تدور الأنباء حاليًا حول نية أو قيام بعض الدول بإعطاء جرعات ثالثة من لقاحات كورونا للمواطنين الذين جرى تلقيحهم كلهم أو بعض الفئات منهم. هذا الأمر يثير التساؤلات حول أهمية هذه الخطوة في وقت خرجت فيه الهيئات الصحية المختلفة لتقول إن جرعتين من اللقاح كافيتان لمنح الشخص مناعة كاملة ضد فيروس كورونا المستجد.

المملكة المتحدة هي مثال واضح على ذلك الأمر، ففي حين أن حوالي 46 مليون شخص تلقوا جرعة واحدة من لقاح كورونا، و34 مليون شخص حصلوا على كلتا الجرعتين (يبلغ إجمالي سكان المملكة المتحدة حوالي 68 مليون نسمة بينهم قرابة 54 مليونًا فوق سن السادسة عشرة، وهو السن المستهدف للتلقيح)، كشفت اللجنة المشتركة في المملكة المتحدة المعنية بالتطعيم والتحصين عن خطط لمنح الأشخاص جرعة ثالثة أيضًا.

وبحسب اللجنة، فإن الحجتين الرئيسيتين لدعم إعطاء جرعة ثالثة هما: الأولى أن فعالية اللقاحين الأوليين تنخفض بمرور الوقت، والثانية هي أن هناك حاجة لأخذ لقاحات جديدة للتعامل مع المتحورات الفيروسية، مثل متحور «دلتا». ويوضح بعض الخبراء هنا أن القاعدة تقول إنه كلما تحور الفيروس، احتجنا إلى جرعات معززة إضافية من اللقاح، هذا هو ما نشاهده في فيروس الإنفلونزا على سبيل المثال.

لكن هذا يأتي في وقت تعاني في دول فقيرة أخرى من عدم قدرتها على تطعيم سوى نسبة ضئيلة من إجمالي عدد السكان، مثل الهند، التي تعد مصدرًا متحورًا «دلتا»، والتي لم تتمكن حتى الآن سوى من تطعيم 5.4% من السكان بشكل كامل (عبر أخذ الجرعتين)، وعلى مستوى العالم، وصلت نسبة الناس الذين حصلوا على التطعيم الكامل 12.1% فقط من إجمالي سكان العالم، والسؤال: ما الذي يفيد البشرية أكثر: تناول سكان دولة غنية لجرعة ثالثة من اللقاح؟ أم التركيز على تطعيم أكبر قدر من البشر؟

هل الجرعتان كافيتان؟

بالنسبة للحجة الأولى التي ذكرت لإعطاء جرعة ثالثة والمتعلقة بانخفاض فعالية الجرعتين الأوليتين من اللقاح، فعند الذهاب إلى الدراسات العلمية، كانت النتائج مشجعة بشكل كافٍ حول كفاية تناول جرعتين من لقاح كورونا، فقد ركز الباحثون في هذه الدراسات على خلايا الدم البيضاء المتخصصة التي تسمى الخلايا الليمفاوية، وهي إحدى الخلايا الأساسية في جهاز المناعة، وتنقسم الخلايا الليمفاوية إلى نوعين رئيسيين: الخلايا البائية، التي تصنع الأجسام المضادة، والخلايا التائية، التي تمثل خلايا الذاكرة التي تصنع ذاكرة ضد الفيروسات التي هاجمت الجسم سابقًا، وتساعد على استجابة الخلايا البائية، بالإضافة إلى أنها تقتل فيروس كورونا مباشرة أيضًا.

عند قياس مستويات الأجسام المضادة في دماء الأشخاص الذين تناولوا التلقيح أو سبق لهم أن أصيبوا بفيروس كورونا، فقد كانت النتائج متغيرة إلى حد ما، فمعظم الأشخاص يمتلكون مستويات ثابتة جيدة من الأجسام المضادة التي يمكن اكتشافها لمدة سبعة أشهر على الأقل بعد تناول اللقاح.

ومع ذلك، فإن بعض الأشخاص الآخرين كانت لديهم مستويات منخفضة جدًّا من الأجسام المضادة أو تنخفض مستوياتهم بسرعة بعد الإصابة أو التطعيم، ويصعب هذا التباين معرفة مدى فائدة بيانات الأجسام المضادة وحدها لقياس المناعة الدائمة للعدوى، وربما تسأل الآن لكن هذه الدراسة ظهرت قبل انتشار المتحورات. تابع معنا التقرير وستجد الإجابة عن ذلك بعد قليل.

الدراسات الأشمل تحسم الجدل

لذلك لجأت إحدى أحدث الدراسات والتي نشرت في 15 يونيو (حزيران) 2015 للنظر، ليس في الأجسام المضادة (الخلايا البائية) فقط، بل في الخلايا التائية أيضًا، وهو ما أعطى صورة أوضح عما إذا كانت المناعة قد استمرت أم لا. هذا الأمر يبدو منطقيًّا لأن الخلايا التائية كما ذكرنا هي خلايا الذاكرة، أي هي الخلايا المسؤولة عن تذكر العدوى السابقة، وتنبيه الجسم حال عادت العدوى نفسها من جديد.

النتائج هنا كانت مطمئنة، إذ اكتشف الباحثون أن استجابات الخلايا التائية ضد فيروس كورونا (قدرتها على تذكر الفيروس وتنشيط جهاز المناعة ضده) استمرت حتى بعد ستة أشهر من الإصابة، والأمر نفسه انطبق على نوع معين من الخلايا البائية، والذي يسمى خلايا الذاكرة البائية، وهي نوع من الأجسام المضادة طويلة الأمد تبقى في الدم استعدادًا لأي مواجهة مستقبلية محتملة مع فيروس كورونا.

هذا النوع من الخلايا البائية ظل موجودًا في دماء الأشخاص المصابين أو الذين تلقوا التلقيح لفترة طويلة، حتى بعد انخفاض خلايا الأجسام المضادة التقليدية في أجسادهم، ويشير هذا إلى أنه حتى بعد تضاؤل ​​الأجسام المضادة بمرور الوقت، فإن هؤلاء الأشخاص لديهم الوسائل لإنتاج أجسام مضادة جديدة بسرعة في حالة مواجهة فيروس كورونا مرة أخرى بفضل الخلايا التائية وخلايا الذاكرة البائية.

وعلى الرغم من أن كبار السن فوق سن الثمانين (أصحاب الأولوية للجرعة الثالثة نظريًّا) يميلون لوجود استجابات مناعية أقل فعالية عند الإصابة أو التطعيم، مما يعني أن مناعتهم العامة قد تكون أقل أو أنها تتلاشى بسرعة أكبر، فقد كانت البيانات الخاصة بهؤلاء مشجعة أيضًا، وأظهرت دراسات أن كبار السن ينتجون استجابة مناعية قوية بعد التطعيم. كل هذه الدراسات تعطينا فكرة عن أن الحاجة لجرعة ثالثة أمر غير ملح حاليًا، وبدلًا من ذلك، هناك أمر أهم وأكثر إلحاحًا، وهو تلقيح البشرية جمعاء.

هل اللقاحات فعالة أمام المتحورات الجديدة؟

إحدى الحجتين اللتين تقفا وراء إعطاء بعض دول العالم المتقدم جرعة ثالثة، كما ذكرنا، هي الحماية من المتحورات الجديدة التي تظهر لفيروس كورونا. حسنًا، حاليًا يوجد بالفعل العديد من المتحورات لفيروس كورونا المنتشرة ويزداد انتشارها حول العالم، أبرزهم المتحورات الأربعة، ألفا وبيتا وجاما ودلتا، التي تعد مثيرة للقلق كونها تنتشر بسهولة أكبر، وتسبب مرضًا أسوأ، وهناك بعض المخاوف حول فعالية اللقاحات الحالية أمامها.

الدراسات التي بين أيدينا الآن تقول إن «متحور ألفا» لا يشكل مشكلة كبيرة للقاحات، وبينما تشير البيانات المبكرة حول «متحور جاما» إلى أنه قد يكون قادرًا إلى حد ما على التهرب من المناعة، تشير دراسات لاحقة إلى أن اللقاحات لا تزال قادرة على أن تحمي الإنسان منه.

وبالطبع، كانت هناك مخاوف أيضًا بشأن متغير دلتا الذي ينتشر ويتوسع في العالم الآن بوضوح، لكن واحدة من الدراسات الأحدث في هذا الشأن تشير إلى أن اللقاحات توفر حماية قوية ضده، أما عن «متحور بيتا»، فإننا نواجه مشكلة أن اللقاحات تمنح حماية منخفضة ضده. لكن الدراسات – على الأقل – تشير إلى أن اللقاحات لا تزال تحمي المصابين به من الأعراض الشديدة للمرض.

تلقيح الدول الفقيرة أهم.. حتى من أجل مصلحة الدول الغنية!

كل ما سبق يوضح لنا أن التطعيم عبر جرعتين فعال، وأن المناعة تدوم وتحمينا – على الأقل – من الأعراض الشديدة للمرض نفسه، وهذا يثير الانتقادات تجاه تخطيط بعض الدول لإعطاء جرعات معززة ثالثة، في ظل عدم وجود دليل واضح على أن هناك حاجة لذلك.

بدلًا من هذا يرى المنتقدون أنه يجب أن تفكر هذه الدول في أن غالبية الناس حول العالم لم تحصل بعد على كامل جرعات اللقاح المطلوبة، فكما ذكرنا، فإن 12.1% فقط من سكان العالم محصنون حاليًا ضد كورونا، كما أنه في العديد من البلدان الفقيرة، لم يتلق سوى قرابة 1% من البالغين جرعة واحدة من اللقاح.

هذا الأمر سيعود بالنفع على الدول المتقدمة أكثر من إعطاء مواطنيها جرعة ثالثة محفزة، وذلك لأن هذا من شأنه منع ظهور المتحورات الجديدة من الأساس، مما يقلل المخاوف التي تجعل الدولة المتقدمة تعطي جرعات إضافية لمواجهة هذه المتحورات، فالمتحورات الجديدة تنشأ نتيجة ازدهار انتشار الفيروس في مكان ما.

فلو نظرنا إلى المتحورات الأربعة التي تقلق العالم الآن، ألفا وبيتا وجاما ودلتا، فسنلاحظ أنها ظهرت كلها من مناطق ذات مستويات عالية من انتقال الفيروس مثل الهند وجنوب أفريقيا، أضف إلى هذا وجود ما لا يقل عن سبعة أنواع مختلفة من المتحورات التي يمكن أن تثير قلقنا نتيجة معدل انتشارها الأسرع، والتي ظهرت أيضًا في مناطق ذات مستويات عالية من انتشار الفيروس.

ولمنع ظهور المزيد من هذه المتحورات، نحن بحاجة ماسة للتغلب على الفيروس بشكل شامل، ليس فقط في المملكة المتحدة أو أوروبا أو الولايات المتحدة، ولكن في كل مكان، فسيكون من الأفضل لهذه الدول إعطاء لقاحات الجرعة الثالثة لتلك البلدان ذات التلقيح المنخفض بدلًا من إطلاق برنامج تلقيح تحفيزي، وهو ما ذكره باحثون في إحدى الدراسات الحديثة، والذين قالوا بوضوح إنه لا يوجد حاليًا ما يشير إلى الحاجة إلى جرعة معززة ثالثة، مشددين على أن الأولوية الملحة وهي ضمان حصول الناس في جميع أنحاء العالم على جرعتهم الأولى.

صحة

منذ 3 أسابيع
«واشنطن بوست»: كيف تبدو جائحة كورونا في كوريا الشمالية الآن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد