كان حلم «الاتحاد العربي»، يراود الكثيرين من العرب، لعقود طويلة، في ظل امتلاك الدول العربية الاثنتين وعشرين كل مقومات بناء اتحاد ناجح، من تجانس ثقافي ولغوي وديني، وتقارب جغرافي. ومنذ توقيع معاهدة ماستريخت عام 1992، مثَّل الاتحاد الأوروبي، الذي تأسس بموجب المعاهدة، مصدر إلهام لكل المطالبين باتحاد عربي.

لكن وضع أوروبا في الوقت الحالي لم يعد كما كان، ويقف قطار الاتحاد مجبرًا، وعلى غير العادة، في محطات عدة، إذ كثرت التحديات والأزمات، التي سجلت ذروتها العام الماضي، وتنذر بتصعيد أكبر العام المقبل.

يواجه الاتحاد الأوروبي، الذي سيفقد نجمةً لامعةً بخروج بريطانيا، قائمة طويلة من التحديات الهيكلية يجب التعامل معها لتجنب الوقوع في فخ الاضطراب السياسي وبطء النمو الاقتصادي في إطار العلاقات المتوترة مع القوى العظمى في العالم.

وإذا تحقق حلم الوحدة العربية، يومًا ما، فإن ما يجري في بروكسل يعد درسًا مجانيًّا ونموذجًا للدراسة، وحدثًا يستحق المتابعة، لتفادي مثل هذه المشكلات في الاتحاد العربي المأمول.

بداية الاتحاد.. مبادرة سلام تقوم على التعاون الاقتصادي

يعد الاتحاد الأوروبي في جوهره مبادرة سلام؛ إذ كان الدافع الأساسي وراء تأسيسه هو تجربة الحربين العالميتين الأولى والثانية المدمرتين، خلال النصف الأول من القرن العشرين.

كانت هاتان الحربان كارثيتين على أوروبا؛ إذ تركتا القارة في دمار كبير ووضع اقتصادي مزرٍ، مما دفع عددًا من السياسيين، ومن بينهم وزير الخارجية الفرنسي، روبرت شومان، والمستشار الألماني، كونراد أديناور، إلى وضع تصور تحول في النهاية ليصبح الاتحاد الأوروبي.

تمثَّلت الفكرة الأساسية في أن التعاون الاقتصادي الوثيق والمستدام بين الدول الأوروبية سيجعلها مترابطة لدرجة أنها لن تتحمل تكلفة محاربة بعضها بعضًا مستقبلًا.

دولي

منذ 4 شهور
هل يشهد «عالم ما بعد كورونا» تفكك الاتحاد الأوروبي؟

في البداية، دشنت دول أوروبية تعاونًا وثيقًا في صناعتي الفحم والصلب. وبموجب معاهدة باريس لعام 1951، أسست بلجيكا، وفرنسا، وألمانيا الغربية، وإيطاليا، ولوكسمبورج، وهولندا، الجمعية الأوروبية للفحم الحجري والصلب (ECSC). وبذلك نقلت عدة دول ذات سيادة جزءًا من سلطاتها إلى منظمة خارجية لأول مرة في التاريخ.

وضعت الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب أسس الاتحاد الأوروبي بشكله المعروف حاليًا: كانت تمتلك سلطة عليا تنفيذية (تطورت لتصبح المفوضية الأوروبية)، وجمعية عامة (أعيد تسميتها في وقت لاحق لتصبح البرلمان الأوروبي) تتكون من أعضاء برلمانيين من الدول المشاركة، ومجلسًا خاصًّا للوزراء الوطنيين المسؤولين ومحكمة للعدل.

كان للزخم الذي صنعته الجمعية الأوروبية للفحم الحجري والصلب الفضل الأكبر في إنشاء مؤسستين أوروبيتين أخريين عن طريق المجموعة ذاتها من الدول. ففي عام 1957، أسست معاهدة روما الجماعة الاقتصادية الأوروبية (EEC)، والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية (Euratom). وتشاركت كلا المنظمتين الجديدتين الجمعية العامة نفسها والمحكمة مع الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب، ولكنهما امتلكتا فروعًا تنفيذية خاصة بهما، تسمى الآن اللجان.

ما تزال معاهدة روما تحكم الاتحاد الأوروبي حتى الآن، وأدخلت عليها تعديلات عدة مرات، وباتت تسمى الآن المعاهدة المنظِّمة لعمل الاتحاد الأوروبي (TFEU). وكان القانون الأوروبي الموحد لعام 1986 واحدًا من أهم التعديلات التي أجريت عليها، والذي أسفر في النهاية عن تأسيس السوق الأوروبية الموحدة، بعد مرحلة من التقدم الضعيف في هذا الإطار.

