«أريد كلبًا»، «أريد قطًّا»، «أريد سلحفاة»، طلب يتكرر على لسان الصغار كأنه احتياج فطري لديهم. شيء ما في أعماقهم يلح لاقتناء حيوان أليف بينما تقف الأمهات مع شعور بالحيرة، هل تلبي طلب الصغير لتتكبد متاعب إضافية، حيث المزيد من مهام العناية والتنظيف والرعاية والتطبيب، أم تتجاهل الطلب الملح لتتجنب ذلك كله؟ 

فلنبدأ من البداية.. هل من المفيد اقتناء الحيوانات الأليفة؟

خلال الظرف الحالي الذي يمر به العالم من تفشي وباء كورونا وما أصاب صحة الأطفال النفسية، بسبب الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، يبدو أن اقتناء حيوان أليف فكرة جيدة. ففي شهر أبريل (نيسان) الماضي، جرى نشر دراسة تعد الأحدث، عن آثار التفاعل بين الأطفال وحيواناتهم الأليفة، وتأثير ذلك في النمو والحالة النفسية للأطفال خلال فترة الحجر الصحي بسبب كوفيد-19.

أوضحت الدراسة أن الوقت الذي قضاه الأطفال بالحجر والاحتياطات الاستثنائية، مع عدم اعتيادهم البقاء في المنزل لفترة طويلة، أو الابتعاد عن الأصدقاء والمدرسة؛ تسبب لهم في مجموعة من المتاعب أبرزها اضطراب النوم والقلق، والاكتئاب والخوف، والغضب والتوتر، والحساسية، والشعور بالوحدة.

لكن بالمقابل تبين أثر اقتناء حيوان أليف في الأطفال؛ فقد أكسبهم مجموعة من السلوكيات الإيجابية  خلال الجائحة أبرزها الشعور بالمسئولية، وكذلك بدا التطور واضحًا لدى الأطفال الذين يملكون حيوانات أليفة؛ إذ لم يبد أنهم عانوا مثل بقية الأطفال من اضطرابات النوم والنشاط الزائد والغضب.

لكن بعيدًا عن الجائحة، وفي الظروف العادية، يبدو أن اقتناء حيوان أليف ليس رفاهية، ففي دراسة وُجد أن تعلق الأطفال بحيواناتهم الأليفة يلعب دورًا مهمًّا في نمو الأطفال الاجتماعي والعاطفي والمعرفي والعقلي، نتحدث عن صحة عقلية أفضل فضلًا عن شعور لدى الطفل بالرفاهية وجودة نوعية حياته، هذا وبحسب الدراسة يحدث نتيجة الارتباطات بين الحيوانات الأليفة وتنمية سلوك الرعاية والصداقة والرحمة مع الأطفال.

من بين أكثر من ألف طفل في أكثر من دولة، تبين دور مشاركة الأطفال في رعاية حيواناتهم الأليفة على تقليل العدوانية لديهم، فضلًا عن التعلم الإنساني وتعزيز مفهوم الارتباطات الآمنة في مرحلة الطفولة.

تحكي سمية أحمد أم عاملة (31 عامًا)، أنها لم تظن يومًا أنها ستقتني حيوانًا أليفًا، لكن وجود بعضهم في منزل والدتها، كان الباب الذي دخل منه ابنها الصغير إلى عالم الحيوانات الأليفة. تحكي سمية لـ«ساسة بوست» أن أول كلمة نطقها ابنها كانت «قطة»، ما شجَّعها على خوض هذه التجربة، وقررت تبني قطة عرضتها صديقة للتبني، لتصير القطة فردًا جديدًا بالعائلة تنام وتستيقظ على سرير الصغير، الذي بدا أنه اكتسب لاحقًا مجموعة من السمات لاحظتها والدته بوضوح: «آدم طفلي الوحيد، تعلم المشاركة في اللعب من قطتنا، وتعلم الرفق والمسئولية أيضًا، حتى إنه أحيانًا يتقاسم مع القطة طعامها المفضل، ويعاملها كأنها أخته حرفيًّا».

«مصنوعون لبعضنا البعض».. هذه فائدة الحيوانات الأليفة للأمهات

تبنت أسرة سمية قطًّا إضافيًّا لاحقًا، تقول الأم إنها صارت الآن أمًّا لثلاثة أطفال وتحكي عن أثر وجود الحيوانات الأليفة في المنزل: «ما تغير بداخلي، أن تفتح وعيي على أن الكون ليس لنا وحدنا، جزء من العاطفة والمشاعر تفجَّر داخلي بالتأكيد في وقت تفشي الوباء والحظر الكلي، فكنت أطهو يوميًّا لبعض القطط الشارع الجوعى وأنزل مع صغيري لنضع لهم الطعام».

مجتمع

منذ سنة واحدة
في ظل انتشار فيروس كورونا.. هل حيوانك الأليف مصدر خطر؟

تتغير الأمهات سريعًا في وجود حيوانات أليفة وإن رفضنها في البداية، هذا لأن عقولهن تتغير حرفيًّا. فبحسب دراسة رصدت الركائز العصبية الكامنة وراء العلاقة بين الإنسان والحيوانات الأليفة، جرى تصوير أدمغة الأمهات بأشعة الرنين المغناطيسي، ورُصد النشاط العصبي في المخ لدى المبحوثات حين يشاهدن صور أطفالهن، وكذلك حين يرون صور الكلاب الخاصة بهن، وكلاب ليست لهن، وقد كانت النتيجة ملفتة حقًّا!

