تُزين الأعلام الصفراء التي تجاورها صور لزعيم «حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، أجزاء كثيرة في البقاع اللبنانية؛ فهي تحيط بمقاتلي الحزب الذين تغطي الأقنعة وجوهوهم، وتتدلى الرشاشات على جانبيهم. فهنا وجود عظيم للحزب الذي منحته الانتخابات اللبنانية الأخيرة فرصة السيطرة على جزء كبير من السياسة الداخلية اللبنانية.

هنا أيضًا توجد بكثرة الأسلحة الأكثر تطويرًا التي يمتلكها الحزب؛ تحسبًا لوقوع أي صراع عسكري مع إسرائيل، فهذه الأخيرة تحدثت قبل أيام عن وجود مصنع يعمل على إنتاج الصواريخ الدقيقة وتحويلها في هذه البقاع، وتحديدًا في قرية «النبي شيت»، ويشمل الموقع الذي تحدث عنه الإسرائيليون ونشروا صورًا له؛ عدة مجمعات معدة لإنتاج المحركات والرؤوس الحربية للصواريخ ذات القدرة على الاستهداف الدقيق لنحو 10 أمتار.

كذلك تحدث الإسرائيليون عن عمل الحزب في العام الأخير على إقامة بنية تحتية لتحويل صواريخ أرض أرض إلى صواريخ دقيقة، في حي الأوزاعي المجاور لمطار بيروت الدولي، وحددوا مواقع تلك الصواريخ، كملعب كرة القدم التابع لفريق العهد، وموقع آخر مجاور لمطار الحريري الدولي، وموقع في المرسى يبعد نحو 500 متر فقط عن مسار الهبوط في المطار.

«هآرتس»: رجل الظل لن يستسلم بسهولة.. هذا هو تهديد إيران الجديد لإسرائيل

ترسانة «حزب الله» الصاروخية

استخلص «حزب الله» الذي أُسس خلال الثمانينيات بمساعدة إيرانية، ليصبح الآن أقوى ممثل عسكري غير مسلح في لبنان، بعد حرب عام 2006 مع إسرائيل الدروس، فعكف على تطوير قدراته العسكرية لحد كبير.

فالحزب، وإن كان ينضوي تحت لوائه اليوم قرابة 45 ألف مقاتل، بينهم نحو 21 ألفًا في القوات النظامية، أدرك أهمية امتلاكه صواريخ ذات قدرة على الإصابة الدقيقة مع رؤوس متفجرة، أكبر من تلك التي كانت لديه في الحرب السابقة، وكذلك عمل على تحسين قدراته في مجال الطائرات من دون طيار، وفي الدفاع الجوي، ولديه صواريخ بر بحر، وصواريخ مضادة للطائرات.

ثم جاءت مشاركة الحزب في الحرب السورية بعد عام 2011، لتكسبه خبرة قتالية لا تقدر بثمن، وإن كانت قوته ما تزال لا تضاهي قوة الإسرائيليين، فقد تدربت قواته بشكل مهم على مواجهة التحديات التي تفرضها أساليب حرب العصابات التي ينتهجها «حزب الله».

وبالتزامن مع المشاركة في الحرب السورية وتبعيات ذلك، تمسك الحزب في السنوات الأخيرة أكثر بعمليات تطوير الصواريخ، لتنمو ترسانته وتشمل ما بين 40 ألف إلى 150 ألف صاروخ، لتفوق قدرات معظم الدول ذات السيادة.

وتبين دراسة نشرها موقع «The Missile Threat» التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية أن: «ترسانة حزب الله مكونة بالأساس من مدفعية أرضية صغيرة، وأحيانًا تعد غير دقيقة، ولكن على الرغم من عدم دقتها فإن وجودها بكثرة لدى الحزب هو ما يجعلها ذات فعالية وجدوى».

وحسب الدراسة: «يوجد لدى الحزب صواريخ إيرانية الصنع مثل الكاتيوشا، التي تجد القبة الحديدية لدى الاحتلال صعوبة في التعامل معها؛ لأن مداها قصير ومسار تحليقها منخفض. إلى جانب صواريخ فجر 1 و2 و3، وصواريخ فلاك 1 و2، وقذائف شاهين، وصاروخ زلزال الإيراني، الذي يصل مداه إلى 200 كم، ويحمل مئات الكيلوجرامات من المتفجرات، وهو ما يشكل تهديدًا حقيقيًّا لدى إسرائيل».

ووفقًا للدراسة، فإن «لدى الحزب صواريخ مضادة للسفن، تعرف باسم نور، وهي إيرانية الصنع، ويصل مداها إلى 120 كم وتحمل رأسًا حربيًّا بوزن 165 كجم. وهو ذاته الصاروخ الذي أصاب سفينة سلاح البحرية الإسرائيلي خلال الحرب الثانية على لبنان، وقتل على إثره أربعة جنود، وأيضًا هناك صاروخ آخر يهدد إسرائيل، وهو صاروخ يخونت».

إسرائيل ومعضلة «امتلاك حزب الله للصواريخ الدقيقة»

«الحزب حصل على صواريخ دقيقة ومتطورة، على الرغم من محاولات إسرائيل منعه من ذلك»

هذا ما قاله الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله مباشرة وبوضوح، وكذلك أضاف في موضوع الصواريخ الدقيقة ومحاولات إسرائيل في سوريا لقطع الطريق على هذه القدرة وعلى هذه الإمكانية: «أقول مهما فعلت (إسرائيل) في قطع الطريق لقد انتهى الأمر، وتم الأمر، وأنجز الأمر، وباتت المقاومة تملك من الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة».

لم يكن الإسرائيليون بحاجة لتأكيدات نصر الله السابقة؛ إذ سبقوه بالفعل لمواجهة ما لا يكفون عن تأكيده، وهو وجود خطر من الصواريخ الدقيقة التي بات الحزب يملكها، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أطلقت إسرائيل عملية «الدرع الشمالي» العسكرية ضد ما أسمته الأنفاق الهجومية لـ«حزب الله»، وأعلنت أن هذه العملية استباقية لعملية عسكرية إسرائيلية أوسع، تهدف إلى إزالة التهديد الذي تشكله الصواريخ الدقيقة التي طورها الحزب برعاية إيران.

ولم يكن ما سبق الخطوة الوحيدة التي خاضتها إسرائيل مؤخرًا، للتعامل مع جهود «حزب الله» لإضافة توجيه دقيق لترسانته التي تضم عشرات آلاف الصواريخ، ويبدو أن أحداث الاشتباكات المتبادلة بين الطرفين في أغسطس (آب) الماضي، لم تكن أيضًا الأخيرة لاستهداف قدرات الحزب، إذ قالت إسرائيل إن ما استهدفته وسط الضاحية الجنوبية هو «ماكينة وزنها ثمانية أطنان، تعمل في مشروع صواريخ «حزب الله»، تسرع من إنتاج مواد تحسن أداء محركات الصواريخ، وزيادة مستوى دقتها، قبل وقت قصير من نقل الحزب للماكينة إلى مكان محصن من الضربات الخارجية».

ويسعى كلا الطرفين لجعل معادلة الردع المتبادلة بينهما لصالحه؛ فإسرائيل تدرك أن إيران والحزب يوليان أهمية كبيرة للصواريخ الدقيقة؛ بغية خلق ميزان ردع حيال إسرائيل، ولذا فهما يعملان على بناء مواقع سرية لتحويل الصواريخ غير الدقيقة إلى صواريخ موجهة دقيقة، قادرة على الهجوم على منشآت حساسة، والتغلب على دفاعاتها الجوية.

وفي ظل الإدراك الإسرائيلي السابق يتحرك الإسرائيليون نحو ممارسة الضغط غير المباشر، ثم مهاجمة المواقع القائمة لتأجيل عمليات التطوير، وتوكد مصادر إسرائيلية أن إيران تحاول تهريب معدات تساهم في زيادة دقة الصواريخ، وذلك من خلال تهريب قطع صغيرة من هذه المعدات على مراحل مع مسافرين.

وتركز الجهود الإيرانية – حسب المصادر الإسرائيلية- على تحويل صواريخ «زلزال 2»، التي يبلغ مداها حوالي 200 كيلومتر إلى صواريخ دقيقة قادرة على ضرب الأهداف بدقة عالية، إذ تريد إيران رفع مستوى دقة 14 ألف صاروخ بحوزة «حزب الله»، بينما تتراوح تكلفة تحويل الصاروخ الواحد إلى دقيق من 5 آلاف إلى 10 آلاف دولار.