منح القانون نفسه السلطة الحقيقية للبرلمان الأوروبي، تشريعيًّا، وسمح للمجلس باتخاذ القرارات بالأغلبية وليس بالإجماع في المزيد من المجالات السياسية.

أعلام الاتحاد الأوروبي

انطلاقة التوسع.. أعضاء جدد وانتخابات قاريَّة

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، شهدت الجماعات الأوروبية أول عملية توسع. ففي عام 1973، أصبحت المملكة المتحدة، وأيرلندا، والدنمارك أعضاء في المنظمات الأوروبية. وفي عام 1979، أقيمت أول انتخابات أوروبية.

منذ ذلك الحين، ينتخب المواطنون أعضاء مخصصين للبرلمان الأوروبي مباشرة، بدلًا من انتداب أعضاء من البرلمانات الوطنية للبرلمان الأوروبي. وبعد عامين من تنظيم أول انتخابات أوروبية، انضمت اليونان إلى الاتحاد الأوروبي في 1981، ثم تلتها إسبانيا والبرتغال في عام 1986.

ومع انهيار الكتلة الشرقية وسقوط جدار برلين الذي أعقبه إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، وضع التغيير الجيوسياسي، وحقيقة أن السوق الموحدة جلبت أخيرًا فوائد ملموسة، الأساس للوثيقة التأسيسية للاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم: معاهدة ماستريخت، المعروفة أيضًا باسم معاهدة الاتحاد الأوروبي (TEU).

كان لمعاهدة ماستريخت، بصفة عامة، هدفان رئيسيان:

الأول: توسيع مسؤولية دول الاتحاد الأوروبي إلى المزيد من المجالات السياسية، بدلًا من أن تقتصر فقط على الاقتصاد، ومن بينها إنفاذ القانون، واللجوء، والتعاون القضائي المدني، والسياسة الخارجية.

الثاني: إنشاء المعاهدة اليورو واعتماد اليورو عملة أوروبية موحدة. وبالتالي، فإن هذه المعاهدة لها الفضل في الشكل الذي وصل إليه التكتل الأوروبي اليوم.

تحديات هيكلية وأزمات لا تنتهي

مر الاتحاد الأوروبي بأزمات عديدة منذ تأسيسه، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تفاقم الأزمات بشكل جعل البعض يشكك في قدرة الاتحاد على الاستمرار بالطريقة نفسها. فيما يلي أبرز الأزمات التي مر بها الاتحاد منذ بداية العقد الماضي.

– أزمة مؤسساتية 

مضت الأمور بسلاسة في السنوات الخمس الأولى من القرن الواحد والعشرين، وانضمت عشر دول للاتحاد الأوروبي في أيار (مايو) 2004 هي بولندا، والجمهورية التشيكية، والمجر، وسلوفاكيا، وليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا، وسلوفينيا، ومالطا، وقبرص، وفي 2007، انضمت بلغاريا ورومانيا إلى الاتحاد، ثم كرواتيا عام 2013.

إلا أن أزمة كبيرة كادت تعصف بالتكتل ربيع 2005؛ إذ دفع رفض الناخبين الفرنسيين والهولنديين الدستور الأوروبي الموحد بالاتحاد إلى أزمة مؤسساتية، لم يستطع الخروج منها إلا باتفاقية لشبونة التي كان يفترض أن تسمح بعمل مؤسسات التكتل بشكل أفضل، وقد أُقرَّت بصعوبة بالغة في 2009.

– أزمة ثقة

في العام نفسه، أعلنت اليونان ارتفاعًا كبيرًا في العجز في موازنتها في أول مؤشر إلى أزمة مالية واسعة تضرب التكتل. ولتخطي الأزمة، طلبت اليونان، ثم إيرلندا، وإسبانيا، والبرتغال، وقبرص مساعدة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، اللذين طالبا في المقابل بإجراءات تقشفية.

عززت هذه الأزمة الشكوك في الوحدة الأوروبية، وأبرزت استفادة الدول الكبرى مثل ألمانيا، من التكتل على حساب الدول التي تعاني أزمات مثل اليونان. ولم تنجح اليونان في الخروج من أزمتها سوى في 2018، بعد ثلاثة برامج مساعدات أوروبية وإعفاءات كبيرة من الديون.

– أزمة الهجرة

في خضم الأزمة المالية، واجهت أوروبا أخطر أزمة هجرة منذ 1945 مع وصول أكثر من مليون مهاجر لدول التكتل الأوروبي في 2015، وفشل الأخير في وضع خطة عمل مشتركة. ومع رفض عدد من الدول الأوروبية تطبيق نظام الحصص في توزيع هؤلاء المهاجرين بشكل يتناسب مع عدد سكان كل دولة، استقبلت ألمانيا الغالبية العظمى منهم، ما أثار أزمة كبيرة بين برلين وباقي دول الاتحاد ما تزال تؤثر في التكتل حتى اليوم.

دولي

منذ شهر
مترجم: هل تتذكر «بريكست»؟ خروج بريطانيا لم يتم بعد.. تعرف على آخر التطورات

– أزمة «بريكست»

جاءت أزمة «بريكست» بعد حملة سياسية داخل بريطانيا تركزت على الهجرة والاقتصاد، فصوت نحو 17.4 مليون بريطاني (51.9% من الناخبين) في 23 يونيو (حزيران) 2016 مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد.

بعد أربع سنوات على الاستفتاء، لم تنته كافة إجراءات الطلاق، فما زالت بريطانيا تتبع قواعد الاتحاد الأوروبي، رغم خروجها رسميًّا منه في يناير (كانون الثاني) الماضي، وما زال الطرفان في فترة انتقالية يحاولان خلالها صياغة الشراكة الجديدة بينهما.

رغم أن تأثيره الأكبر سيكون على بريطانيا، لا شك أن هذا الخروج سيضعف الاتحاد الأوروبي أيضًا؛ إذ إن بريطانيا كانت ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد، ومساهمًا رئيسًا في الميزانية، وقوة عسكرية رئيسية، وواحدة من قوتين نوويتين في الاتحاد، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي.

– أزمة اقتصادية 

يواجه الاتحاد الأوروبي صعوبات كبيرة اقتصاديًّا، أبرزها أن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو ما يزال ضعيفًا وبحاجة للمزيد من الاستثمارات لتجاوز الجمود الحالي، وفق رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كرستين لاجارد. وخفضت المفوضية الأوروبية توقعاتها لمعدل النمو في منطقة اليورو إلى 1.1% في 2019، و1.2% في 2020، بسبب التوترات التجارية العالمية.

– ضعف السياسة الخارجية

ورغم النجاح الذي حققه الاتحاد الأوروبي على أصعدة الاندماج والتوسع، والاقتصاد والتكنولوجيا، إلا أنه يعاني ضعفًا ظاهرًا في السياسة الخارجية، وتراجعًا في القدرة على التأثير في الملفات الدولية المختلفة، بسبب عدم امتلاكه سياسة خارجية موحدة، تعكس موقفًا واحدًا لأعضائه. وما تزال كل دولة متشبثة بمواقفها الدولية، ومنظومة مصالحها؛ ما يضعف التكتل.

يظهر هذا التفتت بوضوح في الملف الليبي مثلًا، إذ تدعم إيطاليا حكومة الوفاق، بينما تدعم فرنسا قوات حفتر، رغم نفيها الرسمي لذلك.

– أزمة كورونا 

خلقت جائحة كورونا أزمة أخرى داخل الاتحاد؛ كشفت عن الفروق الاقتصادية الموجودة بين دول الشمال والجنوب، والفروق السياسية بين دول الشرق والغرب، إلى حد قول رئيس الوزراء الإيطالي إنها «قد تقضي على مشروع الاتحاد الأوروبي».

أما سياسيًّا، فما زالت دول غرب أوروبا تدين النهج السياسي لبعض دول الشرق، مثل بولندا والمجر، خاصة بعدما أقرت الأخيرة قانون طوارئ يمنح رئيسها الشعبوي، فيكتور أوربان، سلطات مطلقة. فيما عقدت بولندا انتخابات رئاسية في خضم انتشار فيروس كورونا، وغيَّر الرئيس قوانين القضاء، لتسمح بعقاب القضاة الذين ينتقدون الحكومة. من جانبه، أدان البرلمان الأوروبي الدولتين في قرار وصف ما فعلتاه بأنه «مناف تمامًا لقيم الاتحاد الأوروبي».

على جانب آخر، شهد الجنوب والشمال خلافًا في السياسات الاقتصادية منذ وقت طويل، إلا أن هذا الخلاف تجدد وتضاعفت حدته بسبب الجائحة العالمية وما فعلته بدول الجنوب، خاصة فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، التي طلب وزراء ماليتها تقاسم الديون التي سيمنحها الاتحاد للدول الأكثر تضررًا ضمن حزمة مساعدات كورونا، وهو ما قوبل بالرفض من دول أخرى، كانت هولندا على رأسها.

كورونا

خطر التفكك.. هل ينقذ التكتل نفسه؟

في مايو (أيار) 2019، حذَّر وزير المالية الهولندي، فوبكه هوكسترا، من خطر «انهيار» الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن عدة دول تسعى للابتعاد عن التكتل. وقال هوكسترا خلال خطاب ألقاه في جامعة في برلين الحرة «الاتحاد الأوروبي لديه مشكلة واضحة: خطر الانهيار المتزايد»، مضيفًا «الحقيقة المرَّة هي أن لدينا اتحادًا فيه جزء من السكان، بشكل أساسي في شمال غرب أوروبا، يريدون الخروج منه».

وعدد الوزير الهولندي من بين الدول «الديمقراطية والمزدهرة» المعنية، النرويج وسويسرا، وهما «غير مهتمتين» بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو حتى الدنمارك والسويد «اللتين ترفضان اليورو». وبهدف جعل أوروبا جذابة أكثر، اقترح فوبكه هوكسترا «تغيير المسار» لبناء أوروبا «جديدة وأفضل».

ومن بين السبل المقترحة، أعرب عن دعمه مشروع الدفاع الأوروبي الذي يسمح بـ«تقليص نفقات» كل دولة، وأيضًا ضرورة تقديم «جبهة موحدة» على الساحة الجيوسياسية. وتابع «يجب أن تتخلى أوروبا عن سذاجتها الحالية. سواء عبر فرض عقوبات، أو حماية أسواقنا، أو إدارة النزاعات في عالم اليوم.. يجب أن تتمكن أوروبا من إسماع صوتها».

دروس مستفادة.. ما يجب فعله من أجل نجاح «الاتحاد العربي»

تعد صعوبات «النمو الاقتصادي»، و«أزمات الفساد»، و«غياب السياسة الخارجية الموحدة» أبرز التحديات التي لم يستطع الاتحاد الأوروبي تجاوزها حتى اليوم، وتهدد مستقبله، وفق الخبيرة الألمانية المختصة في شؤون الشرق الأوسط والخليج العربي، سيلجا هاردرز.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، حيث ترى سيلجا أن قطاعًا من الأوروبيين غير مقتنع بالمشروع الأوروبي، ما بدا واضحًا في التصويت ضد الدستور الأوروبي في 2005 في فرنسا وهولندا، ورفض بعض الدول استخدام اليورو عملة لها، وخروج بريطانيا المنتظر من التكتل، وأخيرًا تصويت قطاع من الأوروبيين لصالح الأحزاب الشعبوية المعادية لفكرة الاتحاد الأوروبي، في المجر وإيطاليا وألمانيا والنمسا في الانتخابات التشريعية في هذه البلدان، خلال الأعوام الماضية.

سياسة

منذ سنتين
أحلام الوحدة العربية التي لا تتحقق.. لماذا يفشل العرب وينجح الآخرون؟

لتفادي ذلك في أي «اتحاد عربي» مستقبلي، ترى الخبيرة الألمانية أن الدول العربية مطالبة في البداية ببناء قاعدة شعبية قوية مؤيدة للاتحاد، قبل الشروع في خطوات رسمية ومؤسسية؛ حتى لا يواجه الاتحاد مشكلة رفض قطاع عريض للمشروع.

كما ترى سيلجا أن وضع سياسة خارجية موحدة، واستراتيجية دفاع مشتركة وملزمة لجميع الأعضاء، شرط مهم لبناء اتحاد عربي قوي وقادر على التأثير.

واقتصاديًّا، لا بد من إنشاء سوق عربية مشتركة، وضخ استثمارات كبيرة في الاقتصادات الأضعف في المنطقة العربية، حتى يتحقق التوازن بين الدول ذات الاقتصاديات المزدهرة وتلك اللي تعاني صعوبات، ما ينعكس بالإيجاب على الاتحاد، إن جرى تشكيله، وفق سيلغا.

ولفتت الخبيرة الألمانية إلى أن المنطقة العربية تحوز بالفعل جوانب قوة لا تحوزها أوروبا، أهمها التجانس اللغوي والثقافي، والتاريخي، وغياب الصراعات ذات الأبعاد التاريخية بين دوله؛ ما يجعل أي اتحاد مستقبلي قادرًا على الصمود والنجاح.

المصادر

تحميل المزيد