فقد أدى عرض صور أطفالهن إلى نشاط دماغي في المنطقة المتضمنة للمكافأة والانتماء في المخ، في حين نشطت المنطقة الخاصة بالإدراك الاجتماعي والمعالجة البصرية للوجوه لحظة عرض صور الكلاب، باختصار قالت الأمهات إن كلًّا من صور أطفالهن وكلابهن تثير لديهن مستويات متشابهة من الإثارة والبهجة!

المفاجأة أنه عقب وقت يتحول إدراكك كأم، للحيوان الأليف في المنزل إلى شعور بالأمومة، تقول الباحثة والكاتبة ميج دالي أولمرت في كتابها «مصنوعون لبعضنا البعض» إن الأم تتعامل مع الحيوان الأليف بعد فترة بصفته طفلًا لها، وذلك لأنها على المستوى العصبي في دماغها، تتعرف إليه على ذلك النحو، ذلك الإدراك الذي يجعل دماغ الأم يطلق الشبكات العقلية نفسها التي تجعل الأم تنظر إلى طفل صغير لزج يشبه قطعة اللحم الأحمر فتقول «هذا لي»، على حد تعبير الباحثة.

ولاقتناء حيوان أليف.. كلفة باهظة أحيانًا

حاولت الباحثة بريندا بريانت أن تجيب عن السؤال: «هل الحيوانات الأليفة مفيدة حقًّا للأطفال؟»، فأخضعت عينة من 213 طفلًا تتراوح مراحلهم الدراسية بين الصف الثالث والسابع ويملكون حيوانات أليفة مقابل 44 طفلًا لا يملكون حيوانات أليفة، ثم عرضت النتائج عبر ورقة بحثية بعنوان «ثراء العلاقة بين الطفل والحيوانات الأليفة»، خلصت خلالها إلى تحديد فوائد أهمها تبادل العواطف والمشاعر بين الأطفال وحيواناتهم الأليفة، كذلك التعلق الدائم، وعاطفة لتعزيز الذات، وخصوصية وتفرد في العلاقة بين الأطفال وحيواناتهم.

لكن في المقابل عثرت الباحثة على كلفة باهظة لاقتناء الحيوان الأليف، ولا نتحدث هنا عن الجانب المادي، لكنها كلفة معنوية تتمثل في موت الحيوان الأليف أو رفض الحيوان الأليف  للطفل، وما يترتب على حالتي الموت والرفض من حزن وعدم شعور بالرضا، فضلًا عن حالة القلق التي ترتبط باقتناء حيوان أليف بشأن سلامته وإمكانية الوقوع في المشكلات، كذلك الشعور بالضيق بسبب عدم السماح لهم برعاية احتياجات الحيوانات الأليفة.

لا تزال حالة ساندي فهيم النفسية سيئة للغاية، فقد توفي قطها الأخير وقبله فقدت قطها الأول الذي خرج ولم يعد. في المرتين كانت تحاول أن تهدي ابنها كائنًا يشاركه وحدته، فمنذ فقد والده وهي تحاول ألا يكون وحيدًا، وقد ساهم القط الأول في الأمر كثيرًا: «انفطر قلب صغيري للمرة الثانية عقب وفاة والده حين خرج قطنا الأول من البيت سهوًا، بحثنا عنه كثيرًا حتى إننا رصدنا مكافأة وطبعنا صورًا له، لكن دون جدوى، كان الحل اقتناء قط جديد، لكنه توفي عقب عام واحد؛ ما تركنا جميعًا في حالة نفسية سيئة قررت من بعدها ألا أعرض صغيري لهذا الموقف من جديد، فلم يعد يقدر على احتمال مزيد من الفقد».

صحة عقلية أفضل للجميع

في كتابه «الحيوانات والصحة العقلية» خلص الكاتب أودين كوزاك في كتابه المنشور عام 1989، والذي يعتمد على مجموعة كبيرة من الأبحاث، إلى مجموعة من المعلومات المثيرة حول دور الحيوانات الأليفة في صيانة الصحة العقلية لجميع أفراد الأسرة، وكذلك الكثير من الفئات مثل الأشخاص ذوي الإعاقة، والذين يشعرون بالوحدة وكذلك السجناء، مشيرًا إلى مصطلح «العلاج بالحيوانات الأليفة».

فإن كنت ستتقبل الفقد أو الرفض المحتمل، يمكنك إذن الاستفادة القصوى من مميزات اقتناء حيوانات أليفة، إذ يقول المؤلف: «تظهر العديد من الأمثلة المذهلة لدور الحيوانات الأليفة للأفراد ذوي الإعاقات والوحيدين والسجناء في إضافة قيمة لتلك الفئات وجعلهم أكثر سعادة وصحة واندماجًا مع المجتمع».

علوم

منذ 5 شهور
فيل يصادق كلبًا وثعبان يصاحب فأرًا! كيف تنشأ صداقة الحيوانات؟

فهل سبق وأن اقتنيت حيوانًا أليفًا من قبل؟ أو هل تفكر في الرضوخ إلى طلبات أطفالك واقتناء واحد؟ وهل تعي فعلًا حجم المسؤولية والفائدة بالمقابل؟ شاركنا رأيك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد