن الدقيق الذي يمكِّن النظم البيولوجية المعقدة في المياه العذبة من الازدهار.

Embed from Getty Images

المقلق في الأمر، أن محيطات الأرض تفقد الأكسجين منذ عقود بسبب الاحتباس الحراري، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذه المحيطات ستستمر في فعل ذلك لعدة قرون قادمة، حتى لو أوقف البشر جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على الفور. فحتى لو توقفت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون منذ نهاية عام 2020، سيستمر استنفاد الأكسجين من المحيطات لعدة قرون بكمية أكثر من أربعة أضعاف كمية الأكسجين التي فقدناها من المحيطات بالفعل.

لكن.. ما الحل؟

رغم كل هذه الأخبار والتداعيات السلبية، يبقى الأمر الإيجابي الوحيد هو أنه مع حصولنا على المزيد من البيانات والمزيد من المعلومات حول خطورة هذه المشكلة، فسيمكننا اتخاذ تدابير أكثر فعالية لمواجهتها.

علوم

منذ 3 شهور
«الصيف قادم».. فصل الصيف سيصبح 6 أشهر بحلول 2100

ليس هناك حل سحري لهذه المشكلة، فالحل الوحيد هو تقليل آثار الاحتباس الحراري وما يتبعه من تغيرات مناخية تضرب كوكب الأرض. من هنا، يأمل العلماء أن تسلط الدراسات المزيد من الضوء على المشكلة وتدفع باتجاه الجهود الرامية إلى معالجة الآثار الضارة بشكل تدريجي لتغير المناخ.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد