هل تتخيل أن يأتي يوم على الأطفال ليدرسوا في مدارس بلا جدران، وسط الهواء الطلق حيث يمكنهم اللعب طوال الوقت والتفاعل مع البيئة المحيطة بهم؟ قد يبدو الأمر رفاهية أو حلمًا مثاليًا، لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن الأمر أصبح واقعًا، بل ينتشر منذ سنوات عديدة في أوروبا، وأمريكا، وآسيا. فما القصة؟

ما هي مدارس الغابات؟

تنتشر الآن في العديد من دول العالم ما يسمى «مدارس الغابات»، وهي نوع من المدارس التي تهتم بتعليم الأطفال في الهواء الطلق، وسط البيئة الطبيعية، وخصوصًا الغابات. مدرسة الغابة هي نموذج لتقديم تعليم مختلف، حيث يزور الطلاب المساحات الطبيعية لتعلم المهارات الشخصية والاجتماعية والتقنية. تمثل مدارس الغابات عملية تعليمية ملهمة تتمحور حول الطفل، وتوفر فرصًا للنمو الشامل من خلال جلسات منتظمة في بيئة غير مقيدة. تعد مدارس الغابات بمثابة برنامج طويل الأمد يدعم اللعب، والاستكشاف، والمخاطرة المدعومة. هذه المدارس تحاول تطوير الثقة واحترام الذات من خلال الخبرات العملية التي يجنيها المتعلم في بيئة طبيعية.

Embed from Getty Images

هذه المدارس تنقسم إلى قسمين، الأول هو المرتبط بفكرة مدرسة تعليمية بالمفهوم التقليدي، لكن في الهواء الطلق. وهذا القسم مرتبط في المعتاد بفترة الحضانة في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي، والتي يقضي فيها الأطفال غالبية وقتهم في الغابة، أو الهواء الطلق.

أما القسم الثاني فهو المتعلق بإدخال بعض الجلسات في الهواء الطلق على منظومة التعليم الأساسي التقليدية. على سبيل المثال يمكن أن تجد بعض المدارس التي تأخذ الأطفال يومين في الأسبوع إلى الغابات للتعلم وتطوير مهاراتهم هناك من أجل نظام تعليم أكثر تطورًا.

مدارس الغابات.. البداية من الدنمارك

تعود جذور مدارس الغابات إلى ثقافة الهواء الطلق (friluftsliv)، أو الحياة في الهواء الطلق، والتي ينظر إليها على أنها طريقة حياة في الدول الإسكندنافية حيث بدأت الفكرة لأول مرة. تطورت مدارس الغابات بشكلها الحالي لأول مرة في الدنمارك في خمسينات القرن الماضي، وتضمنت تعليم الأطفال في الهواء الطلق، عادة في الغابات، من خلال اللعب والتمارين العملية.

Embed from Getty Images

هناك بدأت مدارس الغابات جزئيًا نتيجة غير مقصودة لدخول النساء إلى القوى العاملة بشكل متزايد في الخمسينات والستينات. بسبب النقص في مرافق رعاية الأطفال بدأ المعلمون في تعليم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث إلى أربع سنوات في الهواء الطلق، في الغابات. سرعان ما أصبحت الفصول الخارجية قاعدة ثقافية في البلاد، قبل أن ينتقل تطبيق الفكرة إلى المملكة المتحدة في التسعينات، وإلى شرق وجنوب شرق آسيا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

الانتشار نحو آسيا

مع توسع مفهوم مدارس الغابات وانتقاله إلى آسيا، كان على مفهوم مدارس الغابات أن تتطور وتتكيف مع طبيعة بيئية وثقافية وتعليمية مختلفة. هذا أدى في النهاية إلى مجموعة واسعة من مدارس الغابات في أماكن متنوعة، مثل هونج كونج، وسنغافورة، واليابان، وكوريا.

لنأخذ هونج كونج مثالًا؛ لم ينتشر مفهوم مدرسة الغابة داخل المدارس العامة في هونج كونج بعد، لكن العديد من الآباء هناك كانوا متحمسين للفكرة. فالآباء يريدون أن يخرج أطفالهم إلى البيئة والتفاعل معها بدلًا عن التعلق بالأجهزة الإلكترونية، فالبيئة تعمل مثل مدرس إضافي.

لكن الأمر كان مختلفًا في سنغافورة مثلًا؛ إذ كان أحد التحديات المبكرة هو نقل مفهوم مدرسة الغابات إلى الآباء السنغافوريين، الذين اعتادوا على نوع أكثر تنظيمًا من التعليم الداخلي، مع مهام واختبارات واضحة. لذلك، اضطر المعلمين الأوائل لهذه المدارس تقديم الكثير من الشرح لمساعدة الناس على فهم كيف يمكن لبرنامج ليس لديه مسار واضح ومنهج دراسي أن يعمل. الآن تتواجد مدرسة «Forest School»، والتي أنشأت منذ عام 2016، وتقدم جلسات في المتنزهات الريفية التي تغطيها الغابات المطيرة المورقة، يلعب الأطفال ويتعلمون وسط النباتات والحيوانات المحلية.

على جانب آخر يحذر الخبراء من أن وتيرة النمو السريع لهذه المدارس حول العالم يمكن أن يجلب معها مشاكل، مثل فقدان الفلسفة الأصلية لمدارس الغابات، والتي تقوم على تجربة الحرية من خلال التواصل مع الطبيعة، لذا لابد عن مراعاة الحساسيات الثقافية للبلدان والشعوب المختلفة عند نقل الفكرة لأماكن جديدة.

مثال على ما سبق، ففي البلدان المعتدلة، يمكن للأطفال أخذ قيلولة بعد الظهر في الهواء الطلق كمجموعة. لكن في سنغافورة الحارة والرطبة فإن هذا أمر يكاد يكون مستحيلًا بسبب البعوض والحرارة الكبيرة. حتى الحيوانات تظل في الظل في الطقس الحار لسنغافورة خلال منتصف النهار. لذلك، تجرى الدورات المدرسية في الغابة، إما في الصباح الباكر مع شروق الشمس، أو في وقت متأخر بعد الظهر، عندما تكون الشمس على وشك الغروب؛ ما يعني أن المرونة مهمة هنا بحسب طبيعة كل بلد.

اليابان.. قصة أخرى

في حين أن مدارس الغابات هي اتجاه جديد نسبيًا في هونج كونج وسنغافورة، إلا أنه في أجزاء أخرى من آسيا تمثل جزءًا لا يتجزأ من التقاليد القديمة المحلية، ففي اليابان كان تعليم الغابات جزءًا من التعليم الإلزامي لأكثر من قرن للتلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عامًا. بدأ الأمر في تسعينات القرن التاسع عشر، وظل قائمًا ويتطور حتى تسعينات القرن العشرين.

يتضمن هذا التعليم الإلزامي تعليم الطلاب صناعة أشياء من الخشب، مثل عيدان تناول الطعام، وتعلم كيفية قياس الأشجار ودراستها. بعض الطلاب يزورون أماكن نشر وتقطيع الخشب، وغيرها من مرافق معالجة الأخشاب، ويدرسون الغابات، ووظائفها الاجتماعية والبيئية المختلفة، جزء من فصولهم الداخلية المعتادة. هذا التعليم المرتبط بالغابات في اليابان يعكس الأهمية الثقافية والدينية العميقة للأشجار في البلاد، حيث كانت المعابد والأضرحة محاطة بالغابات دائمًا.

منذ تسعينات القرن العشرين وحتى الآن تنتشر مدارس الغابات بمفهومها الحديث في اليابان، وأصبحت أشهر من التعليم التقليدي؛ لأنها توفر ملاذًا من القواعد الصارمة في المجتمع الياباني. كما يشعر العديد من الآباء بالقلق من أن الشعب الياباني أصبح متوترًا للغاية في ظل تكثيف حضور تكنولوجيا عالية؛ إذ ليس هناك وقت للتواصل مع الطبيعة.

Embed from Getty Images

على جانب آخر لاحظ المعلمون في كوريا الجنوبية حركة تعليم الغابات باليابان في التسعينات، فجلبوا هذا النهج إلى بلدهم، ويوجد حاليًا أكثر من 700 غابة مدرسية في كوريا الجنوبية؛ مما يعني وجود غابات زرعتها المدارس بالقرب منها حتى يتمكن الأطفال من استخدامها فصول دراسية في الهواء الطلق. وفي الصين بدأت حركة مدارس الغابات في الظهور. إذ لوحظ ارتفاع الطلب من الآباء الصينيين على مثل هذه البرامج؛ إذ يبحث الآباء عن المدارس التي تنقل أطفالهم لبعض الأيام في الأسبوع إلى الغابة.

وهذه فوائد الدراسة في الهواء الطلق

يرى البعض أن مدارس الغابات الأطفال القدرة على التعلم بشكل أفضل من خلال اللعب. هذه بعض الأمثلة على الفوائد التي يكتسبها الطفل المشارك في مدارس الغابات:

  • وسيلة لربط الأطفال بالطبيعة.
  • تعزيز طريقة تعلم أكثر استقلالية يقودها الطفل.
  • تساعد على التطور اجتماعيًا، وعاطفيًا، وروحيًا، وجسديًا، وفكريًا.
  • تخلق بيئة رعاية آمنة للأطفال لتجربة الأشياء والمجازفة.
  • بناء علاقة عميقة وذات مغزى بالعالم وفهم لكيفية التعامل مع البيئة المحيطة.
  • توسيع القدرات من خلال محاولات حل مشكلات العالم الحقيقي.
  • بناء الثقة بالنفس والمرونة.
  • تعزز اللياقة البدنية للأطفال والرفاهية العامة.
  • تنمي مهارات الأطفال في حل المشكلات.
  • تحسين مهارات انتباه الأطفال في سن ما قبل المدرسة بحسب الدراسات.
  • اللعب في الطبيعة يشجع على النشاط البدني واللعب التخيلي.
  • إضافة عناصر طبيعية إلى الملعب، مثل العشب، والأشجار، وجذوع الأشجار، يقلل النزاعات المحتملة بين الأطفال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد