ترك تسييس كأس العالم 1978 آثارًا لا تمحى عبر الزمن. فقد عانى لاعبون مثل فيلا، وكيمبس، ولوكي، وقائد الفريق دانييل باساريلا من فكرة أنهم لم يفوزوا بكأس العالم بنزاهة.

«إنها أفضل كأس عالم على الإطلاق، تنظيم غير عادي، آلاف الحناجر تهتف، 25 مليون أرجنتيني خلف لون واحد، كرة القدم معجزة بلادنا، بلادنا الرائعة التي انتقدها الآخرون بشدة». هكذا قال معلق المباراة النهائية في كأس العالم عام 1978 بعد فوز الأرجنتين بالبطولة، ومن أجل هذه الرسالة فعل النظام العسكري كل ما يمكن فعله ليغسل وجهه الملطخ بدماء الشعب الأرجنتيني وآلامه، والذي يعاني من القمع والتعذيب والتدهور الاقتصادي.

في هذا التقرير نسلط الضوء على تجربة استخدام النظام العسكري في الأرجنتين بطولة كأس العالم 1978 لتدعم سلطته، وتغسل سمعته السيئة داخليًّا وخارجيًّا.

كرة القدم في بؤرة اهتمام الجنرالات

في عام 1976 أطاح المجلس العسكري الأرجنتيني بقيادة الجنرال خورخي رافائيل فيديلا، حكومة إيزابيل بيرون، وقبضت هذه الطغمة العسكرية على السلطة من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي شخص يعارضهم، وأعلن النظام الجديد تحت قيادة الجنرال فيديلا ما أسماه «الحرب ضد التخريب» لتصفية الفكر اليساري تصفية قاطعة، والتي أصبحت مشهورة بعد ذلك باسم «الحرب القذرة».

«يجب أن يموت الكثير من الناس في الأرجنتين حتى يصبح البلد آمنًا مرة أخرى». *الجنرال خورخي فيديلا

وخلال «الحرب القذرة» وسع النظام العسكري عمليات الخطف، والقتل، والتعذيب، ليس فقط ضد العصابات اليسارية المسلحة، ولكن أيضًا ضد النشطاء السياسيين اليساريين السلميين والمتعاطفين معهم وعائلاتهم، ووسع النظام العسكري دائرة القمع ضد أي شكل من أشكال المعارضة، سواء كانت في المدرسة، أو الأسرة، أو المصنع، أو حتى الفن والثقافة.

وحين جاء ميعاد كأس العالم 1978 في يونيو (حزيران)، كان النظام العسكري الأرجنتيني في أوج حربه، إذ تعمد إثارة الرعب والخوف لضمان صمت الشعب الأرجنتيني وسكونه، فنوع في استخدام عمليات القتل والخطف بين الفجر والنهار، وخلال سبع سنوات اختفى حوالي 30 ألف أرجنتيني، منهم من مات بسبب التعذيب، ومنهم من مات بالرصاص، ومنهم من مات في رحلات الموت؛ فقد كان جنود النظام يرمون الضحايا بعد تخديرهم في المحيط الأطلسي من الطائرات.

ووسط هذه الأجواء الدموية مع اقتصاد مضطرب للغاية يعاني من معدلات تضخم تصل إلى 300%، وجد فيديلا كأس العالم فرصة لا تعوض لكسب الدعم الشعبي في الداخل والخارج.

ولم يكن فيديلا ليسمح لأحد بإيقاف خططه، فقد اغتيل رئيس اللجنة المنظمة لكأس العالم بالأرجنتين، الجنرال عمر أكتيس، أثناء سفره لحضور مؤتمره الصحافي الأول، حيث كان من المتوقع أن ينتقد علنًا ارتفاع الإنفاق على استضافة البطولة.

«إن تنظيم البطولة سيُظهر للعالم أن الأرجنتين بلد جدير بالثقة، قادر على تنفيذ مشاريع ضخمة، وستساعدنا في التصدي للانتقادات التي تمطر علينا من جميع أنحاء العالم». *الأدميرال إميليو ماسيرا (أحد كبار قادة النظام العسكري)

واستمر النظام العسكري بتجاهل المخاوف من إفلاس البلاد بسبب تكاليف البطولة، وأعلن كأس العالم «قضية وطنية»، وأنشأ كيانًا جديدًا يديره ضباط رفيعو المستوى لإدارة المهمة تحت إشراف عسكري، رغم أن قواعد «الفيفا»، الهيئة الدولية الحاكمة لكرة القدم، تقضي بعدم تدخل الحكومات بشكل مباشر في تنظيم البطولة.

قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!

 

صيحات الجماهير تغطي على أنين المعتقلين

لكن الأمر لم يمر بهدوء، كانت الإدانة الدولية للحكم العسكري تزداد حدة في أوروبا على وجه الخصوص، وشكل مجموعة من الصحافيين والمفكرين الفرنسيين «اللجنة المنظمة لمقاطعة كأس العالم 1978 بالأرجنتين»، والمعروفة اختصارًا باسم (C.O.B.A) في أواخر عام 1977، ونظمت هذه اللجنة حملة منظمة لحث الفرق الأوروبية على الانسحاب من البطولة.

«يجب ألا نلعب كرة القدم وسط معسكرات الاعتقال وغرف التعذيب»، هكذا قال بيان المنظمة، الذي حث فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والسويد، وهولندا، واسكتلندا، على الانسحاب. وقد حملت الأوراق التي عُلقت على الجدران المحيطة بباريس الشعار الرسمي لكأس العالم، وهو عبارة عن زوج من الأذرع المرقّعة المنمقة التي تشكّل كرة القدم، وأضافوا عليها الأسلاك الشائكة.

أحد ملصقات مقاطعة كأس العالم 78 مكتوب عليه «لا لكرة القدم بين معسكرات الاعتقال».

أحد ملصقات مقاطعة كأس العالم 78 مكتوب عليه «لا لكرة القدم بين معسكرات الاعتقال».

وقد نشرت «منظمة العفو الدولية»، التي كانت توثق باستمرار أعداد المختفين والمقتولين على أيدي النظام، بيانًا متحمسًا، مشيرة إلى أن «الرياضة ليست منفصلة عن السياسة، وأن الأرجنتين الحقيقية، مليئة بالسجون، التعذيب، قمع المعارضة السياسية، حتى لو ظهرت البلد لامعة في البطولة»، لكن لم ينسحب أحد من اللاعبين المعروفين لأسباب حقوقية إلا بول بريتنر المتوج مع ألمانيا الغربية بكأس عالم 1974 .(أشيع أن انسحاب الأسطورة كرويف كان لأسباب سياسية، لكنه نفى الأمر بعد ذلك).

وتحسبًا لهذا النوع من التغطية، استأجرت الطغمة العسكرية شركة العلاقات العامة الأمريكية «بورسون مارستيلر» «للمساعدة في تعزيز الثقة وحسن النية تجاه البلاد وحكومتها» خارج الأرجنتين. ووضعت الشركة في نيويورك خطة مفصلة تركز على تكوين صورة جديدة مبنية على «الاستقرار»، وتستخدم كأس العالم لمواجهة أي دعاية سلبية في الخارج، التي يصفها فيديلا بأنها استراتيجية مدبرة من الأكاذيب والمعلومات المضللة، مُطلقًا عليها مصطلح «مناهضة الأرجنتين».

أزيلت الأحياء الفقيرة الواقعة بالقرب من الملاعب والمطارات بالقوة لإبعادها عن أعين الأجانب. ووضعت الأرجنتين أفضل وجه لها قبل وصول رئيس «الفيفا» البرازيلي جواو هافيلانج في 23 مايو (أيار) 1978. وقال هافيلانج للصحافة المحلية: «أنا من بين أكثر المراهنين على العمل الشاق الذي أنجزته بلدكم وأشعر بالفخر، أولًا لأن الأرجنتين أثبتت أنها على قدر التحدي، والثانية لأنني أيضًا من أمريكا الجنوبية، لقد حققنا كل ما نريد».

أُقيمت مباراة كأس العالم 1978 الافتتاحية، في 1 يونيو، مسبوقة بحفل افتتاح، أمام 80 ألف متفرج في ملعب مونومنتال أنتونيو فيسبوكيو ليبرتي ببوينس آيرس، وأعلنت الفرقة العسكرية دخول الجنرال فيديلا إلي الملعب، وجاء دور كلمة البابا التي ألقاها الكاردينال الأرجنتيني، خوان كارلوس أرامبورو، ثم شكك علنًا في الأدلة المتزايدة على القتل الجماعي، وادعى أن المختفين يعيشون بسعادة في أوروبا، ولا يكلفون أنفسهم عناء الكتابة إلى بلدهم.

كان هذا رغم أن معتقل «مدرسة الميكانيكا البحرية (ESMA)» الشهير بأعمال التعذيب والقتل كان يبعد أقل من ميل واحد من ملعب افتتاح كأس العالم، حيث يمكن رؤية مئات الحمائم البيضاء التي أطلقوها في الملعب قبل خطاب فيديلا الذي أعلن فيه أن كأس العالم سيُلعب تحت شعار «السلام».

صورة جوية لافتتاح كأس العالم 1978 في ملعب مونومنتال أنتونيو فيسبوكيو ليبرتي

افتتاح كأس العالم 1978 في ملعب مونومنتال أنتونيو فيسبوكيو ليبرتي

في 20 يونيو، وصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق آنذاك، إلى بوينس آيرس برفقة زوجته وابنه. استقبل الدبلوماسي بحرارة، وتبعه مجموعة من الصحف الموالية للنظام لتنقل بالتفصيل كل حركة له على الصفحات الأولى، وصرح قائلًا: «أعتقد أن الأرجنتين ستفوز بالكأس» لكن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الذي وصل للرئاسة في بداية العام، كان ينتقد بشدة المجلس العسكري الأرجنتيني، وسجله في مجال حقوق الإنسان. مما جعل الظهور العلني لصوت السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية السابقة مربكًا.

وأظهرت البرقيات الدبلوماسية التي صدرت بعد سنوات أن كيسنجر لم يفوت فرصة للإشادة بالديكتاتور الأرجنتيني، وعلقت إحدى البرقيات على كيسنجر قائلة: «كان مدحه للحكومة الأرجنتينية في حملتها ضد الإرهاب كالموسيقى التي تتوق الحكومة الأرجنتينية لسماعها»،

حضر كيسنجر مع فيديلا مباراة نصف النهائي الحاسمة أمام بيرو التي ستحدد ما إذا كانت الدولة المضيفة ستلعب في نهائي كأس العالم. وبموجب قواعد البطولة في ذلك الوقت، كان على الأرجنتين الفوز بأربعة أهداف على الأقل لتصدر المجموعة والوصول للمباراة النهائية. (كان دور الثمانية في كأس العالم في ذلك الوقت يلعب كمجموعتين ويلعب المتصدران المباراة النهائية)

الأرجنتين في نهائي كأس العالم 1978.. «بأوامر عسكرية»

ولأهمية وصعوبة المباراة لم يكتف فيديلا بالمشاهدة. في ليلة اللقاء المصيري، اختفت قوات الأمن والشرطة العسكرية من أمام فندق فريق تشيلي دون سابق إنذار، وحاصرت الجماهير الأرجنتينية المبنى وتعمدوا إزعاجهم بأبواق السيارات وهتافات كرة القدم. وبعد ظهر اليوم التالي، فقدت الحافلة التي كانت تقل الفريق البيروفي للملعب الطريق عدة مرات وامتدت الرحلة التي لا ينبغي أن تستغرق أكثر من 30 دقيقة أكثر من ساعتين، وأوصلت الفريق قبل ساعة واحدة فقط من انطلاق المباراة. ثم قبل 20 دقيقة من المباراة، فتحت أبواب غرفة خلع الملابس ودخل الجنرال فيديلا وكيسنجر.

«من المستحيل معرفة ما حدث بالفعل، لا أعرف، بصراحة، لكن فيديلا فعل الكثير من الأشياء السيئة، أسوأ من الرشوة، لكننا لعبنا مباراة رائعة ضد بيرو». *المهاجم الأرجنتيني ليوبولدو لوكي

مع أن الجنرال حضر في ثماني مباريات خلال البطولة التي استمرت 25 يومًا، فإن غرفة بيرو الوحيدة التي زارها الجنرال. وقال لهم فيديلا: «أردت فقط أن أخبركم بأن مباراة الليلة هي مباراة بين الإخوة، وباسم الأخوة في أمريكا اللاتينية، أنا هنا لأشارك آمالي في أن تسير الأمور بشكل جيد. أمريكا اللاتينية تراقبكم».

وقرأ عليهم فيديلا رسالة من ديكتاتور بيرو، الجنرال فرانسيسكو موراليس بيرموديز، تحدثت عن التعاون بين البلدين. ثم غادر هو وكيسنجر، والحراسة العسكرية المدججة بالسلاح. ثم بدأت المباراة التي أصبحت واحدة من أكثر المباريات المثيرة للجدل في تاريخ كرة القدم؛ إذ نالها الكثير من الشكوك حول أداء فريق بيرو والتحكيم.

على مر السنين، ظهرت العديد من المزاعم بشأن هذه المباراة من بينها: أن فيديلا أبرم صفقة سياسية سرية مع رئيس بيرو موراليس بيرموديز لتسهيل فوز الأرجنتين بالمباراة فوزًا مريحًا. مقابل نقل السجناء السياسيين في بيرو إلى الأرجنتين لإخفائهم. وذكر مصدر آخر أنهما عقدا صفقة لسجن أكثر من 10 من المنشقين البيروفيين في الأرجنتين، وصرف 50 مليون دولار لكبار المسؤولين في بيرو، وتسليم شحنة حبوب ضخمة مقابل المباراة الحاسمة.


فيديلا يسلم كأس العالم لقائد فريق الأرجنتين

وفي المباراة حدثت بعض الأمور المريبة، فبعد تأخر بيرو 2-0 في الشوط الأول أمام الأرجنتين، استُبدل خوسيه فيلاسكيز (أحد أفضل اللاعبين في البطولة)، وصرح فيلاسكيز علنًا بعد ذلك أنه استُبدل بسبب الضغوط السياسية من حكومته. واستُبدل كابتن بيرو، هيكتور تشومبيتاز، الذي صرح قائلًا: «حدث شيء ما. تم تغيير فريقنا. لقد خرجت في الدقيقة العاشرة من الشوط الثاني – عندما كنا متأخرين بهدفين. لم يكن هناك سبب لخروجي من الملعب. كنت دائمًا ركنًا مهمًا في فريقنا. إذن، ما الذي يمكن للمرء أن يفكر فيه؟».

فازت الأرجنتين على البيرو 6-0، ثم أصبحت بطلة العالم بعد الفوز على هولندا في المباراة النهائية بنتيجة 3-1، لكن الفريق الهولندي الذي قابل أمهات ميدان مايو قبل النهائي غادر الملعب، ولم يعد ليحصل على ميداليات المركز الثاني؛ لتجنب مصافحة الديكتاتور. وجاءت اللحظة التي ينتظرها فيديلا لغسل وجه النظام الدموي فقال: «أريد أن أشكر أولئك الذين سمحوا للأرجنتين باستضافة هذا الحدث ومنح الشعب الأرجنتيني فرصة لإظهار قدراته، كأس العالم كان رمز السلام».

وعلى بعد أقل من ميل واحد، اصطحب حراس معتقل «ESMA» بعض سجنائهم بالسيارات، وتوجهوا بهم نحو المدينة لمشاهدة الاحتفالات الشعبية، ورأى السجناء عدم ملاحظة الناس لوجودهم، تعلق إحدى الناجيات من معتقل «ESMA» جراسيلا داليو: «حتى لو صرخت وقلت بأننا مختفون قسرًا، لن يكترث لي أحد، وكان هذا هو أكثر دليل ملموس على أنني لم يعد لي وجود».

«صرخ الجلاد لقد فزنا فزنا، فعرفت أن هذا الانتصار هزيمة لنا». *جراسيلا داليو إحدى الناجيات من معتقل (ESMA)

وفي وقت لاحق، تحدث أعضاء المنتخب الأرجنتيني عن أسفهم للشبهات السياسية الواضحة لكأس العالم 1978. وقال لاعب خط الوسط ريكي فيلا: «لا شك في أننا استخدمنا سياسيًّا». وعلق المهاجم ليوبولدو لوكي: «مع ما أعرفه الآن، لا يمكنني القول إنني فخور بفوزي. لكنني لم أكن أدرك، معظمنا لم يفعل ذلك. لقد لعبنا كرة القدم فقط».

ترك تسييس كأس العالم 1978 آثارًا لا تمحى عبر الزمن. فقد عانى لاعبون مثل فيلا، وكيمبس، ولوكي، وقائد الفريق دانييل باساريلا من فكرة أنهم لم يفوزوا بكأس العالم بنزاهة، وأن بعض القوى العليا عملت على ضمان فوزهم. وبسبب ذلك ظلت تشكيلة 78 غير لامعة في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية مثل كتيبة 86 بقيادة مارادونا، التي يأتي ذكرها باستمرار، مع أن الفريق الذي نال كأس العالم 1978 ليس مجرّمًا، لكنه ارتبط بنظام عسكري فاسد ووحشي، ترك ندوبًا قاسية في الشعب الأرجنتيني.

«الملكي» والجنرال.. كيف استخدم فرانكو «ريال مدريد» لتعزيز الدكتاتورية في بلاده؟

 

المصادر

s