يصل إلى بُعد أكثر من 200 كيلومتر شمال العاصمة الموريتانية نواكشوط آلاف الموريتانيين، تختلف أعمارهم وشرائحهم، لكن هدفهم واحد، وهو الحصول على الثراء عبر التنقيب عن الذهب في هذه المنطقة أو غيرها.

لقد أصبحت هذه المنطقة التي كانت قبل عام 2016 أرضًا سوية ممتلئة بالحفر التي يبلغ عمق الواحدة فيها عشرات الأمتار؛ إذ يعمل هؤلاء على حفر الأرض تحت حرارة الشمس بأدوات بدائية من أجل إخراج المعدن النفيس. ذاك الكنز  الذي يقصدون به سوق الذهب، فيحمل بعضهم الكيلوجرامات، ويحمل آخرون المئات وهناك من يحمل العشرات فقط. لكن حظ الحكومة الموريتانية هو الأكبر؛ إذ يدر التنقيب عن الذهب نحو 250 مليون دولار سنويًا.

الموريتانيون يتهافتون على التنقيب عن الذهب.. تهافُت الفَرَاش على النار

«هنا الخطر يحاصرك في كل شيء، في أكلك وشرابك وحتى في ثيابك، خطر في وجود هذه الأساسيات وخطر أكبر في انعدامها»، تبدو هذه الجملة السابقة مبهمة للغاية، لكن إذا ما عُرف أن قائلها شاب موريتاني يتحدث عن عمله في التنقيب عن الذهب، فقد تتضح الأمور لحد ما.

شاب يبحث عن الذهب

يوضح الموريتاني سيدي عبد الله ولد البخاري، أن من أصعب المواقف التي يواجهها خلال عمله في التنقيب عن الذهب، أن يأتيه عامل يريد قنينة الماء التي بحوزته فيعطيها له، بينما يبقى هو في انتظار وصول صهريج ماء محمول على سيارة متهالكة تمر في طريق صعب للغاية، ويضيف خلال حواره لـ«ساسة بوست»: إن «الماء هنا مالح ذو رائحة نتنة، لذلك فهناك خطر على الصحة من جراء استعماله، كذلك الغذاء سيئ وجميع العاملين يعانون من فقر الدم والدوار وسوء الهضم والأمراض الجلدية».

يعكف البخاري منذ ثلاثة أعوام على القيام برحلات التنقيب عن الذهب، وعاد من رحلته الأخيرة في «اگْلَيبْ انْدُورْ» قبل نحو الشهر، يقول عن هذه الرحلة: «التجربة جيدة على العموم وإن كانت المقاييس تختلف من شخص لآخر».

يشدد البخاري على أن دافعه الأساسي للتنقيب عن الذهب دافع اقتصادي بحت. فقد حاول قبل إقدامه على هذا العمل الهروب من واقع البطالة، إذ أقفلت أمامه جميع أبواب الرزق. لذلك فهو يأمل بأن يمكّنه ما يجنيه من التنقيب عن الذهب، من العمل في عدة مشاريع تدعم طموحه. ومع هذا لا يزال هذا الشاب الموريتاني تحاصره مخاوف جمة، ومنها كما يقول لـ«ساسة بوست»: «الفشل، أخاف أن لا أحصل علي شيء بعد أن أكون قد تحملت كل تلك المشاق وخضت كل المخاطر بالهروب من الواقع إلى ظله». ومن تلك المخاطر أيضًا؛ الخوف من استغلال الآخرين؛ لأن المُنقِّب في النهاية يعمل مع آخرين، ناهيك عن خوف الأهل الشديد كلما سمعوا بحادث سقوط بئر، إذ يهرعون إلى محاولات الاتصال الصعبة من أجل الاطمئنان بأن ابنهم ليس في هذا البئر الذي سقط على العاملين فيه.

ففي الأيام الأخيرة الماضية سقط بئر على ستة أشخاص أنقذ ثلاثة منهم فقط، فيما دفن الركام الثلاثة الباقين، وقد استغرقت عملية انتشال الجثث عدة أيام، بسبب الوسائل البدائية التي يستخدمها المنقبون لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وبشكل عام توفى أكثر من 20 منقبًا خلال الأشهر الأخيرة، فيما جُرح العشرات.

ففي هذه الرحلات يخرج الآلاف من الموريتانيين شبابًا وشيبة، عاطلين عن العمل، وعاملين، قاصدين مناطق التنقيب بحثًا عن الذهب، حيث يشكل هؤلاء – خاصة الذين لا يستطيعون توفير رسوم الترخيص والمعدات – فريقًا من ثلاثة إلى أربعة أفراد، ويتقاسمون فيما بينهم أعباء الرحلة وعوائدها، فيما اختار آخرون منهم العمل باعة متنقلين لبعض البضائع الأساسية مثل المياه المعدنية وبطاقات رصيد الهواتف أو حتى تأجير الخيام والفراش وصنع الطعام للعاملين في التنقيب، وذلك بأسعار تصل إلى أكثر من الضعفين مقارنة بالأسعار العادية.

لا يبالون بخطر الموت أو السجن.. قصص الباحثين عن الذهب في الصحراء المصرية

هذا ما يلاحق الباحثين عن الذهب

تشهد مبيعات أجهزة التنقيب في موريتانيا إقبالًا كبيًرا تسبب في مضاعفة أسعارها، كأن ينتقل سعر واحدة منها من أقل من ألف دولار إلى حوالي ألفي دولار، كما تضاعفت رسومها الجمركية؛ ما أدى إلى ارتفاع سعرها بنسبة 100%.

وبرغم ذلك تبقي هذه الآليات واحدة من أسباب الموت الذي يلحق بالعاملين في التنقيب عن الذهب، إذ يقضى العاملون خلال التنقيب في حوادث عدة، مثل انهيار تربة حفرة عميقة، ويضاعف من المعاناة غياب فرق إسعاف قريبة، ويتراوح عدد الضحايا في الحادثة الواحدة بين شخص وأربعة أشخاص.

فكما يقول الباحث الاقتصادي الموريتاني الحسين ولد محمد عمر، أن الاعتماد في هذا العمل على أدوات بدائية يزيد المخاطر، إضافة إلى عدم اهتمام الحكومة بتوفير أسباب الأمان للمنقبين، إذ تحظر عليهم استخدام الآليات الكبيرة الأكثر أمنًا.

ويشير عمر خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أن مشاكل العاملين في التنقيب لا تنتهى بعد العودة من رحلاتهم، ويوضح ذلك بالقول: «يستدين المنقبون أموالًا كثيرة لتغطية تكاليف الرحلة، وبما أن رحلة التنقيب لا تضمن أن يجني العامل مالًا، يصبح هؤلاء عرضة للملاحقة القضائية من الدائنين، أو ربما يبيع أهاليهم مساكنهم لذات الغرض، وفي حالة عدم جنيهم لأي محصول يكون الأهل معرضين للتشرد».

ويشير الباحث الموريتاني إلى أن ظاهرة التنقيب عن الذهب السطحي في موريتانيا بدأت متأخرة نوعًا ما مقارنة ببقية دول العالم، إذ كانت البداية الفعلية للتنقيب في عام 2016، حين بدأت الحكومة تنظيم عملية استخراج الذهب، وفرضت وجوب استصدار رخصة تنقيب مقابل رسوم تناهز 300 دولار، فيما كانت المرحلة الثانية في التنقيب اليدوي عن الذهب في ديسمبر (كانون الأول) 2018، وتحديدًا في الشمال الموريتاني، حيث سمح للمنقبين اليدويين بالدخول لمنطقة «اگْلَيبْ انْدُورْ» الواقعة في أقصى الشمال.

ويضيف عمر: «الآلاف من الشباب الموريتاني اتجهوا للتنقيب ولا يزالون في ازدياد نظرًا لمستوى البطالة الذي يناهز 31٪ حسب التقارير الدولية (الحكومة تقول إنه في حدود 10-12٪)، و تعتبر منطقة «اگْلَيبْ انْدُورْ» في أقصى شمال موريتانيا الأكثر جذبًا للشباب الموريتاني والأكثر حصدًا للضحايا مقارنة بالمنطقة المحاذية لمدينة الشامي (260 كم إلى الغرب من العاصمة نواكشوط) حديثة النشأة».

علاقة الذهب الموريتاني بالجماعات المسلحة

تزايدت مؤخرًا حمى التنقيب عن الذهب في موريتانيا، حتى أن بعض المنقبين أخذوا في الذهاب إلى مناطق خارجة عن نطاق رخصة التنقيب، مثل الذهاب باتجاه الحدود مع الجزائر تحديدًا، ضاربين عرض الحائط بالمخاطر الجمة التي أدت إلى وفاة 3 منقبين عطشًا في مايو (أيار) الماضي.

لكن هناك مخاطر أخرى تراها الحكومة الموريتانية غير المخاطر على حياة المنقبين في الصحراء؛ تتمثل في مخاوف أمنية ناجمة عن صعوبة التمييز بين المنقبين المسالمين وعصابات التهريب والجماعات المسلحة على الحدور الموريتانية الجزائرية، الأمر الذي دفع وزارة الدفاع الموريتانية لإعلان الحدود مع الجزائر منطقة عسكرية مغلقة يحظر عبورها؛ ويضع المخالف تحت طائلة التعرض لإطلاق النار دون سابق إنذار.
وفي هذا النطاق أعلن الجيش في موريتانيا في يونيو (حزيران) 2018 أن بعض المنقبين عن الذهب يتعاملون مع جماعات التهريب والجماعات المسلحة، لذلك يحظر الدخول إلى المنطقة العسكرية المغلقة في الشمال، وجاء في بيان الجيش أن هذه التجاوزات كان من ضمنها: «حمل السلاح، الاقتراب من الوحدات الميدانية ليلًا، الاتصال بجماعات التهريب، والإرهاب، والتبادل التجاري معها».

كما تتخوف الحكومة في موريتانيا من تورط «جبهة البوليساريو» الانفصالية في عمليات التنقيب عن الذهب الموريتاني، ففي أواخر مارس (آذار) 2018 كشفت معلومات عن تورط الجبهة في تهريب الذهب عبر عمل خلايا تابعة لها ضمن حلقة دولية في التنقيب عن الذهب في مدينة بشمال موريتانيا. كذلك تحدثت السلطات الموريتانية عن  تورط أعضاء من «جبهة البوليساريو» في بيع الأسلحة في جميع أنحاء موريتانيا، وذكرت أن هؤلاء ارتبطوا بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وكذلك ارتبطوا بـ«حزب الله» اللبناني، ولم تستبعد تلك السلطات أن يكون الحزب و«القاعدة» قد استفادوا من عمليات تهريب الذهب، وأن بعض الخلايا الأخرى قد تستمر في العمل بهذه الصفة حتى الآن.

وعن استغلال الجماعات المسلحة للتنقيب، يعتقد الباحث الاقتصادي الموريتاني الحسين ولد محمد عمر أن ذلك يبدو مستبعدًا نوعًا ما، خاصة أن منطقة «اگْلَيبْ انْدُور» هي منطقة عسكرية مغلقة وتحظى برقابة دقيقة من الجيش الموريتاني، ويضيف: «كذلك تتم عمليات تفتيش دقيقة للمنقبين، إذ يمنع عليهم تجاوز الحدود المسموح بالتنقيب فيها؛ وفي حالة خرق تلك التوجيهات يطرد المنقب وقد يحال للمحاكمة، فالمنطقة حساسة إذا كانت مرتعًا للجماعات الإرهابية، بالتالي تحظى برقابة خاصة».

البلاديوم يتربّع على عرش المعادن الثمينة.. فهل يزيح الذهب؟

المصادر

تحميل المزيد