«الذاهب إليه مفقود والعائد منه مولود»؛ مثلٌ شاع  في العصور الوسطى بالمغرب الإسلامي والأندلس؛ يصف رحلة الحج إلى مكَّة المكرَّمة وكيف تحوَّلت إلى مخاطرةٍ تؤدي إلى التهلكة؛ لما ينتج منها من مخاطر كثيرة وصعوبة المسالك في الطريق. إذ كان على الحاج المغاربي والأندلسي توديع أهله، وكتابة وصيته قبل انطلاق راحلته إلى مكَّة، فلربما لن يعود إليهم، ولن يعرفوا مثواه بعد انطلاق  المسير.

كانت هذه حالة عوام أهل العدوتين – المغرب الإسلامي والأندلس- أمَّا حال ساستها وأمرائها مع رحلة الحج؛ فلم يكن أحسن حالًا، فلم يذكر التاريخ أن أحدًا منهم قد حجَّ، بل إنَّ صفحات التاريخ ذكرت أنَّ ركن الحج، ذلك الركن الأعظم من أركان الإسلام، صار حرامًا على أهل المغرب والأندلس في فتراتٍ طويلةٍ من العصر الإسلامي بعد أن أصدر كبار فقهاء المغرب والأندلس فتوى بتحريم فريضة الحجِّ؛ فمتى حدث ذلك؟ ومن أصدر تلك الفتاوى؟ ولمن؟ وفي أيِّ سياق؟

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
«يحجون إلى مكة والقدس معًا»..كيف كانت رحلات المغاربة إلى الحج قديمًا؟

«حج أهل المغرب والأندلس».. من لم يصل إلى مكة يصل إلى الآخرة

بُعد الشقة، ووحشة الطريق، ووجوب توفير الزاد الكافي؛ كلُّها عواملٌ كانت تزيد لهيب شوق أهل المغرب والأندلس إلى البيت العتيق، وتذكي في حسهم حبَّ الكعبة المشرفة والوقوف على قبر النبي محمد؛ فيُركب لها الأهوال، ويتجشم من أجلها الصعاب.

فمذ دخولهم في الإسلام أفواجًا، بعد الفتح الإسلامي لبلاد المغرب والأندلس (91هـ – 709م)، شدَّ أهلها الرحال إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، فكانوا يقطعون فيها طُرقًا طويلة، وفيافي شاسعة، وبحارًا هائجة، في مدة طويلة تستغرق شهورًا في المسير، ومثلها في التحضير.

أهوالٌ عديدة وفتن شديدة، رافقت مسيرة الحجاج المغاربة والأندلسيين في رحلتهم إلى مكة، فقد كانت رحلة حجاج أهل الغرب الإسلامي تمتد لسنتين كاملتين! يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء، من أجل إطفاء شعلة الشوق إلى البيت الحرام، كما كانت الرحلة إلى الحج مثارًا للتدوين والنقاش.

فبحسب ورقةٍ بحثية أعدَّها الدكتور محمد بن معمر عن رحلات أهل المغرب إلى الحج، فإنَّ أولى رحلات أهل الغرب الإسلامي للحج تعود تحديدًا إلى الإمام الشهير أبي محمد صالح الماجري المتوفى عام 631هـ، والذي يعود إليه الفضل في تأسيس أوَّل ركبٍ مغاربي اقتصر على رواد طريقته الصوفية، قبل أن تبلغ الرحلات المغاربية إلى الحجاز أصنافًا وتسمياتٍ عديدة تعود في غالب الأحيان إلى مناطق انطلاقها، مثل الركب الفاسي، والركب المراكشي، والركب الجزائري والتلمساني، والركب التونسي، وأخيرًا الركب الليبي.

قوافل الحجيج المغاربية

في كتابه «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار»، والذي يعدُّ أهم كتب الرحلات الحجازية، ينقل الرحالة والجغرافي الأندلسي ابن جبير تفاصيل رحلته إلى الحج – تعدُّ أولى رحلات الحج الأندلسية والمغاربية، والتي امتدت أكثر من سنتين، ويعدِّد المشاق البرية والبحرية والنهرية التي تعترض قافلة الحج الأندلسية. 

بدايةً بأهوال المتوسط، فمن ينجو من أمواج البحر العاتية، قد لا ينجو من هجمات القراصنة الذين ملكوا البحار، فيذكر ابن جبيرٍ في رحلته أنَّه صادف عمليات أسر للمسلمين في البحار على ضفاف شواطئ صقلية، حيث سيق المسلمون ليباعوا في أسواق النخاسة بقرطاجنَّة، كما كانت للحروب الصليبية المشتعلة في الشرق أثرها في قوافل الحجيج التي كانت في الغالب تذهب ضحية لانتقام الصليبيين.

وفي البر كما البحر، استعمر قطاع الطرق مسالك قوافل الحجيج، وكانوا يترصدون القوافل الأندلسية والمغاربية بغية سلبهم، فيذكر  محمد الطنجي، المعروف باسم ابن بطوطة، في رحلته إلى الحج الموسومة باسم «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» أنَّه تعرَّض للسرقة من طرف قطاع الطرق الذين كانوا يتصيَّدون الحجاج بعشرات الفخاخ، ناهيك عن الإجهاد الكبير والمرض الشديد الذي يصيب الحاج في الطريق.

وفي هذا الصدد يقول ابن بطوطة، عن أحد مشاهد رحلته: «أصابتني الحمى، كنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج؛ خشية السقوط بسبب الضعف، فنصحني صاحبي بأن أستريح حتى أبرأ، فأبيْت وركبت الدابة على مرض، وقلت في نفسي، إن قضى الله – عز وجل – بالموت، فتكون وفاتي على الطريق، وأنا قاصد أرض الحجاز».

قوافل وركاب الحجيج تصل إلى مكة بعد رحلة محفوفة بالمخاطر

ومن باب هذه الظروف الصعبة والمخاطر الجسيمة؛ كان حجاج الغرب الإسلامي يودعون أهاليهم عند الخروج إلى الحج، توديع من لا يعود، وهذا ابن بطوطة مرَّة أخرى يذكر في كتابه السابق توديعه لأهله قائلًا: «حَزمت أمري على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور، وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وَصَبًا، ولقيت كما لقِيا نَصَبًا»، أمَّا ابن جبير في لحظة خروجه، فقد دعا الله أن يحرس غرناطة.

وعلاوةً على أداء فريضة الحج؛ كان للرحلة الأندلسية والمغاربية طعمٌ خاص ممزوج في كثيرٍ من الأحيان بطلب العلم وزيارة البيت المقدس، فقد كانت مسار تلك الرحلات يعدو أن يكون ناقصًا إلَّا إذا ما حلَّت قافلة الرحلة عند عالمٍ بارزٍ، أو حاضرة علميَّة كالأزهر والقيروان، أمَّا زيارة الأقصى فقد كانت «ملح» تلك الرحلات، ومذيِّل كلَّ العقبات. 

لم يحج واحد منهم.. لماذا لم يحج حُكَّام المغرب والأندلس؟

سؤالٌ لطالما طرحه الكثير من المستشرقين، وأنهكت الإجابة عنه بعض المؤرخين المسلمين، فتلك البلاد الواقعة في أقصى الغرب الإسلامي، ومحاطة ببحارٍ هائجة من جهتين، ويحاصرها في الجهات المتبقية العدو الصليبي وعدم الاستقرار السياسي الذي أنهك إماراتها ودويلاتها، حتى ارتبطت بلاد المغرب والأندلس بالجهاد المتصل، فما كان أن تخمد ثورةٌ أو يصدَّ غازٍ حتى تقوم ثورةٌ ثانية ويأتي الغزاة متعاقبين، حتى أصبح الخروج منها إلى أرض الحجاز مُقيَّدًا، وغدا الحج حُلمًا بعيد المنال يصبو له أهل المغرب والأندلس حكامًا ومحكومين. 

تُجمع كتب التاريخ على أنَّ أحدًا من حكام الأندلس قد حج؛ وذلك لأنهم لم يكونوا على علاقات طيبة مع الخلافتين العباسية والفاطمية اللتين تناوبتا الإشراف على الأراضي المقدسة في الحجاز، ولهذا كان من العسير أن يمر خلفاء الأندلس الأمويون بأراضي الخلافتين في طريقهم للحج. 

الأمير عبد الرحمن الداخل، أعظم أمراء الدولة الأموية بالأندلس لم يذهب إلى الحج

الأمر نفسه الذي ينطبق على جلِّ السلاطين والأمراء والملوك والعسكر الذين حكموا بلاد المغرب الإسلامي في العصر الوسيط (رستميين وأغالبة، وأدارسة، وموحدين، ومرابطين، زيانين ومرينيين وسعديين).

وتعود أسباب عجز حكام أهل المغرب والأندلس عن أداء الركن الأعظم من أركان الإسلام إلى جملةٍ من العوامل السياسية والأمنية، التي صعبت من رحلة الحج  – إن لم تُعد مستحيلة – والتي يجملها المقريزي في كتابه «الذهب المسبوك في ذكر من حجَّ من الخلفاء والملوك».

فالسياق السياسي في ذلك الوقت فرض قطيعة شبه كليةٍ بين الأنظمة السياسية في المشرق والمغرب، فكما سبق وأن ذكرنا كانت الدولتان العباسية والأموية، تناصبا العداء بعضهما لبعض، فكان من سابع المستحيلات – حينها – أن يمرَّ أمير أموي أو تابعٌ للدولة الأموية التي حكمت الأندلس وأجزاءً من الغرب الإسلامي على أراضٍ يحكمها العباسيون دون أن يمسَّه مكروه، وهو ما يفصِّله ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة» في معرض حديثه عن الفتن التي  عطَّلت الحج. 

سببٌ ثانٍ لا يقلُّ سوءًا عن الصراع العباسي الأموي؛ فقد أدى الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، الذي كان صفةً مشتركة بين بلاد المغرب والأندلس، إلى عدم تفكير حكامهما في الحج خوفًا من انقلاباتٍ داخلية ضدَّ أنظمة حكمهم، فقد كانت الانقلابات سمة العصر الإسلامي بعدوتي البحر المتوسط. كما كان لطبيعة الصراع بين الدول القائمة في بلاد المغرب والأندلس، تأثيرٌ كبيرٌ في امتناع الحكام عن زيارة الحجاز،  فضلًا عن دور الجغرافيا وما تفرضه من صعوبة في السفر، كما ذكرنا سابقًا.

ولعلَّ أبرز سببٍ يرجع إليه المؤرخون عدم حجِّ حكام بلاد المغرب والأندلس؛ هو الحروب الدائرة على حدود الدولتين، فقد كانت الأندلس محاصرةً من الصليبيين، كما لم تسلم بلاد المغرب من الفتن، ولم يهدأ صرير السيوف طوال ذلك العصر. ولم يمنع ذلك من تسجيل بعض محاولات حجِّ أمراء بلاد المغرب، فيذكر ابن الصغير المالكي، أنَّ أبا اليقظان ابن الإمام الرستمي الثالث أفلح بن عبد الوهاب، أمير الدولة الرستمية حج سنة238هـ، وهناك اكتشف العباسيون أمره، فاعتقلوه!

حين أفتى فقهاء المالكية بتحريم الحج على أهل المغرب والأندلس!

تراكمت الأسباب واشتدت المحن على أهل المغرب والأندلس؛ فصار الخروج منها يحتاج إلى جرأة وشجاعةٍ لا يقوى عليها أهالي البلدين؛ فكان سبيل الحج المقرون بالاستطاعة شرعًا؛ مدعاةً إلى التهلكة، ومن هذا المنطلق أصدر العالم والفيلسوف الأندلسي ابن رشد سنة 514هـ فتوى بإسقاط الحج عن أهل المغرب والأندلس؛ بسبب الخطر البالغ الذي كان يتعرض له الحجيج آنذاك، فعن طريق البر كان هناك قطاع الطرق، وعن طريق البحر كان «النصارى» يأسرونهم، وهي الفتوى التي ذكرها ابن رشد في كتابه «نوازل ابن رشد».

فقهاء المالكية أجمعوا على إسقاط فريضة الحج لأهل المغرب والأندلس في العصور الوسطى

فقهاء المالكية أجمعوا على إسقاط فريضة الحج عن أهل المغرب والأندلس في العصور الوسطى، وذهبوا إلى تحريمها

أضرَّت هذه الحالة بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين؛ الذي وجَّه رسالةً إلى العلامة والفيلسوف الأندلسي أبي عبد الله ابن رشد سائلًا إيَّاه عن فريضة الحج وسط أزمة الاضطرابات التي تشهدها بلاد الأندلس: فهل فريضة الحج أفضل لأهل الأندلس أم الجهاد؟

لم يطل جواب العلَّامة ابن رشد عن تلك المسألة بإصدار فتوى مفادها: «وفرض الحج ساقط على أهل الأندلس في وقتنا لعدم الاستطاعة التي جعلها الله شرطًا في الوجوب، لأن الاستطاعة هي القدرة على الوصول مع الأمن على النفس والمال، وذلك معدوم في هذا الزمان»، وقد وافق على هذه الفتوى كلٌ من ابن حميدين واللخمي، أمَّا مفتي المالكية الشيخ أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف، المعروف بأبي بكر الطرطوشي، فذهب إلى أبعد من ذلك.

فقد أفتى الطرطوشي بأنَّ الحج حرام على أهل المغرب والأندلس «فمن خاطر وحج سقط فرضه، ولكنه آثم بما ارتكب من الغرر»، وهو ما ذكره أحمد ابن يحيى الونشريسي في كتابه «المعيار المعرب والجامع المغرب في فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب»، وبقي أهل المغرب والأندلس على هذه الحال قرابة 80 سنة، نشدوا فيها أشعار الشوقِ إلى بيت الله الحرام، ومن ذلك ما كتبه ابن العريف الصنهاجي:

شدّوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى *** وكلُّهم بأليم الشوق قد باحا

سارت ركائبهم تندى روائحها *** طيبًا بما طاب ذاك الوفد أشباحا

نسيم قبر النبيِّ المصطفى لهم *** راحٌ إذا سكروا من أجله فاحا

يا راحلين إلى المختار من مضر *** زرتم جسومًا وزرنا نحن أرواحا

إنَّا أقمنا على شوق وعن قدر *** ومن أقام على عذر كمن راحا

بعد مرور تلك النازلة عادت قوافل الحجيج المغاربة والأندلسيين إلى السير من جديد إلى رحاب الله؛ فيذكر المقريزي أنَّ أول ركب توجه إلى الحج بعد هذه المدة؛ كان له شرف أخذ كسوة الكعبة المشرفة من مصر بعد أن نزل بها واستُقبل استقبالًا رسميًّا وشعبيًّا كبيرًا، ومن بين الحجيج كان هناك الصوفي الشهير أبو الحسن الششتري، الذي ما إن وطأت قدماه أرض مصر حتى لاحت له الأنوار المحمدية في كل مكان، فأنشد قصيدته الشهيرة على غرار قصيدة «طلع البدر علينا» في وصف النبي محمد، صلى الله عليه وسلَّم، يقول فيها:

أقبل البدر علينا *** واختفت منه البدور

مثل حسنك ما رأينا *** قط يا وجه السرور

أنت شمس أنت بدر *** أنت نور فوق نور

أنت إكسير وغالي *** أنت مفتاح الصدور

مجتمع

منذ سنتين
يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

المصادر

تحميل المزيد