«امنحني القوة لأستمر» 

كانت هذه آخر منشورات إبراهيم أحمد، الطبيب المقيم بقسم النفسية والعصبية في معهد دمنهور التعليمي، والذي يبلغ من العمر 27 عامًا، ففي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021، ألقى إبراهيم نفسه من شرفة منزله في مدينة دمنهور، ووفق المنشورات التي كتبها على صفحته بـ«فيسبوك» فقد تبين أنه صارع الاكتئاب لسنوات، كما أبدى رغبته في الانتحار مرات عديدة، والتخلص من أعباء العالم، والتساؤل الدائم الذي شغل حيزًا من تفكيره: ما الجدوى من هذه الحياة؟

أحمد ليس الطبيب الوحيد الذي عانى من الاكتئاب أو الرغبة المستميتة في الانتحار، فظاهرة انتحار الأطباء تؤرق جميع منظمات الصحة النفسية العالمية والمحلية، وسيحاول هذا التقرير البحث عن أسباب هذه الظاهرة وكيفية التعامل معها.

واحد من كل 10 أطباء يفكر في الانتحار

هناك تصور شائع عن حياة الأطباء، بأنهم مجبولون على رعاية المرضى ودعمهم، وأنهم يؤدون هذه المهمة، الشاقة نفسيًّا، بسلاسة شديدة بحكم الاعتياد، لذا لا أحد يهتم بصحتهم النفسية، وربما لهذا انتحر أربعة أطباء في الهند خلال شهر واحد.

ففي صباح الخميس مارس (آذار) عام 2022، عندما تفقد الطبيب كاميش باتيل غرفة صديقه بارث باتيل، عثر عليه مسجيًا على الأرض وبجواره حقنة مخدر فارغة، واستدعى كاميش طبيبًا مختصًّا فورًا إلى الغرفة، لكن بارث سرعان ما توفى، وعقب تحقيق الشرطة مع المقربين منه، قالت بعض المصادر إن الطبيب المقيم بمستشفى شاردابن تأثر بحوادث انتحار الطبيبين التي شهدتها الولاية خلال شهر مارس (آذار).

ولا تقتصر تلك الحوادث على بلد بعينها، وإنما امتدت هذه الظاهرة لتصبح مشكلة عالمية تؤرق دول العالم أجمع، فأثناء عقد الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية للطب النفسي في عام 2018، قدم الباحثون نتائج تبين أن طبيبًا أمريكيًّا ينتحر كل عام، وأن معدلات انتحار الأطباء تتجاوز معدلات انتحار العاملين ببقية الوظائف.

Embed from Getty Images

طبيب مرهق بعد العمل طوال اليوم

فهناك 400 طبيب أمريكي من بين 100 ألف أمريكي على الأقل ينتحرون سنويًّا، بل يزيد معدل الطبيبات اللاتي ينتحرن عن عامة النساء بمقدار 2.5 إلى أربع مرات، وقد عقبت الباحثة ديبيكا تانوار في مستشفى هارلم بنيويورك متعجبة: إن معدل انتحار الأطباء أعلى من معدل انتحار ضباط الجيش، فهي مهنة مرهقة للغاية.

وفي عام 2022 أجرى موقع «ميدسكيب» الأمريكي دراسة استقصائية، شارك فيها أكثر من 13 ألف طبيب، حول حالتهم الصحية وعما إذا راودتهم أفكار انتحارية أو حاولوا الانتحار من قبل؟ وهل تلقوا المساعدة المطلوبة؟

وكشف الاستطلاع ارتفاع نسبة معدلات الأفكار الانتحارية بين الأطباء من 14% خلال عام 2019 إلى 22% خلال عام 2022، وأن هناك طبيبًا من بين كل 10 أطباء يفكر في الانتحار أو حاول الانتحار بالفعل، ويمثل هؤلاء 11% من الطبيبات و9% من الأطباء الذكور، و13% من أطباء الباثولوجيا، و12% من أطباء الأورام، و12% من أطباء الجراحة العامة.

وقد علق أستاذ الطب النفسي السريري، مايكل مايرز، في جامعة العلوم الحيوية ببروكلين على قابلية بعض التخصصات للإقدام على الانتحار قائلًا: «يجب علينا فهم عوامل الخطر لكل تخصص، والتي تؤثر بدورها في حياة الطبيب الشخصية، وتخلق عاصفة من الأفكار الانتحارية».

الاكتئاب والاحتراق النفسي.. وحشان يدفعان الأطباء للانتحار

يصعب تقبل فكرة أن مقدمي الرعاية الصحية يحتاجون إلى الرعاية بالقدر نفسه أيضًا، لكن بيئة عمل الأطباء تتوافر بها العديد من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الانتحار، كالأمراض النفسية وتعاطي المخدرات وسهولة الوصول إلى المواد القاتلة، فضلًا عن اليأس وافتقار بيئة العمل إلى نظام دعم مناسب.

فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا على الأطباء المتدربين عام 2006، تفاقُم أعراض الاحتراق النفسي التي تصيب الأطباء المتدربين خلال عامهم الأول من 4.3 إلى 55.3%، والتي تتضمن الإجهاد البدني والعاطفي مصحوبًا بانخفاض الحافز وانخفاض الأداء.

Embed from Getty Images

عاملون في القطاع الصحي منهكون

ويرجع الاحتراق النفسي إلى بيئة العمل المرهقة، والعمل لأكثر من 70 ساعة أسبوعيًّا بمقال مادي ضئيل، واللهاث وراء المعرفة لمواكبة التطورات في مجال الطب، بالإضافة إلى اتخاذ قرارات مصيرية فيما يخص حياة المرضى، مما يعرض العديد من الأطباء للإصابة بالاكتئاب والقلق والاضطرابات المزاجية، واتضح كذلك أن 21% من الأطباء يعانون من الاكتئاب، و24% لاحظوا أنهم يعانون من الاكتئاب السريري الحاد، بينما لاحظ 64% منهم أعراض الاكتئاب الشائعة.

وقد شارك أحد أطباء الطوارئ الخاضعين للدراسة تجربته مع الاكتئاب لموقع «ميد سكيب» فقال: «لم أعد أستمتع بأداء الوظيفة التي ظننت أنني خلقت لأجلها، فحياتي المهنية غير المُرْضية تؤثر سلبًا في حياتي الشخصية، الآن أنا لم أعد متعبًا من العمل فحسب، بل أصبحت متعبًا من الحياة».

ولعل أحد الأسباب المساهمة في تفاقم  ظاهرة الإنهاك النفسي للأطباء صمت الأطباء أنفسهم عن مشاركة تجاربهم القاسية أو أفكارهم الانتحارية، أو طلب المساعدة، إذ يفضل 35% فقط من الأطباء ممن تترواح أعمارهم ما بين 27 و41 عامًا، مشاركة أفكارهم الانتحارية مع أحد الأصدقاء أو زملاء العمل، ويفضل 35% فقط من العينة نفسها طلب المساعدة من طبيب نفسي، أما 34% من العينة ذاتها فيلتزمون الصمت، وتلك نسبة لا يستهان بها.

وعند سؤالهم عن سبب التزامهم الصمت، نَمَّت إجاباتهم عن مشاعر الخزي التي تسيطر عليهم ورهبتهم من وصمة العار؛ إذ قال أحدهم: «أخشى الاعتماد على الأدوية النفسية أو سحب رخصتي إذا استشرت طبيبًا نفسيًّا»، بينما استنكر طبيب آخر ذلك قائلًا: «إن الأطباء لا يطلبون المساعدة من أجل هذه المشكلات الهامشية، لأننا إن فعلنا ذلك، ستلاحقنا هذه المشكلات المؤقتة مدى الحياة. أعتقد أنني يجب عليّ التعامل مع هذه المشكلات بنفسي، وإن تمنيت ألا أضطر إلى ذلك».

وفي هذا السياق أكدت دراسة نشرت في مايو (أيار) 2019 أن الأطباء فريسة هشة أمام إدمان المخدرات، وخصوصًا أطباء الطوارئ والتخدير والأطباء النفسيين، لسهولة وصولهم إلى هذه المواد المخدرة، كما أن معدل إدمان الطبيبات للكحوليات أعلى من أقرانهن من عوام النساء، ونتيجة لهذا ترتفع معدلات الانتحار بين الأطباء الذين يتعاطون المخدرات.

وفي حديث لـ«ساسة بوست» مع طبيبة نفسية مصرية، ومتخصصة في حالات الإدمان، طلبت عدم ذكر اسمها: «إن الانتحار لا يرتبط بمهنة بعينها، لكن إذا تطرقنا إلى قابلية الأطباء للانتحار، فإن أول التحديات التي يتعرض لها الأطباء صعوبة دراسة الطب في مصر من حيث المناهج التي لا تتلاءم مع الإرشادات العالمية أو الضغوطات التي يتعرض لها طلبة الطب أثناء أداء الاختبارات، علاوة على تلك الضغوطات الاقتصادية لكون الطبيب يشكل عبئًا على عائلته، والتوقعات العالية التي يتوقعها المحيطون به، مما يزيد من معدلات الإصابة بالقلق والاكتئاب».

وأضافت الطبيبة النفسية، أن الحياة العملية للأطباء مرهقة للغاية، فعدد ساعات العمل التي تتجاوز 72 ساعة أسبوعيًّا، والورديات الليلية تتعارض مع الساعة البيولوجية للجسم، مما يعرض الطبيب لخلل في تكوين المواد الكيمائية اللازمة للحفاظ على صحته النفسية مثل السيرتونين والدوبامين، وإفراز هرمون الكورتيزون والإدرينالين في المقابل بكميات كبيرة، والتي تؤدي بدورها إلى الاكتئاب والقلق، علاوة على أن طبيعة المرضى في بعض التخصصات الطبية مثل طب الأورام ميؤوس من حالاتهم بسبب زيادة عدد الوفيات وتفاقم المضاعفات.

وأوضحت الطبيبة أن الانتحار لا يكون أبدًا فكرة وليدة اللحظة، وإنما نتاج تراكم الضغوطات والحياة الروتينية المُستنزفة وشعورهم باليأس والإحباط، بالإضافة إلى الوصم كأحد الأسباب المهمة، والتي تعرقل الأطباء عن طلب المساعدة، وتعاطي أدوية نفسية قد تزيد من سوء الأفكار الانتحارية.

كيف ازداد الأمر سوءًا؟

عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية في أوائل شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019، تفشي فيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية وإعلان حالة الطوارئ حول العالم في مارس (آذار) 2020، وجب حينها على القطاع الصحي بذل جهود مضاعفة لمداواة المرضى وتوفير العلاج للمصابين، وعليه ازدادت إصابات الأطباء بالاكتئاب والقلق.

فعندما أجرى فريق طبي في ولاية بنسلفانيا فحصًا للأطباء المصابين بالاكتئاب في أنظمة المستشفيات قبل انتشار الوباء، أشارت الفحوصات إلى إصابة 10% منهم باكتئاب حاد، ولاحظ الدكتور دانيال شابيرو أستاذ النزعة الإنسانية الطبية، جامعة بلنسلفانيا، ازدياد النسبة إلى 30 و33% أثناء جائحة كورونا، بسبب المأساة المروعة التي شهدها الأطباء.

وفي دراسة استقصائية أخرى أجراها موقع «ميد سكيب» في يناير (كانون الثاني) 2022 لتقييم صحة الأطباء النفسية أثناء الجائحة، حصلنا على النتائج الآتية: 47% من الأطباء يشعرون بأعراض الاحتراق النفسي، منهم 60% من أطباء الطوارئ و51% من أطباء العناية الحرجة، وكان معدل النساء (65%) يفوق معدل الرجال (41%) الذين يعانون من الاحتراق النفسي.