وتذكر مصادر استخباراتية أن «عدد صواريخ «حزب الله» الدقيقة لا تفوق 200 صاروخ، ولا تقل عن 20 صاروخًا. وأن الحزب يمتلك 150 ألف صاروخ غير دقيق، يمكنه من خلالها التسبب بأضرار كبيرة في مواقع إسرائيلية حساسة»، كما تتحدث المصادر الإسرائيلية عن تطوير الحزب مؤخرًا منظومة الـ GPS، لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، وعدم تمكينه من ضرب الأهداف في الأراضي اللبنانية في حال اندلاع مواجهة.

كيف ستكون القوة الصاروخية لـ«حزب الله» لو وقعت الحرب مع إسرائيل؟

في حال نشبت حرب واسعة بين «حزب الله» وإسرائيل، يتوقع المراقبون أن يتمكن الحزب من إطلاق 1500 صاروخ في المتوسط اليومي، مقابل ذلك سيكون على إسرائيل اللجوء إلى الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن؛ لاعتراض ما تستقبله من الحزب، فبالنظر إلى عدد صواريخ الحزب الآن، وأنظمة إسرائيل الدفاعية، لن تكون الأخيرة قادرة على اعتراض كل تلك الصواريخ.

سيارة أصيبت بصاروخ من طراز كاتيوشا أطلقه مقاتلو حزب الله من جنوب لبنان 2006

يقول الباحث في مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطية» الأمريكية، المعروفة بتوجهاتها اليمنية الموالية لإسرائيل، ديفيد داوود، إنه: «بناء على تلك القدرات لدى الحزب، يرجح أن يضرب الحزب مئات الصواريخ على الشمال الإسرائيلي، وهو ما سيحدث اضطرابًا مماثلًا في الحياة المدنية والاقتصاد، يشبه ما حدث في حرب عام 2006، كما سيكون من الصعب على الإسرائيليين استخدام القوة الجوية أو المدفعية، فخيارهم الوحيد هو إرسال قوات إلى هذه القرى، وهنا يمتلك حزب الله ميزة المدافع».

ويضيف داوود: «لكن قوة الحزب ما تزال لا تضاهي قوة إسرائيل؛ فإسرائيل تتفوق في العمليات القصيرة والحادة والحاسمة، ولن يكون كافيًا لحزب الله تقصير الحرب التي يمكن أن تكون أكثر تدميرًا من أي مواجهة سابقة بين الجانبين، للبقاء على قيد الحياة والمطالبة بانتصار آخر».

وتظهر ورقة تقدير موقف أصدرها «معهد السياسات والاستراتيجيات»، التابع لمركز «هرتسليا» الإسرائيلي متعدد المجالات، أنه: «في مواجهة الترسانة الضخمة من الصواريخ التي يملكها الحزب، ووجود صواريخ دقيقة الإصابة وذات رؤوس متفجرة كبيرة، من المهم أن تجري تهيئة الجمهور في إسرائيل لمواجهة المواصفات الجديدة للحرب المستقبلية التي ستكون مختلفة عن كل المعارك السابقة، من حيث قوة الهجمات والخسائر وسط السكان المدنيين».

وتظهر الورقة أيضًا أنه: «لو نشبت الحرب ستسعى إسرائيل قدر الإمكان إلى تقصير أمد القتال، وتقليص أضراره قدر الممكن، وليس هناك شك في أن التقدم الكبير الذي تحقق منذ 2006 على صعيد منظومة إسرائيل للدفاع الفعال، وفي طليعتها منظومة «القبة الحديدية» و«العصا السحرية»، اللذان سيوفران دفاعًا فعالًا للسكان والبنى الحيوية، لكن هذه المنظومات لا تستطيع أن توفر دفاعًا كاملًا في وجه الكميات الضخمة من الصواريخ والقذائف الصاروخية الموجودة لدى حزب الله».

وتخلص الورقة التي أعدّها الباحث الإسرائيلي شاؤول شاي إلى أنه في حال اندلاع حرب مع لبنان «ستضطر إسرائيل إلى أن تستخدم في لبنان قوة غير مسبوقة من الجو ومن البر أيضًا. وسيُطلب من الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية برية واسعة النطاق من أجل توجيه ضربة أكثر فعالية إلى قدرات إطلاق الصواريخ والبنى التحتية للحزب، كي يدفع ثمنًا باهظًا لردعه عن خوض معركة أخرى في المستقبل».

«تصول وتجول في سمائنا».. كيف تشن إسرائيل حربًا صاروخية على 3 دول عربية؟

المصادر

تحميل المزيد