في غرفة بمعرض البورتريهات القومي في لندن، تقف في شموخ لوحات كبرى للأباطرة والملوك العظام، أمثال جورج الخامس على رأس الإمبراطورية البريطانية، وفيلهلم الثاني، الإمبراطور الألماني، وفرانز جوزيف الأول، الإمبراطور النمساوي المجري، والأرشيدوق فرانز فرديناند ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقيصر نيكولاس الثاني ملك روسيا. يبدون جميعهم مبهرين بأزيائهم الملكية، في بورتريهات مُحاطة بإطارات ذهبية رائعة الجمال.

تُقابل هذه اللوحات المذهلة صورة صغيرة بالأبيض والأسود لمراهق هزيل، يُدعى جافريلو برينسيب والذي يُعد مسؤولًا بطريقة ما عن سقوط هؤلاء الأباطرة والملوك السابق ذكرهم. فقد كان برينسيب بمثابة الفتيل الذي أشعل نيران الحرب العالمية الأولى، التي تلاشت بحلول نهايتها عدة إمبراطوريات، مثل إمبراطورية النمسا والمجر، وروسيا، وألمانيا، والإمبراطورية العثمانية، فضلًا عن الضعف الشديد الذي لحق بالإمبراطورية البريطانية، ولم تتعافَ بعده من جديد.

فكيف تسبب ذلك المراهق الذي لم يبلغ 20 ربيعًا من عمره حينها، في اندلاع نيران الحرب العظمى، التي أفضت إلى انهيار ثلاث من أعظم إمبراطوريات العالم، وتغيير الحدود وإعادة رسم خريطة العالم الجديد؟

الابن الرابع لساعي بريد تجذبه منظمة اليد السوداء

وُلد جافريلو برينسيب في يوليو (تموز) عام 1894 لأب يعمل ساعي بريد، وكان الابن الرابع بين إخوته التسعة لعائلة ريفية من الصرب البوسنيين. وقد توفي ستة من إخوته في طفولتهم، وكذلك كانت صحة جافريلو نفسه سيئة منذ طفولته.

التحق برينسيب بالمدرسة الثانوية في سراييفو وتوزلا، ثم غادر إلى بلجراد في مايو (آيار) عام 1912. وهناك، كان تعليمه أكثر قومية فيما يتعلق بجنسيته الصربية. وبينما كان في صربيا، انضم برينسيب إلى جمعية «اليد السوداء» السرية، التي كانت حركة قومية أرادت تدمير الحكم النمساوي المجري في البلقان، وإقامة اتحاد بين البوسنة، والهرسك، وصربيا، وتوحيد شعوبها في دولة فيدرالية. وأصبح برينسيب داعيًا نشطًا لتلك القضية الكبرى.

تمثال جافريلو برينسيب في سراييفو

وقد جرى قبول برينسيب في أكاديمية حزبية تابعة لمنظمة «اليد السوداء»، لكن حالته الصحية السيئة جعلته غير لائق للخدمة الفعلية. وبعد عامين، جرى تجنيده إلى جانب اثنين آخرين في مؤامرة لاغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند.

وقد رأت المنظمة أن الخطوة الأولى لتحقيق أهدافها، يجب أن تكون اغتيال أحد أفراد عائلة هابسبورج الإمبراطورية، أو أحد كبار المسؤولين في الحكومة. وبناءً عليه، أرسل دراجوتين ديميترييفيتش، رئيس إدارة الاستخبارات في الجيش الصربي، ورئيس منظمة «اليد السوداء»، ثلاثة رجال كان برينسيب واحدًا منهم، إلى جانب نيدجيلكو كابرينوفيتش، وتريفكو غرابيز؛ لاغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث العرش النمساوي المجري، خلال زيارته لسراييفو في يونيو (حزيران) عام  1914.

ظنها البعض شرارة حرب عالمية.. كيف أصبحت علاقة روسيا وتركيا بعد عام من قتل السفير؟

حادث الاغتيال الذي أطلق شرارة الحرب

أرسل الجنرال أوسكار بوتيوريك، الحاكم العسكري للبوسنة، دعوة إلى الأرشيدوق فرانز فرديناند؛ لتفقد مناورات الجيش في سراييفو، بصفته المفتش العام للجيش الإمبراطوري. وقد قبل الأرشيدوق الدعوة، وقدم إلى سراييفو في زيارة رسمية، لم يكن يعلم أنها ستُكلفه حياته، بصحبة زوجته صوفي، دوقة هوهنبرج، في يوم الأحد 28 يونيو  عام 1914.

وقد كان برينسيب، وشريكيه نيدجيلكو كابرينوفيتش، وتريفكو غرابيز، وثوريون آخرون بانتظار موكب الأرشيدوق. كانت التعليمات الصادرة لهم تتضمن الانتحار بعد قتل الأرشيدوق؛ إذ لم يرغب ديميترييفيتش في أن يعيش أي من الرجال بعد الحادثة؛ حتى لا يعلم أحد بمن يقف وراء الاغتيال. وتحقيقًا لهذه الغاية، جرى إعطاء كل من المشاركين في المؤامرة قنينة من السيانيد، بالإضافة إلى مسدس، وقنابل يدوية. وفضلًا عن ذلك، كان يعاني كل منهم من مرض السل؛ وبالتالي كانوا على علم بأنه لم يكن لديهم وقت طويل للعيش على أية حال.