يشتكي 60% من الأطباء من المهام المتراكمة التي لا تنتهي، فيما يشتكي 34% من عدد ساعات العمل المكثفة، و54% من الأطباء تدمرت حياتهم بسبب الجائحة، 60% من النساء ما زلن يعانين من الاحتراق النفسي بعد انتهاء الجائحة، 68% تضررت علاقاتهم الشخصية، و24% من الأطباء أصيبوا باكتئاب حاد أثناء الجائحة.

وأبلغ 53% من الأطباء أن الجائحة أثرت سلبًا في علاقاتهم المهنية بمرضاهم، ونظرًا إلى هذه المؤشرات لا تعد زيادة معدلات انتحار الأطباء خلال الجائحة أمرًا غريبًا، فقد شهدت الهند انتحار 30 طبيبًا من مؤسسات مختلفة تقل أعمارهم عن 30 عامًا منذ بداية الوباء.

وتقول الطبيبة النفسية المصرية لـ«ساسة بوست»: «وباء كورونا زاد من أعباء الأطباء خلال الجائحة، فخلال عملي بالخط الساخن للدعم النفسي، المخصص بالأطباء، تلقيت العديد من المكالمات من الأطباء الذين يعانون من أعراض الاحتراق النفسي والقلق ورغبتهم في الانتحار، وعدم قدرتهم على الاستمرار بأداء واجباتهم».

Embed from Getty Images

طبيبة تحاول دعم أحد المرضى

وربما توافرت معظم هذه العوامل في قصة انتحار رئيسة قسم الطوارئ لورنا براين في مشفى بريسبتريان في نيويورك،  في يوليو (تموز) 2021 تلك الطبيبة المجتهدة والمتعاطفة، والتي عجزت عن تحمل أعداد الوفيات دون أن يلحظهم أحد، وغرف الانتظار المكتظة، وعدد ساعات العمل المكثفة، فقضت 11 يومًا في مستشفى الأمراض النفسية بسبب إصابتها بالاكتئاب الحاد، ثم هاتفت أصدقاءها، وقتلت نفسها في اليوم التالي، وأعرب أصدقاؤها عن اندهاشهم وصدمتهم من خبر انتحارها، فقد كانت حيوية تحب إلقاء النكات، لكنها في الوقت ذاته كانت تشكو من يأسها وقلة حيلتها وعدم قدرتها على مداواة المرضى.

فكيف إذن يتعامل الأطباء مع أفكارهم  الانتحارية وصحتهم العقلية؟ قدمت الطبيبة النفسية المصرية التي تواصل معها «ساسة بوست»، نصائح خلال حديثها معنا، للتعامل مع أعراض الاحتراق النفسي ويمكن إجمالها في الآتي:

أولًا: يجب علينا خلق عادات جديدة، تعزز طاقتنا النفسية وتخفف من وطأة إرهاق العمل.

ثانيًا: تعزيز دوائر الدعم الآمنة المحيطة بالأطباء، مثل العائلة والأصدقاء.

ثالثًا: أخذ قسط من الراحة النفسية والجسدية والاستمتاع بالعطلات.

رابعًا: النوم عدد ساعات كافية وتناول الأطعمة الصحية.

خامسًا: طلب المساعدة من الأطباء النفسيين.

سادسًا: نشر الوعي المجتمعي والتخلص من وصمة العار التي تحيط بطلب الأطباء للمساعدة.

وحذرت من تعاطي الأدوية النفسية دون استشارة طبيب نفسي مختص، ويفضل التحدث مع الخطوط الساخنة لتلقي الاستفسارات النفسية والدعم النفسي ومساندة الراغبين في الانتحار، فإذا كنت طبيبًا تراوده أفكار انتحارية يمكنك الاتصال بالأرقام الآتية: 08008880700، 0220816831.

مجتمع

منذ 3 سنوات
60% من الأطباء مغتربون.. لماذا ستصبح مصر من أفقر دول العالم في عدد الأطباء؟

المصادر

تحميل المزيد