تعتبر الديون أحد المتغيرات الاقتصادية التي ينظر إليها الاقتصاديون باعتبارها مؤشرًا مهمًا على سلامة اقتصاديات الدول. لكن هذا المؤشر أحيانًا لا يكون كافيًا للحكم على الوضع الاقتصادي للدولة، فقد لا تعني زيادة الديون أن الدولة تمر بأزمة اقتصادية، فمثلًا اليابان لديها أعلى نسبة دين حكومي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك هذا الأمر لا يشكل أزمة عميقة بالنسبة لثالث أكبر اقتصاد في العالم.

بينما لدى الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قيمة ديون في العالم، تتجاوز 22 تريليون دولار، ومع ذلك فإن الديون ربما ليست أكبر مشاكل أكبر اقتصاد في العالم. لكن في المقابل قد نجد دولًا ضمن الأقل ديونًا في العالم، لكنها تعاني أزمات اقتصادية هيكلية، ولم يجعلها حجم ديونها المتدني الأفضل. ومن ضمن هذه الدول الجزائر والكويت، لذلك نجد أن الاقتراض أحيانًا يكون حلًا اقتصاديًا جيدًا، وهو ما سنتحدث عنه خلال السطور القادمة حول حاجة الكويت.

موازنة دولة الكويت للسنة المالية 2019/2020

كشفت بيانات حديثة نشرها صندوق النقد الدولي أن الكويت احتلت المرتبة العاشرة بين قائمة الدول الأقل «ديونا» في العالم، نسبة للناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغت ديون البلاد نحو 17.8% بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، وهي الدولة العربية الوحيدة في القائمة، لكن احتلال البلاد لهذه المرتبة جاء على حساب استنزاف السيولة بالاحتياطي العام، الذي تواصل البلاد السحب منه منذ هبوط أسعار النفط في 2014.

«حصار الوافدين».. لماذا ستفشل خطط «التكويت» في الكويت؟

فقد 45% في 5 سنوات.. رحلة استنزاف الاحتياطي الكويتي

يقول مقرر لجنة الميزانيات والحساب الختامي، رياض العدساني، وفق صحيفة «القبس» الكويتية: إن الحالة المالية للكويت أظهرت فقدان الاحتياطي العام 45% من أمواله، خلال خمس سنوات فقط، موضحًا أن هناك قدرة متدنية لدى بلاده لتمويل الاحتياجات الحالية والمستقبلية للميزانية العامة للدولة، تتراوح وفق تصورات الحكومة ما بين 2020 و2024، في ظل تذبذب أسعار النفط، الذي تعتمد عليه الدولة بنحو 90%.

ويأتي هذا التراجع في ظل اعتماد الحكومة على علاج عجز الموازنة من خلال السحب من الاحتياطي العام، وكما تظهر بيانات الموازنة؛ فإن الفجوة بين الإيرادات والمصروفات قد اتسعت بشكل واضح منذ موازنة 2016، إذ إن ميزانية السنة المالية الجديدة 2019-2020 تتوقع عجزا بقيمة 7.7 مليار دينار بعد استقطاع نسبة احتياطي الأجيال القادمة.

موازنة دولة الكويت للسنة المالية 2019/2020

ويتم استقطاع 10% سنويًا من الإيرادات في الكويت وتحول لصندوق الأجيال القادمة الذي تديره الهيئة العامة للاستثمار التي تمثل الصندوق السيادي لدولة الكويت، وفي موازنة 2019-2020، تشير تقديرات الحكومة إلى أن حجم العجز قبل استقطاع نسبة احتياطي الأجيال القادمة عند 6.116 مليار دينار، بحسب وزير المالية الكويتي، نايف الحجرف.

وتشير الأرقام إلى أنه من المتوقع أن تصل الإيرادات إلى 16.4 مليار دينار، بينما ستبلغ المصروفات 22.5 مليار دينار في الميزانية الجديدة، وهذا العجز يتم تغطيته بالكامل من الاحتياطي العام للدولة، ومع استمرار هذا التوجه فإن ارتفاع العجز يعني تزايد الضغط على الاحتياطي وهو الأمر الذي جعل كثير من المحللين بمطالبة الحكومة بالتوقف عن السحب من الاحتياطي الذي بات مهددًا وسط تزايد العجز.

هل ينتهي الاحتياطي العام الكويتي خلال عام واحد فقط؟

يقول وزير المالية الكويتي السابق، بدر الحميضي: «إن الاحتياطي العام انخفض من 21 مليارًا إلى 7 مليار دينار فقط، ما يعني أن 14 مليارًا ذهبت لسد عجز الموازنة، موضحًا أنه إذا استمر الصرف بهذا المعدل سينتهي الاحتياطي خلال عام واحد فقط، وبحسب مصادر إعلامية محلية فٱن هناك مخاطر عدة تواجه صندوق الاحتياطي العام؛ بسبب السحب المتواصل منه لتمويل الموازنة، إذ إن السيولة المتاحة للسحب حاليًا تقدر بنحو 8 مليار دينار».

ونقلت صحيفة «القبس» الكويتية عن مصادر رسمية أن الحكومة ستلجأ إلى خطة حكومية لحماية صندوق الاحتياطي العام من خطر النفاد خلال الفترة المقبلة مع زيادة عمليات السحب خلال الفترة الأخيرة لتمويل عجز الموازنة، فوفق الأرقام الصادرة عن وزارة المالية، تم سحب نحو 6 مليار دينار تقريبًا خلال الربع الأول من السنة المالية الحالية 2019/2020، ما يعني أن إجمالي المسحوب في سبعة أشهر نحو 12.4 مليار دينار، جميعها تمت بهدف تمويل الموازنة.

موازنة دولة الكويت للسنة المالية 2019/2020

ويشير تقرير حكومي أن البلاد ستلجأ لإقرار قانون الدين العام على وجه السرعة، وهو القانون الذي يسمح للحكومة بالاقتراض، سواء من السوق المحلية عن طريق البنك المركزي، أو إصدار السندات الدولية للاقتراض الخارجي، وهذا القانون يعد مطلبًا جماعيًا، سواء على مستوى المؤسسات المالية أو خبراء الاقتصاد.

وفي أبريل (نيسان) الماضي طالبت وكالة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني، الكويت بسرعة إقرار القانون، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، حيث توقعت تراجع الاحتياطي العام للعام الخامس على التوالي، بسبب لجوء الحكومة للصندوق من أجل تمويل عجز الموازنة العامة وسداد الديون المحلية المستحقة.

وقالت الوكالة الأمريكية: «إن انتهاء صلاحية قانون الدين العام جعل الحكومة غير قادرة على الاقتراض وإعادة تمويل الاستحقاقات الحالية»، مشيرة إلى أن قانون الدين العام لا يزال يمثل أولوية تشريعية للحكومة ومن المفترض تمريره في الوقت المناسب، للتمكن من إصدار ديون خلال السنة المالية.

لماذا يكون الاقتراض الحل الأفضل الآن؟

في ظل خطر نفاد الاحتياطي العام، ربما يكون الاعتماد على الاقتراض الآن الحل الأفضل، خاصة في ظل تدني أسعار الفائدة في العالم، وبما أن الكويت لديها تصنيف ائتماني مرتفع فإن لديها فرصة للاستفادة من هذا الانخفاض في أسعار الفائدة، خاصة أن معظم البنوك المركزية حول العالم لجأت لسياسة خفض سعر الفائدة عدة مرات منذ بداية العام الجاري، بالإضافة إلى الانتشار الكبير للسندات السالبة التي وصلت لأكثر من 13 تريليون دولار مؤخرًا.

وترى «فيتش» أن الكويت تحقق تقدمًا بطيئًا في برنامجها الإصلاحي الذي يستهدف خلق التوازن في المالية العامة، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص في توفير فرص عمل للمواطنين الكويتيين، لكن في ظل تراجع معدلات الفائدة العالمية وتوقعات استمرار هذا التراجع لمدة أطول، وهو حل قد يمنع تآكل متانة الأوضاع المالية والخارجية نتيجة استمرار انخفاض أسعار النفط، أو عدم القدرة على معالجة الاستنزاف الهيكلي للمالية العامة.

وحتى بداية أغسطس (آب) الماضي شهد العالم خفض معدل الفائدة 61 مرة في العام الحالي مقارنة مع 13 حالة سجلت الإفصاح عن زيادة في الفائدة، وذلك في 40 دولة حول العالم، بينما توقعات تراجع نمو الاقتصاد العالمي والمخاوف المتنامية على خلفية تصعيد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تدعم استمرار التوجه العالمي نحو خفض الفائدة، وهو ما يعني فرصة إضافية للدول التي تعاني من عجز الموازنة للاقتراض بأقل تكلفة.

بخلاف الاقتراض.. طرق أخرى لعلاج عجز الموازنة

وبعيدًا عن الاقتراض فالكويت في حاجة إلى تطبيق عدة إصلاحات مالية وتشريعية بهدف ترشيد الإنفاق ومكافحة الهدر بالميزانية، وذلك مثل تعديل جدول الرسوم والتكاليف المالية مقابل الانتفاع بالمرافق والخدمات العامة، بالإضافة إلى إقرار عدد من القوانين الضريبية ذات الصلة، مثل قانون الإجراءات الضريبية الموحدة ومشروع قانون الضريبة الانتقائية.

على الجانب الآخر، فإن أحد أبرز أسباب تراجع سيولة صندوق الاحتياطي العام، هو تأخير تحويل الأرباح التي تحتفظ بها مؤسسات وجهات حكومية، إذ إن بعض الشركات الحكومة لا تقوم بتحويل الأرباح لفترات طويلة بحجة الصرف على مشروعاتها.

وتعتبر العوائق التشريعية أحد أبرز العراقيل التي تضغط على الكويت، إذ تسعى البلاد لإقامة عشرات المشاريع التنموية والإستراتيجية لتطوير السياحة والبنية التحتية والطاقة والنقل وصناعة البتروكيماويات والتجارة، لتنويع مصادر الدخل وفق رؤية 2035، لكن لا يزال كثير من المتخصصين يشككون في إمكانية نجاحها في ظل المعطيات الحالية.

ووفق نتائج استطلاع حديث نشر في يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرته وزارة الإعلام الكویتیة، فإن أهم العوائق أو الأسباب التي يراها الكويتيون مهددة لرؤیة «كویت 2035»، هي الفساد والواسطة والمحسوبیة، إذ إن 58% من المواطنين الكويتيين الذي شملهم الاستطلاع، يرون أن الفساد أحد أھم معوقات تحقیق رؤیة «كویت 2035»، فيما قال 45% منهم: «إن الواسطة والمحسوبیة أهم المعوقات».

الوزارة ذكرت أن الاستطلاع تم إجراؤه من خلال عینة تمثل المجتمع الكویتي طبقًا للقواعد الإحصائیة المعتمدة، وشملت العینة محافظات البلاد الست، وروعي فیھا تمثیل الفئات العمریة المختلفة من الجنسین والتوزیع الجغرافي للسكان، وهو ما يوضح أن هاجس الفساد يطارد معظم الكويتيين تقريبًا، وخلال السنوات القليلة الماضية زاد انتشار الفساد في الكويت بشكل ملحوظ، فوفق «منظمة الشفافية الدولية»، فإن الكويت تحتل المرتبة 78 دوليًّا مؤشر مدركات الفساد للعام 2018، بينما كانت تحتل المرتبة 75 دوليًّا في 2016.

ويعتبر هذا الترتيب أقل كثيرًا من ترتيب الجيران الخليجيين وخاصة الإمارات وقطر، وهو مستوى لا يساعد الكويت على جذب المستثمرين ويقوض من نجاح خططها لتنويع مصادر، كما أن الحكومة لا تمتلك خطة لمكافحة الفساد، وهو ما اعترف به بعض المسؤولين في عدة مناسبات، لذلك فإن معالجة هذه الأزمة قد يساعد البلاد في خفض عجز الموازنة.

«رؤية 2035».. طريق الكويت إلى العالمية أم «فقاعة وطنية» أخرى؟

المصادر