ومع أن رئيس وزراء صربيا كان قد جرى تحذيره مسبقًا من مؤامرة الاغتيال، وهو الذي كان متعاطفًا مع أهداف «اليد السوداء»، إلا أنه خشي من نشوب الحرب مع النمسا والمجر إذا نجحت محاولة الاغتيال. ولذلك؛ أصدر أوامر بالقبض على الرجال الثلاثة خلال مغادرتهم البلاد، لكن أوامره لم تُنفّذ مع ذلك.

وبمجرد وصولهم إلى البوسنة والهرسك، التقى الرجال الثلاثة مع ستة من زملائهم المتآمرين وسافروا إلى سراييفو. ولدى وصول الأرشيدوق فرانز فرديناند إلى سراييفو، قابله الجنرال بوتيوريك في محطة السكك الحديدية، لينتقل منها إلى قاعة المدينة لحضور حفل وخُطب الاستقبال.

وعلى جانب الطريق المقرر أن يسلكه موكب الأرشيدوق على طول رصيف أبيل، اصطف سبعة من أعضاء «اليد السوداء»، وألقى نيدجيلكو كابرينوفيتش قنبلة يدوية على سيارة الأرشيدوق. لكن السائق استطاع المراوغة وسرعان ما خرج من مكان الحادث، وارتدت القنبلة من الجزء الخلفي للسيارة، وتدحرجت أسفل السيارة التالية، وانفجرت بعد ثوانٍ؛ وأصيب اثنان من رُكابها بجروح خطيرة.

بعد ذلك، ابتلع كابرينوفيتش قنينة السيانيد حسب التعليمات، وألقى بنفسه في نهر ميلجاكا. لكنه لم يمت، وأُلقي القبض عليه واعتقل. وعلى الأغلب أن القنينة لم تكن تحتوي سوى محلول مائي غير ضار.

نجا الأرشيدوق من المحاولة الأولى تلك المرة، وتمكن من الوصول إلى قاعة المدينة بسلام، وحضور حفل الاستقبال. لكنه قاطع خطاب ترحيب العمدة، واشتكى بصوت عالٍ من طريقة استقباله في المدينة، قائلًا: «ما فائدة خطابك؟. لقد أتيت إلى سراييفو في زيارة، لأجد القنابل تُلقى في وجهي. إنه أمر مشين!».

وبعد الاستقبال، أصر الأرشيدوق على زيارة المصابين في انفجار القنبلة في مستشفى المدينة. وقرر الجنرال بوتيوريك أن يسير الموكب في طريق بديل إلى المستشفى، مع تجنب وسط المدينة تمامًا. ومع ذلك، لم يجري إبلاغ فرانز أوربان، سائق سيارة الأرشيدوق، بتغيير الخطة، واتخذ المسار الأصلي.

وخلال انتقاله إلى شارع فرانز جوزيف، لاحظ الجنرال بوتيوريك، الذي كان مصاحبًا الأرشيدوق أن السائق لم يسلك المسار الذي خطط لتغييره، واحتج مع السائق الذي قام بدوره بإبطاء السيارة، ثم بدأ في الخروج من الشارع. وفي هذه الأثناء، انتهز برينسيب الذي تصادف وجوده في شارع فرانز جوزيف في أحد المقاهي الفرصة، واستهدف الأرشيدوق من مسافة خمسة أقدام.

وبرصاصتين من مسدس «براوننج 9 ملم 1910FN» بلجيكي نصف أوتوماتيكي، سقط وريث العرش الإمبراطوري النمساوي المجري قتيلًا، بعد أن أصابته رصاصة في الرقبة، وأصابت زوجته الدوقة صوفي رصاصة في البطن. وقد صرح برينسيب لاحقًا أنه لم يكن يستهدف الدوقة برصاصته الثانية، بل الجنرال أوسكار بوتيوريك، لكن القدر شاء أن تصيبها الرصاصة؛ ليعود الأرشيدوق وزوجته بعدها إلى بلادهم جثتين.

الحرب التجارية العالمية تشتعل.. لماذا قد تكون بريطانيا الرابح الوحيد؟

الحرب العظمى.. إمبراطوريات تتساقط وخريطة عالم جديد تتشكل

أعطى فعل برينسيب إمبراطورية النمسا والمجر العذر الذي سعيا إليه؛ لإطلاق العداء ضد صربيا، وحمّلاها المسؤولية. في البداية، أعطت الإمبراطورية إنذارًا لصربيا بدعم من ألمانيا، أعقبه إعلان الحرب عليها بعد الحادثة بشهر، في 28 يوليو (تموز) من العام نفسه؛ الأمر الذي أدى إلى صراع على نطاق أوسع بكثير استمر لأربع سنوات لاحقة.

وبدعم من ألمانيا، هاجمت النمسا صربيا، التي تورط حلفاؤها، روسيا وفرنسا في الصراع. وفي الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس (آب)، تفاقمت الأحداث وتطورت إلى أزمة في القارة العجوز. ولاحقًا، انضمت الإمبراطورية العثمانية، وبريطانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة إلى القتال. ودفعت القوى الأوروبية الكبرى العالم إلى صراع دموي.

في الأول من أغسطس، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا، وبعد يومين أعلنت الحرب على فرنسا. وفي إطار استراتيجية لهجوم سريع، أطلقت ألمانيا خطة شليفن وغزت بلجيكا المحايدة ولوكسمبورج. والتزامًا منها بتعهدها لحماية بلجيكا، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في الرابع من أغسطس.

وبعد يومين، أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على روسيا، وأعلنت صربيا الحرب على ألمانيا. وبعد نزول القوات البريطانية في فرنسا، أعلنت مونتنجرو (الجبل الأسود) الحرب على ألمانيا، وأعلنت بريطانيا وفرنسا أيضًا الدخول في حرب ضد النمسا والمجر.

وبعد ثلاثة أشهر، انضمت الدولة العثمانية للقتال، وهكذا أخذت الأحداث تتصاعد، واندلعت نيران الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى)، التي دارت رحاها على مدار أربعة أعوام أكلت فيها الأخضر واليابس، وحصدت ملايين الأرواح، وخلفت ملايين غيرهم من المصابين.

لكن فعل برينسيب لم يتوقف عند إطلاق الشرار الذي أشعل فتيل الحرب الشعواء وحسب، بل تسارعت الأحداث أكثر وسرعان ما تغيّرت خريطة العالم. فبعد الحرب العالمية الأولى، سقطت الإمبراطورية العثمانية، وإمبراطورية النمسا والمجر، وروسيا، وأخذت الشمس التي كانت لا تغرب عن الإمبراطورية البريطانية الشاسعة، في الأفول والمغيب.

وانتهت الحرب العظمى أيضًا بهزيمة ألمانيا، التي شهدت انهيارًا اقتصاديًا؛ أوصل أدولف هتلر وحزبه القومي إلى الحكم؛ وأوقد الفهرر حربًا عالمية ثانية، تمخضت عنها القنبلة الذرية، ثم قيام دولة إسرائيل، والحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

علاوة على ذلك، شهد العالم الحرب الكورية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، في الفترة بين عامي 1950 و1953. وفيما بعد، الحرب الدامية في فيتنام بين عامي 1955 و1975. بالإضافة إلى حرب الجيوش العربية مع إسرائيل عام 1967، والثورة الإسلامية وسقوط الشاه في إيران. وأخيرًا وليس آخرًا، تدريب الأمريكان للأفعان لمواجهة الروس في أفغانستان، وظهور بن لادن و«تنظيم القاعدة»، ومسمى «الحرب على الإرهاب»، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

رحيل جافريلو برينسيب قبل أن يرى كيف قلب العالم

بعد إطلاق النار على الأرشيدوق وزوجته، وجَّه برينسيب فوهة مسدسه نحوه، وحاول إطلاق النار على نفسه. ولكن رجل قريب أوقفه في حينها، وبمساعدة العديد من رجال الشرطة، جرى اعتقاله واقتياده إلى مركز للشرطة.

إلقاء القبض على برينسيب

وقد اتُّهم ثمانية رجال بالخيانة، واغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وجرى توقيع عقوبة الإعدام عليهم. ولكن بموجب القانون النمساوي المجري، لم يكن من المسموح حينها تطبيق عقوبة الإعدام على أي شخص يقل عمره عن 20 عامًا. وقد كان جافريلو برينسيب يبلغ 19 عامًا لدى ارتكابه الجريمة؛ لذلك لم تُطبق عليه عقوبة الإعدام، وجرى الحكم عليه بالسجن 20 عامًا.

وبعد محاكمة أُجريت في سراييفو، حُكم على برينسيب في 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1914، بالسجن لمدة 20 عامًا والتي كانت تعد حينها أقصى عقوبة يمكن توقيعها على شخص يقل عمره عن 20 عامًا. ولكنه لم يقضِ فترة عقوبته كاملة، وقضى منها نحو أربع سنوات فقط، ثم توفي في مستشفى بالقرب من سجنه، في 28 أبريل (نيسان) عام 1918؛ إثر إصابته بمرض السل العظمي، الذي كان مصابًا به قبل سجنه، واستشرى في جسده وفتك بعظامه؛ حتى فقد من وزنه الكثير، واضطر إلى بتر أحد ذراعيه، ثم أنجز عليه المرض دون أن يُدرك أنه قلب العالم رأسًا على عقب بفعلته تلك.

«غاليبولي».. «الملحمة» التي أثار إحياء ذكراها أزمة دبلوماسية بين تركيا والنمسا

المصادر

عرض التعليقات
s