40 يومًا من القتال، وما زالت قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر تخوض غِمار حربٍ شرسةٍ، لانتزاع العاصمة الليبية طرابلس من أيدي حكومة الوفاق الليبرالية المعترف بها دوليًّا. ورغم أنّ حفتر بنى تقديراته العسكرية والسياسية على المباغتة جنوبًا وغربًا في معركة الوقت، إلا أنّ هزائمه أجبرته على حشد جيوشه للاستعداد لخوض أصعب مواجهاته على الإطلاق عبر مهاجمة مدينة سرت -450 كم شرق طرابلس- حيث «كتائب مصراته الإسلامية» المكافئة له، وهي النهاية التي طالما أرادها الحلفاء لإظهار الحرب على أنها مواجهة أيديولوجية بين الإسلاموية والعلمانية.

وبعيدًا عن رحى الحرب العصية على الانتهاء، فالدول الداعمة لحفتر رسمت خطًّا أُحاديًّا للأزمة على أنه صراع هوية علماني ضد الأصولية الإسلامية، وهو المبرر الأخلاقي الذي يستند عليه حفتر للوصول إلى طرابلس، لكنّ الحقيقة أن الجنرال الليبي مدعوم من السلفيين التكفيريين الذي لهم ارتباط مباشر بالسعودية والإمارات، وعلى جانب آخر فحكومة الوفاق الليبرالية أسست تحالفها الحالي مع جماعة الإخوان المسلمين، أعداء الأمس واليوم وغدًا.

جنود سلفيون وحلفاء علمانيون.. كيف أفسد حفتر المعادلة؟

يتبنى حفتر منذ أطلق عملياته العسكرية عام 2014، شعار القضاء على الإرهاب والأصولية الإسلامية، وهو ما جلب له حلفاء إقليميين مثل مصر والسعودية والإمارات الذين لا يرضون بديلًا لقيادة المشهد سوى الجنرال الليبي، ضمن صراع العسكر والإسلاميين والليبرالين. وهو الأمر نفسه الذي كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، عندما قالت إن الرئيس الأمريكي تعرض لضغوطٍ إماراتية مصرية لدعم حفتر، بدعوى أنّ المقاتلين في طرابلس لهم ارتباط بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش».

لكنّ أبرز التناقضات في مسيرة أمير الحرب، تتجلى في أن عقيدته السياسية والقتالية ليست على نسقٍ واحد، فبينما يعتبر نفسه ضمن العلمانيين التنويريين الذين يخوضون صراع المبادئ ضد ظلاميي الشرق من الإسلاميين، تبدو مسيرة الرجل مخالفة تمامًا لما يروج له.

فالجنرال الذي سبق وأن أعلن الحرب على «تنظيم الدولة» ضمن عملية الكرامة عام 2014، عاد في 2016، وفتح ممرات آمنة لمسلحي التنظيم، بعد هزيمتهم على يد «مجلس شورى مجاهدي درنة». ليعبروا مناطق سيطرة الجيش الليبي على طول مئات الكيلومترات، دون أن يعترضهم أحد، بل إنّ طائرات حفتر قصفت المدينة فور انسحاب التنظيم منها.

على جانبٍ آخر، عقد الجنرال الليبي صفقة مع جماعة المدخلية السلفية المدعومة من السعودية، وجنّد أتباعها لبسط سيطرته على شرق ليبيا وجنوبها، حتى أنها تشارك حاليًا في المعارك الدائرة لإسقاط طرابلس، باعتبارهم العدو اللدود لجماعة الإخوان المُسلمين. وجدير بالذكر أن شيخ التيار المدخلي، الشيخ السعودي ربيع المدخلي الذي سبق وأن حرّم الثورات العربية بجميع أشكالها، قد أفتى بضرورة القتال في صفوف قوات حفتر، باعتباره قائد قوات مجلس النواب الشرعي، وحاكمًا متغلبًا، وولي أمر شرعيًّا لا يجوز الخروج عليه.

وبينما يعوّل حفتر على التيار السلفي المتشدد في دحر إسلاميي غرب ليبيا؛ تبدو الصورة أكثر غرابة بإعلان حفتر -الذي يحمل الجنسية الأمريكية- أنه يريد تأسيس ليبيا علمانية، في وقت يدعو فيه جماعة المداخلة السلفية لدعمه في مشروعه العلماني الأكثر تحررًا. بداية من دعوات الحشد للقتال في شهر رمضان باعتباره «شهر الجهاد»، مرورًا بفتاوى إباحة الإفطار. ويمكن الجزم بأن هذه المعادلة لا تلقى قبولًا لدى مصر، التي تتخوف من تصدر تيار إسلامي للمشهد سبق أن وصف حكومة الوفاق بالخوارج.

اللافت أنّ المعركة العلمانية تستمد قوتها من الكراهية العقائدية والأيديولوجية التي يتبناها التيار المدخلي ضد جماعة الإخوان المسلمين؛ الممثلة في «حزب العدالة والتنمية»، أكبر الأحزاب الإسلامية في ليبيا، الذي أعلن أنه سيدفع بمرشحٍ رئاسي خلال الانتخابات القادمة. والمثير أنه في الوقت الذي يروّج حفتر لحفائه الخارجيين بأنه العلماني الأقرب توجهًا لسياسة الغرب -حتى وإن كان عسكريًّا-، فإن الجنرال الليبي في الداخل يروج لنفسه عند المداخلة بأنه الحاكم الشرعي الذي يقاتل «الفئة الباغية» في إشارة للإخوان.

السلفية المدخلية في ليبيا.. فِرقة ناورها القذّافي وجنّدها حفتر وتوشك أن تنقلب عليه

هل المعركة في ليبيا بين الإسلاميين والعلمانيين؟

الصدام العسكري الحالي من المقرر أن يرسم مصير الخريطة السياسية لمستقبل ليبيا، ويحدد ملامح ارتباطاتها مع موازين القوى الخارجية؛ ففي حال انتصر صاحب حفتر وسيطر على طرابلس، فمن المقرر أن تسقط حكومة الوفاق الليبرالية، وأن تنكسر شوكة الميليشيات العسكرية التي سبق أن هُزمت في مدن الشرق (بنغازي ودرنة)، وهو ما يُكرس لحكمٍ عسكري مدعوم من مصر والسعودية والإمارات وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة.

لكنّ السيناريو الأخطر تشير إليه مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية بأنّه في حال صمدت حكومة الوفاق، أو انتصرت، فإن الوضع القائم سيشعل بدوره حربًا بالوكالة، تساند فيها كل من تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين حكومة الوفاق الوطني، بينما تنحاز فيها السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة لأمير الحرب الليبي.

وسُرعان ما لاحت بوادر هذا السيناريو المستقبلي في سماء طرابلس، فبينما كانت الطائرات المسيرة الإماراتية تقاتل إلى جانب صفوف حفتر، ذهب رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري، المحسوب على جماعة الإخوان، في زيارة عاجلة إلى تركيا، التي أعلنت دعمها غير المشروط لحكومة الوفاق. ليظهر بعدها المتحدث باسم الجيش الليبي معلنًا انضمام الطائرات التركية بدون طيار لجيش حكومة الوفاق، والمفارقة أنّ كلًّا من سلاحي الجو الليبي لدى حفتر والسراج لا يمتلك ذلك النوع من الطائرات.

وبعيدًا عن رحى الحرب، فمجلس النواب الليبي في شرق ليبيا الداعم لحفتر، اعتبر أنّ المعركة الحالية ستحدد مصير الحاكم القادم لليبيا بين حُكم حفتر أو الإخوان المسلمين، وهو الاتجاه نفسه الذي ألمحت إليه أوروبا في تعاطيها مع المعارك الدائرة؛ فالدول الأوروبية التي هاجمت حفتر سرعان ما خذلت السراج في جولته الأخيرة التي شملت روما وبرلين وباريس ولندن، فجميعها رفضت تبنّي موقف مساند لحكومة الوفاق ضد حفتر، واكتفت بالتشديد على التمسك بقرار وقف إطلاق النيران غير المشروط.

ومنذ بداية المعركة، اتهمت حكومة الوفاق كلًّا من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، بتوفير غطاء دولي لحفتر بعدم إصدار قرار من مجلس الأمن بتوقف القتال إلا بعد إحراز الجنرال الليبي تقدمًا ميدانيًا يجعله شريكًا في العملية السياسية المقبلة في ظل تولي خالد المشري رئاسة مجلس الدولة الليبي -هيئة رسمية شكلتها الأمم المتحدة عام 2015- للمرة الثانية، والذي يُنظر إليه باعتباره ذراع جماعة الإخوان المسلمين رغم أنه أعلن استقالته منها قبل ثلاثة أشهر.

المثير أنّ القوى الخارجية حاولت مرارًا عقد لقاء بين حفتر والسراج، للوصول إلى حل سياسي، والاتفاق على موعد الاستفتاء على الدستور، ومن بعده الانتخابات البرلمانية والرئاسية، إلا أنه حتى الآن فشلت كل محاولات الوساطة والتقرب، وهو ما يصبُّ لصالح جماعة الإخوان المسلمين، التي انتقدت علانية أي محاولة للتقارب بينهما، وهي الآن تتولى الدفاع عن العاصمة الليبية بميليشياتها المُسلحة.

وبينما تبدو معركة طرابلس مواجهة بين رجلٍ عسكري وآخر ليبرالي، فإن المعركة السياسية تتجلى أكثر بين الإسلاميين والعلمانيين، فبينما ذهب الجنرال الليبي إلى السعودية والإمارات ومصر، ثم عاد ليعلن حربه بعدما حصل على ذخيرة مصرية، وأموال سعودية، إضافة لطائرات إماراتية، فإن خالد المشري كان في زيارة لتركيا وقطر -عقب إعلان حفتر حرب العاصمة-، وعاد منهما بالدعم ذاته الذي حصل عليه حفتر، وهو ما يعزز فرضية أنّ المعركة في الجولة الثالثة من القتال ستكون أشرس مما كانت عليه، خاصة بعدما ظهرت المقاتلات التركية في شوراع طرابلس.

40 يومًا من القتال.. من انتصر حتى الآن؟

قبل نحو أسبوعين من إطلاق حفتر عملية تحرير طرابلس، تحركت إحدى الكتائب التابعة للواء المتقاعد، قرب مدينة سرت الليبية التابعة لحكومة الوفاق -450 كم شرق العاصمة-، وبدا أن حفتر سيدخل طرابلس عبر خوض أصعب حروبه، لكنّ الاستراتيجية العسكرية الحالية اعتمدت على شنّ معارك ضارية ومتفرقة عبر أكثر من جبهةٍ في جنوب العاصمة وغربها، تبدأ من مدينة غريان -تبعد نحو 100 كم- التي تعتبر أضعف ثغرة جنوبية، للوصول إلى طرابلس الحصينة.

شهدت الساعات الأولى للمعركة نجاح خطة حفتر، إذ وصلت قواته إلى مشارف مدينة غريان، فدخلتها بدون قتال بعدما انسحبت القوات الموالية لحكومة الوفاق، ليبدأ الزحف العسكري بعدها نحو مدينة الزاوية -48 كم غرب طرابلس- لكن المفاجأة أنّ قوات حفتر سرعان ما انهزمت وخسرت نحو 40 آلية عسكرية، وسقط نحو 120 في الأسر، وسيطرت قوات حكومة الوفاق الوطني أيضًا على الشريط الساحلي المؤدي إلى العاصمة طرابلس المتمثل في الجسر، ولاحقت قوات حفتر التي فرت إلى الجنوب، وبدا أنّ الرجل العسكري أخطأ في كل تقديراته السياسية والعسكرية.

بُعد القواعد الجوية التي يسيطر عليها حفتر عن مناطق الاشتباكات؛ منعه من استخدام ورقته الرابحة التي أخضع بها الشرق الليبي، لذا انحصرت الجولة الثانية من المعارك حول مطار طرابلس، الذي تعرض لقصف جوي بمشاركة مصرية إماراتية متطورة، بحسب ما كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية، ليحرز حفتر أول انتصاراته العسكرية -بعد أيامٍ من زيارته القاهرة– بالسيطرة على المطار قبل أن يخسره أيضًا في عدة جولات من المحاولات الفاشلة.

وبعد 21 يومًا من القتال والمواجهات المباشرة، أعلنت حكومة الوفاق استعادتها معظم مواقعها جنوب العاصمة الليبية، وسيطرت على كامل المنطقة الممتدة من وادي الربيع، وحتى منطقة العزيزية جنوب طرابلس، لتبدأ بذلك التحول من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم المضاد، وهو ما اضطر حفتر للذهاب إلى القاهرة للمرة الثانية.

مع دخول شهر رمضان تجاهل طرفا الصراع للمرة الثانية دعوات الأمم المتحددة لهدنة إنسانية؛ ويقول المحلل السياسي الليبي عبد السلام الراجحي لـ«ساسة بوست»: «حكومة الوفاق لا ترغب في القبول بهدنة تسمح لحفتر بالتموضع في المدن التي سيطر عليها حتى لا يتخذها ذريعة للتفاوض».

ويتفق ما قاله المصدر مع آخر المستجدات العسكرية على الأض؛ فقوات حفتر تمكنت في بداية الحرب من دخول مدن غلاف طرابلس «صبراتة وصرمان وغريان وترهونة»، وتوغلت في الضواحي الجنوبية للعاصمة، إلا أنها تعرضت في النهاية لانتكاسات وتراجعت في أكثر من محور، بعدما عجزت عن اختراق الطوق العسكري حول وسط المدينة، بينما ما يزال يسيطر سيطرة كاملة على كباري «الزهراء، والطويشة، والعزيزية»، جنوب شرق طرابلس.

وحاليًا يحشد الجيش وحدات عسكرية صوب مدينة سرت -450 كم شرق طرابلس- في تغيير استراتيجي لمسار المعركة، بهدف فتح جبهة جديدة من الشرق والساحل صوب العاصمة خلال الأيام القادمة، ووفق آخر مستجدات ضحايا المعركة، فقد أعلنت «منظمة الصحة العالمية» أن الحرب دفعت أكثر من 60 ألف شخص للهروب من طرابلس، فضلًا عن مقتل 454 من المدنيين والعسكريين، وإصابة نحو ألفين منذ الهجوم.

«فورين أفيرز»: حفتر وفوضى أبدية.. ما سيناريوهات النهاية المحتملة في ليبيا؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد