«المعرفة تمكن الناس. إذا عرف الناس القواعد، واستوعبوها عن طريق الفن والفكاهة والإبداع، فمن المرجح أن يقبلوا التغيير» أنتاناس موكوس

عادة عندما نسمع عن كولومبيا، يرتسم في خيالنا دولة يحكمها تجار المخدرات، أشخاص مثل بابلو اسكوبار وجيلبرتو رودريجيز، وربما سنتخيل بأنّ مغامرات عصابات المخدرات التي صورت في مسلسل «ناركوس» المعروض على نتفليكس هي واقع الحياة الدائم في كولومبيا. ولكن ربما ما لا يشتهر أنّه في نفس الفترة التي قُتل فيها اسكوبار على يد الشرطة الكولومبية عام 1993، وُلدت تجربة حضارية جديدة في العاصمة الكولومبية «بوجوتا»؛ تجربة أخذت سُكان المدينة إلى واقع مختلف، واقع أكثر أمنًا وأكثر جمالًا. ولم يكن ذلك ممكنًا لولا وجود أفراد قلة، يتمتعون بالاستقلالية،ويحلمون بمستقبل أفضل لمدينتهم.

عام

منذ سنتين
مترجم: «قد تجد عظامًا مخبأة خلف جدار!».. كولومبيا تعاني لمحو سيرة بابلو إسكوبار

 

صعد أنتاناس موكوس بطل هذا التقرير، لمنصب عمدة مدينة بوغوتا في الأول من يناير (كانون الثاني) 1995، وتحولت بوجوتا بعد هذا التاريخ، من «مدينة الدم» التي تسيل دماء أبنائها على شوارعها وأرصفتها جراء المشاجرات العنيفة اليومية والخروج عن القانون، إلى «المدينة الخضراء» التي ينتشر فيها الحدائق والمكتبات العامة ويقل فيها دخان السيارات. تعالوا نعرف معًا قصة مدينة بوجوتا، وكيف شهدت تحولًا جذريًا منذ بطل هذا التقرير.

أنتاناس موكوس مرتديًا البدلة الواقية من الرصاص مفتوحة من جهة قلبه بعد تهديدات من المجموعات المسلحة الثورية الكولومبية

ليتوانيٌ في مدينة الدم.. كولومبيا في عيون الطفل موكوس

وُلد أنتاناس موكوس في بوجوتا عام 1952، لعائلة مهاجرة قادمة من ليتوانيا جعلت من كولومبيا موطنها الثاني. نشأ موكوس وكولومبيا تعيش أيامًا حرجة، فحكم الديكتاتوريات يتوالى عليها، وكلُّ ديكتاتور ينقلب على الآخر ويؤسس حكمًا استبداديًا على طريقته، فبعد عامٍ من مولد موكوس، شهد الكولومبيون انقلاب الجنرال جوستابو بينيا على رئيسهم الديكتاتور لوريانو جوميز. ووعد بينيا شعبه بالسلام، والحرية، والعدالة. وحفاظًا على وعوده، بدأ بتهميش قوى المعارضة، واستغلال سلطته لغناه الشخصي، حتى اندلعت مظاهرات أطاحت به عام 1957. ولكنّه استطاع الفرار إلى الولايات المتحدة.

ولم تكن الانقلابات ولا الحكومات الديكتاتورية فأل خيرٍ على الشعب الكولومبي. فقد اشتعل ما يعرف بـ«النزاع الكولومبي» في ستينيات القرن الماضي، النزاع الذي لم ينته إلى يومنا هذا، وشمل ثلاثة أطراف أساسية؛ الحكومة الكولومبية، والميليشيات اليمينية المتطرفة، والحركات اليسارية الثورية المسلحة. وبدأ النزاع باعتباره جزءًا من الحرب الباردة، واستمر ليصبح جزءًا مما سمي فيما بعد بالحرب على المخدرات.

نقل رجل مصاب في حادثة احتلال مجموعة إم 19 اليسارية لقصر العدل عام 1985

مع بداية الثمانينيات؛ انضم إلى هذا النزاع «عصابات المخدرات» أو بما يعرف الكارتيلات، فقد بدأ تُجّار المخدرات وعصاباتهم بالانتشار في كولومبيا، وأسس العراب بابلو إسكوبار، شبكة قوية ومتماسكة لتجارته، جعلته يسيطر على 80% من شحنات الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وبحسب مجلة فوربس، كان أحد أغنى 10 في العالم.

عام

منذ 4 سنوات
هل تنتهي الحرب الأهلية في كولومبيا بعد أكثر من نصف قرن؟

أصبحت العصابات تُمول الميليشيات والجماعات المسلحة مستغلةً النزاع القائم لزيادة ربحهم ونفوذهم. وأصبحت هذه التجارة بنظر بعض الكولومبيين، تجارة سهلة وسريعة الربح. وكان أثر ذلك على كولومبيا، وعاصمتها بوجوتا، بالغ الصعوبة، فزاد العنف، وزادت جرائم القتل، وأصبحت غريزة البقاء الدافع الوحيد للمواطن الكولومبي.

موكوس.. أستاذ الرياضيات يتحول إلى «سوبرمان»

درس موكوس الرياضيات في فرنسا، وحصل على ماجستير الفلسفة من جامعة كولومبيا الوطنية عام 1988، وزاول مهنة التعليم إلى أن أصبح نائب عميد جامعة كولومبيا ومن ثم عميدًا للجامعة عام 1991. وأسس خلال فترة ترؤسه دستورًا للجامعة، وركز جهوده لتحسين جودة التعليم، وقد اشتهر موكوس أيضًا، بمواقفه غير التقليدية، مثل تنقله من منزله إلى الجامعة بواسطة الدراجة الهوائية ليحافظ على «كرامته ونزاهته»، وفي هذه الأيام، كانت شوارع بوجوتا تشهد مظاهرات مستمرة من قبل التنظيمات اليسارية والمجموعات الأناركية، تأثر بها طلاب الجامعة التي يترأسها موكوس.

وفي حادثة شهيرة سطع نجم موكوس فيها، في أحد الفعاليات الجامعية بحضور 2000 من الطلاب، عندما استدعي موكوس ليلقي كلمته، بدأت مجموعات طلابية متطرفة محتشدة نهاية القاعة بالاستهجانٍ وإطلاق صيحات مهينة لموكوس، وعندما شعر موكوس بالإهانة، قرر التعبير عن غضبه من خلال حركة غريبة، فقام بخلع بنطاله أمام الجميع، وفي حركة خاطفة التف ليكشف عن مؤخرته أمام الحضور، وسُئل في مقابلة عن إذا ما كانت هذه الحركة معيبة فأجاب: «لا شك أنّها كانت حركة معيبة؛ ولكنّي أردت أن أظهر للطلاب لون السلام، اللون الأبيض».

اشتد الضغط على موكوس ليستقيل من منصبه بسبب هذه الحركة، وقام بالفعل بالاعتذار، وتقديم استقالته من منصب عميد الجامعة، ولكن بالنسبة لمواطنين بوجوتا، أصبح موكوس رمزًا للصراحة والنزاهة، وساعدته سمعته التي اكتسبها، ليرشح نفسه لمنصب عمدة المدينة، وبدأ حملته بشعار «No P: No Publicity, politics, party, or “plata”»؛ أي لا للشهرة، لا للسياسة، لا للأحزاب، لا للأموال. وأثناء حملته، كان يتجول موكوس في المدينة مرتديًا رداء المواطن الخارق «Supercitizen»، حيث يقوم بلّم النفايات، وتنظيف المدينة، والتعبير بنفسه عما يريد تغييره في المدينة. واعتبرت حملته الانتخابية الأرخص في تاريخ كولومبيا، حيث كلفته 8 آلاف دولار فقط، وكان يديرها من منزله.

موكوس مرتديًا بدلة المواطن الخارق – مصدر الصورة

وفي 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1994؛ فاز موكوس بمنصب العمدة بمعدل 64% من الأصوات، وحظي منافسه إنريكي بينالوسا من الحزب الليبرالي بنسبة 30%، ذلك المنافس الذي سيكون له دورٌ كبير في بناء مستقبل مدينة بوجوتا. وأصبح موكوس بهذا الفوز أول عمدة مستقل في تاريخ بوجوتا، وبدأ مسيرة التغيير الجذريّ للمدينة.

