فجوةٌ كبيرةٌ في توزيع الغذاء بالتساوي بين سكان العالم تمخضَّت عن قيام عالَمَيْن على ظهر الكوكب ذاته، يُفرِط أحدهما في تناول الطعام، بينما يَتضوَّر الآخر جوعًا. والنتيجة أن العالم أصبح أكثر بدانة في بعض المناطق، بينما سوء التغذية لا يزال ظاهرة واسعة الانتشار في أماكن أخرى.

التقرير التالي يسلط الضوء على رحلة الأطعمة السريعة في الكويت، ومن أين بدأت، وكيف صارت طقسًا عائليًا شبه مقدس.

مترجم: ليس في قابلية إدمانها فقط.. هكذا تتشابه الوجبات السريعة مع المخدرات

 

هكذا وصلت مطاعم الوجبات السريعة إلى الكويت

لمطاعم الوجبات السريعة الأمريكية في الكويت قصة مثيرة، تمزج بين الغذاء والاقتصاد والهجرة والصحة والترفيه والسياسة والحرب؛ فقد وصل العديد من هذه الفروع إلى الإمارة الخليجية بصحبة القوات الأمريكية خلال حرب الخليج الأولى. 

ظهر أول مطعم «ماكدونالدز» في الكويت داخل قاعدة عسكرية أمريكية أنشئت لدعم حرب الخليج الثانية عام 1991. ومنذ ذلك الحين توسَّعت الصناعة بسرعة، حتى بات عدد مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية في البلاد بالمئات.

افتُتِحَ أول مطعم دجاج «كنتاكي» في الكويت عام 1973، وأول مطعم «هارديز» في عام 1980، وأول «بيتزا هت» في عام 1982، وأول «ماكدونالدز» في عام 1994، وأول «برجر كينج» في 1997، ثم انتشرت فروع هذه المطاعم في أنحاء الإمارة الخليجية حتى وصل عددها مجتمعة إلى 298 بحلول عام 2018. 

مرَّت مياه كثيرة تحت الجسور، وأصبح المستهلكون في الولايات المتحدة أكثر وعيًا بالمخاطر الصحية لهذا النمط الغذائي الضار، وهو ما انعكس على كبح انتشار هذه الفروع، لكن في الكويت واصل هذا النوع من المطاعم توسعاته بسرعة وثبات، رغم الزيادة المطردة في معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بها.

ترفيه خليجي بنكهة أمريكية.. الوجبات السريعة ليست طعامًا فقط!

هذا الهوس بالوجبات السريعة الأمريكية، رغم المخاطر الصحية البالغة، دفعت جيانا توبوني، من مجلة «ڤايس» الكندية الأمريكية، إلى زيارة الكويت، لتفاجأ بأن هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بملء البطون، بل «تعتبرها العديد من العائلات طريقة ممتعة لقضاء الأمسيات أو عطلات نهاية الأسبوع، بصحبة الأولاد» كما يقول الدكتور محسن باجنيد، الأستاذ في «الجامعة الأمريكية» بالكويت. 

فقد تعرَّض الكويت للغزو الثقافي الغربي – خاصة الأمريكي – منذ حرب الخليج. وانتشرت كل الرموز الأمريكية، مثل: الجينز، والوجبات السريعة، والسيارات السريعة، والقيم الليبرالية. لعدة سنوات، ظل جزء من المجتمع يقاوم، لكن الموج كان أعلى من أن يُتصَدَّى له.

ولأن «أي شيء أمريكي يحظى بشعبية في الكويت»؛ يتوقع باجنيد أن تواصل شركات الوجبات السريعة الأمريكية الاستثمار بكثافة في الشرق الأوسط خلال السنوات قادمة، لا سيما مع ارتفاع الطلب وانخفاض التكاليف. ولا غروَ، فـ«الناس في الكويت يعتبرون «ماكدونالدز» و«برجر كنج» مطاعم تقدم وجبات كاملة وليس وجبات سريعة»، كما تقول الكويتية رانيا المطوع (36 عامًا).

وبالنظر إلى الشعبية غير المسبوقة للوجبات السريعة في الكويت على مدى العقد الماضي، فإن العواقب قد تكون وخيمة بالنسبة لجيل الأطفال الذين تربوا على هذه الثقافة الدخيلة، حسبما يحذر خبير اللياقة يوسف القناعي، الذي كان يعاني من زيادة الوزن قبل أن يستعيد لياقته البدنية. 

أكسل دولة في العالم.. «الخمول» نمط حياة

ما يزيد الطين بلة، أن أكثر من نصف الشعب الكويتي لا يمارس نشاطا بدنيًا كافيًا (أي 75 دقيقة من النشاط المكثف أو 150 دقيقة من النشاط المعتدل في الأسبوع، أو أي مزيج من النشاطين)، وفقًا لتقرير صادر عن «منظمة الصحة العالمية». 

والكويت هي أكسل دولة في العالم، تليها السعودية والعراق، بحب البيانات المستمدة من 358 دراسة استقصائية أجريت حول معدل الخمول البدني في 168 دولة، عام 2018.

وحين يتحوَّل «الخمول» إلى نمط حياة؛ يصبح المرء عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية، وأنواع عديدة من السرطان والسكري، فضلًا عن مشكلات الصحة العقلية، حسب تحذيرات «منظمة الصحة العالمية».

السمنة وزيادة الوزن.. الكويتيون يتربعون على القمة

يبلغ عدد الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة في العالم حوالي 2.1 مليار، وهو ما يمثل حوالي 30٪ من مجموع السكان. هذا الرقم يواصل الارتفاع، فيما يلقى أكثر من 3 مليون شخص حتفهم كل عام بسبب السمنة، وفق إحصائيات عام 2019.

في عام 1989 أظهرت دراسة أن 52.5٪ من الكويتيين يعانون من زيادة الوزن (10-20٪ فوق جداول الوزن المرجعية) و42٪ يعانون من السمنة المفرطة (أكثر من 20٪ فوق المعايير المرجعية). 

تزيد المشكلة مع تقدم العمر، وتقل مع ارتفاع مستوى التعليم. والسمنة أكثر انتشارًا في أوساط النساء غير العاملات (46.8٪)، إذ تصل في النساء العاملات بالإدارة حوالي 36.8٪ وفي النساء اللواتي يمارسن أعمالا فنية حوالي 32.9٪، بينما كانت الأرقام المقابلة لهؤلاء الذين يعانون من زيادة الوزن 47.7٪ و56.9٪ و62.2٪. وكان هناك ارتباط عكسي بين دخل الأسرة وانتشار السمنة، وارتباط مطرد مع زيادة الوزن.

وبحلول عام 2017، كان 70% من الكويتيين يعانون من زيادة الوزن، و42.8% مصابون بالسمنة، وتشير التوقعات إلى أن معدلات السمنة الحالية سترتفع إلى 60% بحلول عام 2020.

وإذا كان 70٪ من الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 15 عامًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الواقع أسوأ بالنسبة للنساء، إذ ترتفع نسبة إصابتهن بزيادة الوزن أو السمنة إلى 80٪؛ ما يضع الإمارة الخليجية على رأس قائمة الدول المصابة بالسمنة في الخليج والعالم العربي.

وفي أوساط طلاب المدارس، تنتشر السمنة بنسبة %44 بين طلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية، و15% بين تلاميذ المرحلة الابتدائية، وفق دراسة أعدها التوجيه الفني العام لمادة الاقتصاد المنزلي في وزارة التربية. 

ولا يكتمل الحديث عن الوجبات السريعة وما يرتبط بها من الكسل والسمنة، دون التطرق إلى جراحات علاج البدانة. والكويت تحتل المرتبة الأولى عالميًا في هذه الظواهر جميعًا، حتى أن الكويتين، الذين يبلغ عددهم 4 ملايين فقط، يُجرون 5 آلاف عملية تدبيس معدة كل عام.

في سباق البدانة.. الخليج يتفوق على أمريكا

أصبحت المطاعم التي تقدم مأكولات شرق أوسطية وأطعمة البحر الأبيض المتوسط منتشرة في كل مكان داخل الولايات المتحدة، وشكلت أحد أفضل اتجاهات الطهي في عام 2018؛ بسبب الطلب المتزايد على الأطعمة الطازجة والصحية.

في المقابل بدأت مطاعم الوجبات السريعة في التراجع داخل الولايات المتحدة نفسها. على سبيل المثال، شهدت مطاعم «ماكدونالدز»، أكبر سلسلة برجر في العالم، انخفاضًا في عدد الزبائن لعدة سنوات متتالية مؤخرًا. 

برغم ذلك، لا تزال الثقافة المستوردة من بلاد العام سام منتشرة في دول الخليج النفطية، وفي الشرق الأوسط بشكل عام، على نحوٍ صادِم ومثير للقلق، حسبما حسب تحذيرات الدراسات الصحية الحديثة. 

وبقياس مؤشر كتلة الجسم، يتضح أن ثلاثة من الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تحتل مكانة متقدمة عالميًا: الكويت في المركز الثالث، وقطر والإمارات في المرتبتين الثامنة والحادية عشرة على التوالي، بينما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة 17.

وبينما تبلغ معدلات السمنة بين البالغين في الولايات المتحدة 35٪ في بعض الولايات، تصل نسبة السمنة إلى 40٪ في الكويت، و42٪ في قطر، و37٪ في الإمارات، وفقًا لتقرير صادر عام 2016 عن «وحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU)».

بلغة الأرقام.. التداعيات الاقتصادية لتفشي ثقافة الوجبات السريعة في الكويت

إلى جانب التداعيات الثقافية والصحية، قد تصل التكلفة الاقتصادية غير المباشرة للسمنة في الكويت لأكثر من مليارَيْ دولار، بحسب الباحث الاقتصادي محمد رمضان؛ إذ تبلغ تكلفة مريض السكري في الكويت ألفي دولار سنويًا. وترتفع التكلفة غير المباشرة ثمانية أضعاف؛ بسبب أمراض القلب والأعصاب والعيون وغيرها.

وتبلغ حجم الواردات الغذائية في الكويت 16% من حجم الواردات عمومًا، وهي النسبة الأعلى بين دول الخليج. وذكر تقرير لـ«بي بي سي» نشر قبل ثلاثة أعوام تقريبًا، أن الكويت الأعلى عالميًا في استهلاك الموارد الطبيعية، ولو طبقنا استهلاك الكويتيين في الموارد الطبيعية على جميع سكان العالم، فسوف نحتاج كوكبًا تعادل مساحته حجم الكرة الأرضية خمس مرات.

ويوجد 135 مطعمًا لكل ألف شخص بالكويت، هذا يعني أنه من بين كل أربع منشآت عاملة أو محلات هناك مطعم. ورغم أن كل 10 أشخاص كويتيين يخدمهم ما بين أربعة إلى ستة من الخدم، يتجه الكويتيون بكثافة إلى المطاعم المنتشرة بشكل كبير ويفوق الحاجة، بحسب الملف الخاص الذي أعدته صحيفة «القبس».

وبلغ عدد مطاعم الوجبات السريعة في الكويت نحو 5 آلاف مطعم، بمعدل مطعم واحد لكل 230 مواطنًا، بحسب تقرير رسمي. وخلصت دراسة متخصصة عن سوق مطاعم الوجبات السريعة في الكويت إلى أنها أحد أكثر الأسواق نشاطًا ونموًا، لذلك تتنافس أبرز تسع شركات عالمية لمضاعفة أرباحها في السوق الكويتية عن طريق زيادة حصتها السوقية.

الكويت «شبعانة».. تعرف إلى ترتيب بلدك في «مؤشر الجوع العالمي 2018»

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد