منذ ساعات قدم رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد استقالته إلى الملك، اليوم الاثنين 24 فبراير (شباط)، وذلك عقب محادثات مفاجئة بين حزب مهاتير وجماعات حزبية أخرى حول تشكيل الحكومة الجديدة، تستبعد خليفته المنتظر أنور إبراهيم، وقد جاء ذلك بعد امتناع مهاتير محمد عن وضع جدول زمني لتسليم السلطة لأنور وتنفيذ اتفاقه الانتخابي لعام 2018، والذي على أساسه اتحد كل من أنور ومهاتير في «تحالف الأمل»، وأسقطوا تحالف باريسان الذي حكم ماليزيا سابقًا لمدة 60 عامًا.

انتشرت التحليلات في ماليزيا حول دوافع ونتائج ومآلات هذه الخطوة، بين من يؤيدها وبين من يراها خطة للاستحواذ على السلطة، ويحاول هذا التقرير أن يشرح بالتفصيل أبعاد ما حدث وكل السيناريوهات المطروحة.

إنفوجراف: على رأسهم مهاتير محمد.. تعرف إلى أكبر حكام دول العالم سنًّا

هل يعود مهاتير محمد مرة أخرى إلى منصبه؟

ذكرت وكالة «بي بي سي» الإخبارية أن استقالة رئيس الوزراء الماليزي قد أتت وسط شائعات مفادها: عودة مهاتير محمد مرةً أخرى على رأس تحالف ائتلافي جديد يطيح بأنور إبراهيم. كان هذا السيناريو على رأس السيناريوهات المتوقعة عقب الاستقالة المفاجئة، والذي يتوقع بأن الاستقالة ما هي إلا ورقة أخيرة يلعبها رئيس الوزراء الماليزي من أجل ضمان عدم تسليم السلطة لأنور خلال الفترة المتفق عليها.

جاءت هذه الاتهامات على لسان أنور إبراهيم نفسه الذي اتهم مهاتير وحزبه بـ«الخيانة»، مُشيرًا إلى أن السياسي البالغ من العمر 94 عامًا يسعى لتشكيل ائتلاف جديد، بهدفِ استبعاده من الحكومة الجديدة. الجدير بالذكر أن مهاتير كان رئيسًا للحكومة في الفترة من 1981 وحتى عام 2003، كما أنه كان جزءًا من تحالف باريسان الذي سيطر على حكم ماليزيا سنوات طويلة، وذلك قبل أن يستقيل عام 2003؛ ليعود اللاعب العجوز مرة أخرى إلى السلطة عام 2018.

(رد فعل أنور إبراهيم على استقالة مهاتير محمد)

يصف خصوم مهاتير محمد الرجل بأنه «المتلاعب الأكبر»، عن هذا يقول الصحافي جوناثان هيد، مراسل جنوب شرق آسيا لأخبار «بي بي سي»: «إن الصراع الخفي بينه وبين عدوه اللدود أنور إبراهيم هو المسيطر على الاتجاهات السياسية لعقود. إذ كان إبراهيم نائبًا له، أقاله مهاتير عام 1998 بعد صراع على السلطة».

على أثر ذلك سجن أنور إبراهيم في قضايا فساد وممارسة علاقات «جنسية مثلية» عدة سنوات، حتى خرج من السجن عام 2004 ليستأنف طموحاته السياسية؛ إلا أن تلك التهم، التي أشار إليها البعض على أنها ذات دوافع سياسية، كانت سببًا رئيسًا في توتر العلاقة بين الرجلين.

وعلى الرغم من تلك العداوات القديمة فاجأ كل من مهاتير وأنور إبراهيم البلاد عام 2018، عندما أعلنوا تعاونهما سويًا في الإطاحة بحكومة نجيب رزاق. هذا التحالف الذي نشأ عنه ائتلاف سياسي «تحالف الأمل»، وضم حوالي أربعة أحزاب سياسية ماليزية ذات توجهات أيديولوجية مختلفة وهي: «حزب أبناء الأرض» لمهاتير محمد، و«حزب الأمانة» الإسلامي المنشق، و«حزب العمل الديمقراطي» و«حزب عدالة الشعب»، وقد كسب مهاتير محمد على إثر هذا التحالف الانتخابات متعهدًا بتسليم السلطة إلى إبراهيم، دون أن يحدد لذلك جدولًا زمنيًا.

بدأت الأزمة الحالية عندما أعلنت عدة أحزاب تحالفًا برلمانيًا جديدًا يضم حزب مهاتير والحزب الإسلامي الماليزي «باس»، وحزب المنظمة الملايوية المتحدة «أمنو»، هذا بالإضافة إلى الأعضاء المنشقين عن حزب أنور إبراهيم ذاته، ومن بينهم نائبه في الحزب، أزمين علي.

دولي

منذ 3 شهور
تعرف إلى الحلول التي اقترحتها إيران وتركيا وماليزيا لمشكلات العالم الإسلامي

كان انسحاب حزب مهاتير محمد من الحلف الائتلافي الحاكم، يعني خسارة أصوات الأغلبية البرلمانية، إذ يعد الحصول على أغلبية برلمانية ضرورة في القانون الماليزي لتشكيل الحكومة، ومع رئاسة السياسي العجوز لتحالف ائتلافي جديد يتحد مع المعارضة، يصبح بإمكانه تشكيل حكومة جديدة تمنع أنور من الوصول للسلطة.

يشير التقرير إلى أن اختيار رئيس الوزراء الماليزي القادم ليس أمرًا واضحًا بعد؛ إذ تعد ماليزيا دولة فيدرالية، يشكل فيها البرلمان الحكومة، وفقًا لأغلبية الأعضاء، وهو ما يمثل تحديًا في الظروف الحالية، خاصةً مع عدم امتلاك الأحزاب أعدادًا كافية من الأعضاء لتشكيل حكومة جديدة. وهو ما استدعى انتداب مهاتير محمد لرئاسة حكومة مؤقتة لحين اتخاذ القرار في تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة.

هل تعرض مهاتير محمد للخيانة من أفراد حزبه؟

على الرغم من  أن سيناريو تخطيط مهاتير محمد من أجل الانفراد بالحكم، يلعب دورًا هامًا في تشكيل الرأي العام حاليًا؛ إلا أن هناك رأيًا آخر سائدًا بين المحللين المؤيدين لخطوات مهاتير، إذ يشيرون إلى أن أزمين علي كان طامعًا في السلطة منذ اليوم الأول للحكومة، وينافس للوصول إلى منصب رئاسة الوزراء، وقد أقنع بالفعل بعض أفراد الأحزاب بقدرته على الفوز. طور أزمين شبكة من الحلفاء ورجال المال الأقوياء من أجل تحقيق هذا الحلم.

يشير هؤلاء إلى أن الساعات التالية تحمل للماليزيين العديد من المفاجآت، ليس فقط حول مَن القادم لرئاسة الوزراء، ولكن الشائعات التي أججت سيناريو آخر محتمل، وهو تعرض مهاتير محمد نفسه للخيانة. في الساعات السابقة خيم الحنق على كل من حزبي «العمل الديمقراطي»، و«حزب عدالة شعب» التابع لأنور إبراهيم. الغضب كان يسيطر على المشهد ليس غضبًا موجهًا لشخص ِأزمين علي وحلفائه، ولكن إلى رئيس الوزراء ذاته الذي انضم إلى المعسكر الآخر، وقاد الهجوم على تحالف حكومته.

( تقرير عما قد يحدث بعد استقالة رئيس الوزراء)

كان الرأي الثاني يشير إلى أن هناك أعمالًا تجري تحت ستار قد سعت خلال الفترة الماضية إلى زعزعة الثقة ما بين الأحزاب المتآلفة في التحالف الحاكم، وقد نجحوا في الوصول بهذا الائتلاف إلى منطقة اللاعودة، من خلال السعي لفصل هذا الائتلاف الناجح الذي دام أكثر من خمس سنوات.

عن ذلك يتساءل جوان إنج من حزب العمال الديمقراطي، لماذا قرر رئيس الوزراء الذي قضى الخمس سنوات الماضية يسعى إلى الإصلاح فجأة التخلص من حلفائه، والارتماء بين يدي أعدائه من خلال السعي لحكومة ائتلافية جديدة، وهم القادرون على إقالته في اليوم الأول من توليه السلطة مرةً أخرى؟

يشير جوان إلى أن استقالة مهاتير محمد لم تكن نابعة من رجلٍ يريد قيادة تحالف جديد يضم حزبي «الإسلامي الماليزي» و«أمينو»، بل هي نابعة من رجل يظن أنه تعرض للخيانة من شركائه، وقد أشار أنور إبراهيم نفسه في بيانه الغاضب إلى أن مهاتير لم يكن وراء الانقلاب الذي قاده أزمين وأعضاء حزب «أمينو». وفي تلك الحالة إن كان مهاتير محمد قد تعرض للخيانة من حزبه بعد أن تحالفوا مع المعارضة، فقد أوقع به من أجل تقديم استقالته.

هل يوجد حل ثالث في يد الملك؟

سواء كنت من المؤيدين لنظرية المؤامرة، أو من المتعاطفين مع مهاتير محمد، يبقى هناك دائمًا حلًا ثالث للأزمة السياسية الحالية في ماليزيا. إذ تعاني ماليزيا الآن من فترة اضطرابات داخل الأحزاب السياسية، وحركة من التنقلات للأعضاء بين الأحزاب المختلفة، مما يجعل التكهن بقرارات أغلبية البرلمان البالغ عددهم 113 مقعدًا من أصل 222، أمر شبه مستحيل، وبالتالي لا يستطيع الملك أن يختار حتى الآن رئيسًا للحكومة الجديدة إلا في حالة واحدة، وهي حل البرلمان والدعوة لانتخاباتٍ مبكرة.

قد يكون حل البرلمان خطوة مستبعدة إلا أنه قد يصبح الحل المتبقي الوحيد في حالة فشل تكوين حكومة جديدة طبقًا لأغلبية البرلمان، وهو الأمر الذي استدعى من الملك تكليف مهاتير نفسه برئاسة الحكومة الانتقالية لحين التوصل إلى حل.

يرى البعض أن قبول مهاتير محمد لتلك الحكومة الانتقالية قد يقف عائقًا أمام اختياره مرةً ثانية لرئاسة الحكومة الائتلافية الجديدة، وبالتالي قد ينفي عنه تهمة التآمر من أجل الاستحواذ الكامل على السلطة. في حين يرى البعض الآخر أن تلك اللُعبة السياسية هدفها ظهور رئيس الوزراء العجوز بمظهر المنقذ والبطل الشعبي.

دولي

منذ سنة واحدة
عجوز يجدد أمل شباب ماليزيا.. القصة الكاملة لـ«مهاتير» محمد وصعوده الجديد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد