نظر إلى العرش الفارغ في جَذَلٍ ظاهر، وتصاعدت ضربات قلبه وكأنه يهرول في أعماق صدره، رغم محاولاته الجادة للسيطرة على قلبه وملامح وجهه التي كاد يحتلها فرح طفولي فاضح. أخيرًا جاءت اللحظة التي خطَّط لها شهورًا وأعوامًا، لعب خلالها بمكرٍ وصبر برجال الدولة وبالسلاطين، وأضعفَ الكل بالكل، وحكم من وراء ستارٍ، فخلعَ السلطان المُسالم الظاهر تمربغا، وأودعه سجن قلعة الجبل، ووثب أخيرًا على العرش.

انتزعه من شروده اللذيذ صوت أحد معاونيه، والذي أثار في نفسه من الفزع أكثر مما أثار من الغضب، فقد ارتسم القلق، وانحفر التوتر في قسمات وجه هذا الأمير الذي جاء يحذر سلطانه من خطرٍ مُحقَّق؛ فقد تواترت الأنباء بأن السلطان المخلوع تمربغا قد استنجد بقائد الجيش الأتابك القوي قايتباي، ضد انقلاب خير بك الذي ما كاد يجف خبر ساعاته الأولى في صفحة التاريخ، وأن الأتابك مُصرُّ على استعادة الشرعية، وسيستعيدها، ولكنه لن يُعيدَها لصاحبها أبدًا.

عصر الصراع السياسي والقفز على العرش 

في عام 784هـ (1382م) بدأ ما يُعرف بعصرِ دولة المماليك الجراكسة في مصر والشام وجوارِهما، مع ارتقاء الظاهر برقوق عرش القاهرة، ويعرَف ذلك العصر أيضًا بالعصر المملوكي الثاني، كناية عن تأخر الدولة – رغم ما تخلَّل هذا العصر من بعض فترات العنفوان كعهديْ الأشرف برسباي والأشرف قايتباي – وذلك لما فشا فيه من ضعف السلاطين، وتفاقم الصراعات السياسية على السلطة بين أمراء المماليك الطامحين وأحزابهم المختلفة، وما نجم عن ذلك من اضطراب الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والحضارية؛ مما آل بدولة المماليك في النهاية إلى السقوط تحت حكم الأتراك العثمانيين عام 923هـ (1517م).

إلى جوار الطموحات الشخصية المعروفة لكبار أمراء المماليك، فقد كانت التحزُّبات الولائية الجماعية تزيدُ الصراعات اشتعالًا، إذ كان للسلاطين ولكبار رجال الدولة مماليكهم الأوفياء لهم والمنتسبون إلى دوائر نفوذهم ومصالحهم في حياتهم وبعد مماتهم، والصدامات السياسية والعسكرية بين تلك المجموعات – متباينة الولاء من المماليك – كانت تحدد مصائر السلاطين وأصحاب كبار المناصب في الدولة، والشعب بالتبعية.

تاريخ

منذ 3 شهور
بين فرسان المعبد وفرسان المماليك.. من ملاحم أشرس فرسان تاريخ الحملات الصليبية

فمثلًا في عام 841هـ (1437م) عُزِل السلطان العزيز جمال الدين يوسف بن الأشرف برسباي بعد ثلاثة أشهرٍ فحسب من اعتلائه العرش بعد أبيه السلطان القوي، وكان السبب في ذلك هو الصدام بين المماليك الأشرفية – نسبةً إلى أبيه الأشرف برسباي – والأتابك (قائد العسكر) جقمق ومماليكه، فانتصر الأخير، ونصَّب نفسه سُلطانًا وتلقَّب بالظاهر جقمق، وعزل العزيز وحبسه في القلعة. فلما فرَّ العزيز خلسةً، وحاول تدبير ثورةٍ فاشلة ضد جقمق، تتبَّع الأخير المماليك الأشرفية ونكَّل بهم قتلًا وسجنًا ومُصادرةً لكسر شوكة خصمه، وبعد أشهرٍ اعتقلَ العزيز، وألقى به في سجن الإسكندرية سيئ السمعة آنذاك، ليظل به لسنوات طويلة.

وهكذا بعد وفاة كل سلطان، كان مماليكه المنتسبون إليه يحاولون ما استطاعوا الحفاظ على مكاسبهم من خطر الزوال برحيل ولي نعمتهم، وصاحب دولتهم، وكانت أهم وسائلهم لذلك ضمان خلافته بسلطانٍ من جماعتهم، أو بابنٍ ضعيفٍ أو صغير للسلطان يستطيعون أن يلعبوا به من خلف العرش.

 وكان الكثير من هؤلاء الأمراء الطامعين يخشون الوثوب المباشر على العرش في أول فرصة، لئلا يقوده التعجُّل إلى هلاكٍ عاجل، ومن هؤلاء كان الأمير خير بك الدوادار، والدوادار، هو منصب رفيع في الدولة المملوكية يعني باللغة الفارسية حامل الدواة، وهي دواة الحبر، والمقصود أنه المسؤول عن إصدار الرسائل والأوامر السلطانية. ورغم الحذر الذي أبداه خير بك لشهورٍ طويلة، فإنه لم يُغنِهِ عن قدر الخلع والسجن الذي كان يرسم مصائر أكثرية محاولات الوثوب على العرش في العصر المملوكي المضطرب عندما قفز في الهواء – وهو يحسب أنه قد أخذ الخطوة على بصيرة – في إحدى ليالي شهر رجب من عام 872هـ (1468م) متجاوزًا جلسة العرش وأبَّهَتِه، ليَهوي إلى ضجعة أرض السجن ووضاعته.

خير بك.. نشأة مملوك طامح

لا تخبرنا كتب التاريخ المملوكي شيئًا عن أيام خير بك المبكرة، وكان ذلك هو المعتاد مع الغالبية العظمى من المماليك، فبدايات حياتهم روتينية مُكرَّرة، تبدأ بالأسر أو البيع في أسواق الرقيق صغارًا، وصولًا إلى خدمة أحد أمراء مصر أو الشام من المماليك والانتساب إليه، وهنا يتفاضل المماليك على حسب قوة أميرهم، وبالطبع وفق مواهبهم الخاصة وقدراتهم العسكرية، فيترقى البعض في مراتب وظائف الدولة ومساحات النفوذ، بينما ينزوي كثيرون. 

وفي العصر المملوكي المتأخر، شاعت ظاهرة «الجلبان» أو «الأجلاب» وهو الإكثار من المماليك المجلوبين كبارًا، وهي الظاهرة التي فاقمت الاضطرابات السياسية والأمنية، إذ لم يكن هؤلاء الجلبان يخضعون للتربية الصارمة منذ الصغر والتي تغرس فيهم مفاهيم الولاء والجندية والتضحية، فكانوا أكثر طمعًا وأقل انتظامًا، وكانوا غالبًا ما يلتفون حول أصحاب المطامع من الأمراء، وكان من هؤلاء خير بك الدوادار.

لعل الحدث الأبرز في مسيرة حياة خير بك العملية كان شراء الملك الظاهر خوشقدَم (تولى السلطنة بانقلابٍ عسكري عام 865هـ – 1461م) له من الأمير سودون قرقاش، وكان خوشقدم لا يزال آنذاك أميرًا، فلما أصبح السلطان، زادت مكانة أمرائه ومماليكه بالتبعية.

التحق خير بك أولًا بخازندارية خوشقدم – مسؤولي مخازنه، وهي وظيفة هامة في ذلك العصر – ثم أصبح «أمير عشرة» وهي رتبة عسكرية جيدة إذ يصبح قائدًا على فصيلةٍ من 10 فرسان. بعد ذلك انتقل من الخازندارية إلى الدوادارية الثانية عام 870هـ (1465م) وهذا يُعتبر من الترقي الإداري.

 وَقد كنت فِي رَكبه مُتَوَجها إِلَى مَكَّة حَال عزِّه، فَرَأَيْت مِنْهُ إِكْرَاما ومزيد أدب وَحسن عشرَة *شمس الدين السخاوي متحدثًا عن خير بك الدوادار في ترجمته له في كتابه «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»

وفي نفس هذا العام دعم خير بك صعوده الإداري والسياسي بتزوجه من ابنة ناظر الخاص – وهو المشرف على أموال السلطان – ثم أواخر ذلك العام الدسم، أصبح أمير المحمل الحجازي – قافلة الحج المصرية التي تحمل معها كسوة الكعبة الجديدة – وهو منصب رفيع إلى جانب الرمزية الدينية، فأخذت شعبيته ونفوذه في التصاعد.

من الظاهر إلى الظاهر فالظاهر

دعِ الأيامَ تُعجبُ والليالي ….. فظلُّ نعيمِهِنَّ إلى زوالِ

قًصارى عيشهِنَّ إلى فناءٍ ….. وغايةُ أهلِهِنَّ إلى انتقال

الشهاب المنصوري، أحد شعراء العصر المملوكي. نقلًا عن ابن إياس في «بدائع الزهور» أحداث عام 867هـ

من القليل النادر أن يتفقَ ثلاثة سلاطين مُتَتالون على نفس اللقب، وهو الظاهر، أما الأكثر مفارقة أن اثنين منهم لم يكن لهم من فأل الاسم نصيب، فعُزلوا سريعًا، وظهر عليهم خصومهم. 

عملة مملوكية من عصر الظاهر خوشقدم. المصدر/ ويكيبديا.

يذكر ابن إياس في ترجمته للظاهر خوشقدم في «بدائع الزهور» ضمن أحداث عام 872هـ الذي شهد وفاة هذا السلطان القوي، أن سنوات حكمه السبع كانت في مجملها تتسم بالاستقرار السياسي والاقتصادي ودرجةٍ من الرفاهية، فقد كان شيخًا حكيمًا في الستينات من عمره، ولم يشهد عصره ثورات، أو حروب كبرى، أو حتى مجاعاتٍ، وأوبئة هائلة. 

بعد وفاة الملك تولى الحكم الأتابك يلباي، وتلقَّب بالظاهر، وكان أبرز مراكز القوى في الدولة آنذاك هو الأمير خير بك الدوادار، وكان بمثابة المُقدَّم على كافة المماليك الظاهرية – مماليك السلطان الراحل الظاهر خوشقدم – والذي آثر أن يؤخر الوثوب المباشر على العرش، وأن يُقدِّم من هو أضعف منه وأقل طموحًا، ولذا فقد لعب دورًا بارزًا في تأمين صعود الظاهر يلباي إلى سُدَّة الحكم، وكان يلباي لا يملك حلًّا ولا عقدًا إلا برأي خير بك، فكان الظاهر يلباي أمام الخاصة والعامة ظاهرَ الضعف، وسخر منه عامة المصريين؛ لأنه كان لا يُسأل من أحدٍ عن شيءٍ إلا قال لمن يسأله: 

«إيش كنت أَنا؟ قل لَهُ!» 

ويقصد خير بك الدوادار، فهو لا يستطيع أن يفصل في أي أمر دون الرجوع إليه. استغلَ خير بك طيشَ يلباي، فأجرى باسمه بعض القرارات سيئة السمعة باعتقال كبار أمراء الدولة المنافسين على النفوذ، وسجنهم بالإسكندرية، فزادت النقمة من الجميع ضد يلباي، وكثرت الاضطرابات في أنحاء البلاد، واختلّ الأمن في طرق السفر، وشوارع المدن. ثم كانت القاصمة عندما قرَّر الانقلاب على خير بك ومن معه من الأمراء، لكن سبقَه هؤلاء، وعزلوه بعد أقل من شهريْن فُأنزل من حكمه، وسُجِن بالإسكندرية إلى أن مات بعد عام واحد.

آل العرش بعد خلع يلباي إلى السلطان الظاهر تمربغا، والذي كان أتابك العسكر في عهد الظاهر يلباي، وهو يوناني الأصل، وقد أغدق الهدايا في بداية عهده على خير بك الدوادار اتقاءً لمطامعه، كما عينه الداوادار الأكبر للدولة.

وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّه لم يلِ سلطنة مصر قَدِيما وَلَا حَدِيثا من يُشبههُ، وَلَا يُقَارِبه، وَلَا يدانيه. وَمَا أَقُول ذَلِك فِي الْأَفْضَلِيَّة وَلَا فِي الصّلاح، وَإِنَّمَا أَقُول فِي الْمعرفَة والحذق وَالْجمع لفنون السِّيَادَة.. وَلكنه مَعَ هَذِه المحاسن، لم يصْفُ لَهُ الدَّهْر، وَلَا لقيَ مُعينًا لرفع يَد خير بك عَنهُ. ولا زال يدافع عَن نَفسه بالإحسان، إِلَى أَن وثب عَلَيْهِ خير بك

هكذا حكى المؤرخ المملوكي ابن تغري بردي في كتابه «مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة» متحدثًا عن الملك الظاهر تمربغا الذي خلعه خير بك الدوادار

ورغم ما اتَّسم به تمربغا من المهارات القيادية والسياسية والعلمية، فقد كان لتغوّل خير بك دوادار أثر سلبي كبير على مجرى الأمور في فترة ملكه القصيرة. حاول الظاهر تمربغا تدعيم شعبيته بقراراتٍ سياسية حكيمة شملت إطلاق سراح العديد من المُعتَقلين من الأمراء المماليك، واثنيْن من السلاطين المخلوعين قبل سنوات، وهما المنصور عثمان بن جقمق، والمؤيد أحمد بن إينال، ووزَّع الكثير من العطايا المالية بين الخاصة والعامة، حتى أثَّر ذلك سلبًا على الاحتياطي المالي للدولة.

بعد شهرين من تولي تمربغا انتشرت الشائعات أنَّ الأمير خير بك الدوادار يستعد لقيادة انقلابٍ عسكري رفقة حلفائه المماليك الأجلاب، وأنه يدبر مؤامرة لاعتقال السلطان تمربغا، ورجل الدولة القوي الأتابك قايتباي، وكان الأخير حذرًا للغاية، وأخذ الشائعة على محمل الجد، ورفض الصعود في موكبه المعتاد إلى القلعة خوفًا من الوقوع في كمين، وظل يتجنَّب القلعة لأسابيع، بينما سرى التوتر في القلعة والقاهرة، وسادت حالة من الترقب لما ستُسفر عنه نتيجة الصدام المتوقع.

3 سلاطين في ليلةٍ واحدة.. «يا وثبة ما تمَّت!» 

تسلطنَ ليلًا، ولُقّب بالعادل، ثم أُمسِكَ وصودر، وسجن بالإسكندرية

*ابن العماد الحنبلي في كتابه «شذرات الذهب» متحدثًا عن سلطان الليلة الواحدة خير بك الدوادار

في أحد أيام شهر رجب من عام 872هـ (1468م) انقضّ المئات من المماليك الأجلاب على الظاهر تمربغا في قصره، واعتقلوه مع كبار الأمراء الموالين له، بعد أن أوسعوا بعضهم ضربًا، مثل الأمير كسباي الدوادار، المنافس اللدود لخير بك الدوادار، ثم بايعوا هذا الأخير سلطانًا، ولقبوه بالملك العادل.

ولكن لم تكد الساعة تتجاوز منتصف تلك الليلة، حتى كان الأتابك قايتباي قد حضر مع المئات من أنصاره، وحاصر خير بك ومن معه في القصر، بعد أن أخبرته عيونه بالتطورات الخطيرة السابقة، لتدور اشتباكات عنيفة بين الأجلاب وقوات قايتباي، ويسقط العديد من القتلى والجرحى من الطرفين. 

في تلك الأوقات العصيبة، فوجئ خير بك باختفاء العديد من الأمراء الذين وعدوه بنصرته إن تغلَّب على العرش، ويبدو أن هؤلاء قد شعروا بفشل الانقلاب مع الظهور السريع للأتابك قايتباي، فإما اعتزلوا وأخذوا دور المشاهد انتظارًا لما ستُسفر عنه الأمور، وإما انضموا إلى النجم الصاعد قايتباي، وحينئذٍ استشعر خير بك حرج موقفه، فأطلق سراح الظاهر تمربغا، وطلب منه العفو، وأبدى ندمًا شديدًا على ما فعله، وبلغ به التضرع حد تقبيل قدميْ تمربغا، فرقَّ له الأخير وعفا عنه.

في تلك الأثناء هرب فلول الأجلاب، واستولى الأتابك قايتباي على الإسطبل السلطاني، وهناك حرَّضه بعض أنصاره على انتزاع السلطنة لنفسه، وخلع الظاهر تمربغا الضعيف، وصادفت الدعوة هوىً في نفسه، فأعلن نفسه سلطانًا وتلقَّب بالأشرف قايتباي، وهكذا عُزِلَ الظاهر تمربغا للمرة الثانية في ليلة. 

وبعد يومين وافق قايتباي على رحيل تمربغا إلى دمياط ليقيم فيها، وأرسله إلى هنالك مُعزَّزًا مكرَّما، لكنهُ في المقابل أمر باعتقال خير بك الدوادار، ومصادرة أمواله، ودلالة على مدى سرعة إزاحة خير بك من السلطنة، فإن بعض كبار المؤرخين المملوكيين مثل جمال الدين أبو المحاسن ابن تغري بردي، الذي كان في الستين من عمره معاصرًا لتلك الأحداث، لم يحسبْ خير بك في مصاف السلاطين المماليك، وانتقل مباشرة في موسوعته الشهيرة «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» من عصر السلطان الظاهر تمربغا، إلى عصر الأشرف قايتباي.

سُجِنَ خير بك شهورًا طويلة، ثم عفا عنه السلطان قايتباي على أن ينفيه إلى مكة، ثم استأذن بعد سنواتٍ أن ينتقل إلى بيت المقدس، لتوافيه المنية هناك عام 879هـ (1474م).

تاريخ

منذ 3 شهور
ابن تغري بردي.. «ابن الناس» الذي حفظ تاريخ مصر الإسلامية في موسوعاته الكبرى

المصادر

تحميل المزيد