الفيلسوف يحكم.. الخطوة الأولى: كيف تغير وعي مدينة؟

في بداية عام 1990، أطلقت بعض الوسائل الإعلامية على بوجوتا أنّها «أسوأ مدينة في العالم»، فقد كان الفقر منتشرًا في المجتمع الكولومبي، وبسبب أنّ بوجوتا هي العاصمة وتحمل عدد السكان الأكبر، فقد انتشرت فيها كل الآفات، آفة الفقر، وانتشار القتل، وانتشار عصابات المخدرات، لقد كان الحمل ثقيلًا والمهمة صعبة على موكوس.

يُقال إنّ مسيرة التغيير تبدأ بتغيير الوعي، وقد كان موكوس من الرواد والمؤمنين بهذه المدرسة، وبخبرته في قطاع التعليم ومعرفته الفلسفية، كان يعي الخلل الكبير الذي طرأ على وعي الكولومبيين بسبب سنوات الفساد والاستبداد.

وضع موكوس هدفه الأكبر؛ ترسيخ ثقافة «المواطنة» في بوجوتا، وجعل من مدينته حقلًا للتجارب لتغيير سلوك المواطنين، ولاحظ موكوس حالة الفصل بين الثقافة والأخلاق والقانون، فالناس يرمون القمامة على الأرض لأنّه تصرفٌ مقبول أخلاقيًا، ويستخدمون العنف لأنّ الثقافة لا تنهرهم، وأراد من خلال منصبه تكميل هذه العناصر، من خلال استعادة الأخلاق الحميدة عند الكولومبيين، وتأسيس ثقافة جديدة مسنودة بقانونٍ يردع المخالفين.

استطاع موكوس بفضل استقلاليته السياسية تشكيل حكومة نزيهة مكونة على أساس الكفاءة، مما ساعده على الخروج من عباءة المحسوبية التي كانت أساسًا للنظام السياسي في كولومبيا، فقد خاض حربًا مع مجلس مدينة بوجوتا، الذي عادةً ما يفرض أسماء على الإدارة الجديدة للمدينة، وبدأ بعض أعضاء المجلس وصفه موكوس بأنّه «أناركي جديد» يريد التفرد في الحكم من دون أي تدخلٍ من قبل المجلس.

وبعد تشكيل فريقه المستقل، بدأ موكوس بتنفيذ مبادرات تبدو مجنونة لكنّها في غاية الإبداع، فحتى يحدث تغييرًا في سلوك أهالي بوجوتا، قام بتوزيع كروت ذات وجهين أحمر وأبيض، يستخدمها المواطنون للتعبير عن قبولهم أو رفضهم لسلوكٍ ما، وخاصةً سلوكيات السواقة السيئة التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، وذلك لزيادة الوعي بالالتزام بقواعد المرور.

ولاعتقاد موكوس بأنّ الكولومبيين يخافون من السخرية أكثر من خوفهم من دفع غرامة المرور، قام باستئجار مهرجين وظيفتهم السخرية ممن يخالف قواعد المرور، ولتنظيم المرور بشكل مبتكر، وزع مهرجين آخرين في الشوارع مهمتهم إدارة المرور، وتعليم المواطنين احترام قوانين السير، وخط سير المشاة، وحث الناس على التقليل من استخدام أبواق السيارات. وفي هذا المسعى، فصل موكوس 3200 من شرطة المرور الفاسدة، وقبل 400 منهم التدريب ليصبحوا جزءًا من شرطة المهرجين الجديدة.

مهرجو المرور في شوارع بوجوتا – مصدر الصورة

وعمل موكوس على مبادرة أسماها «ليلة السيدات»، فقد حدد بعض الليالي التي يُمنع على الرجال الخروج فيها من المنزل، ويسمح فقط للسيدات، وكانت تخرج السيدات من منازلهم تحت حراسة مشددة من الشرطة المكونة من السيدات أيضًا، ونفذ هذه المبادرات لتمكين المرأة الكولومبية.

وفرض موكوس سياسات صارمة لجمع الضرائب، وجعل 63 ألف من المواطنين الأغنياء يدفعون 10% زيادة عن الضرائب، واستطاع من خلال هذه السياسات تمويل مشاريع لتنظيف المدينة، وتنفيذ مشاريع تنموية، وفرض موكوس قوانين تمنع بيع الكحول بعد الساعة الواحدة ليلًا، وقوانين أخرى تحد من صلاحيات حمل السلاح، وذلك لتقليل نسبة الجرائم أو حوادث السير القاتلة، ولقيت هذه المبادرات نسبة قبول 81% من سكان بوجوتا.

انتهى وقت الشعارات والتنظير.. حان وقت العمل

استقال موكوس من منصب العمدة قبل سنة من الانتخابات الرئاسية، للتحضير لحملته الانتخابية. وترشح بعدها إنريكي بينالوسا، منافس موكوس السابق، لمنصب عمدة المدينة، وفاز بـ48% من الأصوات أمام الشعبوي كارلوس مورينو، وكانت خطة بينالوسا التنموية متمركزة حول التالي: سياسات إزالة التهميش وتمكين الطبقة العاملة، والتكامل الاجتماعي، وسهولة التنقل في المدينة، وتسهيل الخدمات، وتحقيق الكفاءة المؤسساتية.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن بابلو إسكوبار وتجار المخدرات.. 7 أسباب تجعل كولومبيا مكانًا مثاليًا للاستثمار

وبدأ بينالوسا بتنفيذ مشاريع البنية التحتية للمواصلات، وإنشاء وصيانة الطرق، وتحسين وتوسيع نظام الحدائق والمكتبات العامة. كانت رؤية بينالوسا واضحة؛ قلب المدينة رأسًا على عقب، من مدينة نائية يصعب التنقل فيها ويعمها الفقر والجرائم، إلى مدينة ديمقراطية تحقق المساواة بين أصحاب الدخل المختلف. وبدأ بينالوسا مشواره بتنفيذ مشاريع تحسينية للمواصلات العامة، وتقييد استخدام السيارات الخاصة، وتوسيع وتحسين طرق الدراجات الهوائية، وتحسين الأماكن العامة.

وفي نهاية فترته، استطاع بينالوسا تكميل خطوط للمترو، وخطوط للباصات السريعة في مشروعٍ أسماه «Transmilenio»، وجلب بينالوسا المساعدات الخارجية والموارد لمشاريعه من خلال الاستثمارات الخارجية الخاصة، وبرامج مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

حدد بينالوسا الخطر الأكبر على مدينة بوجوتا: السيارات، وكان هدفه تعزيز قيم الديمقراطية والمساواة في المجتمع الكولومبي من خلال إلزام جميع المواطنين ركوب المواصلات العامة، فانخفض على يديه الاعتماد على السيارات بنسبة 40% في أيامه، وقام بجدولة السيارات المسموح لها التجول خلال الأسبوع من خلال آخر رقم في لوحة السيارة، فمثلًا اللوحات التي تنتهي بأرقام من واحد إلى أربعة لا يمكنها التنقل يوم الإثنين، وهكذا. ونظمت إدارة بينالوسا في 29 فبراير (شباط) 2000 يوم الحرية من السيارات، وهو يوم يمنع لأي سيارة التنقل في المدينة، والتي حفزت خيال المواطنين على تخيل شكل المدينة من دون وجود أي سيارة.

بالنسبة لبينالوسا، فإنّه من غير الديمقراطي، أن يكون لراكب واحد في سيارة مساحة أكبر من 50 راكب في الحافلة، وبالتالي هندس بينالوسا الشوارع على أساس مسارين للسيارات، ومسارين للحافلات السريعة. فزادت الزحام في مسار السيارات، وأصبح من العملي ركوب المواصلات العامة للوصول سريعًا.

وصلت إدارة بينالوسا المدينة وكان بها أكثر من 316 حيًا من الأحياء الفقيرة، استثمرت بما يقارب الـ 800 مليون دولار مما أفاد 650 ألف كولومبي من الفئات المهمشة، وتضاعف الاستثمار في قطاعات التعليم العام، وزادت نسبة الملتحقين بالمدارس إلى 30% من الشباب.

اعترض العديد على بعض مشاريع بينالوسا، مثل مشروع وضع الحواجز على الأرصفة لمنع السيارات من الركون، وأغضب المشروع شريحة واسعة بسبب اعتياد الناس على هذه الطريقة في الحياة، وغضب أصحاب المحلات الذين كانت الأرصفة وركون السيارات عليها سببًا لازدهار تجاراتهم وتسهيل بيع خدماتهم، وكانوا يحطمون هذه الحواجز، وبسبب أنّ بينالوسا كان يطمح حرفيًا إلى إعادة إعمار شامل كامل للمدينة، فَقَدَ بعض المواطنون صبرهم لتنطلق مظاهرات تطالب بتنحي بينالوسا، إلا أنّ مشاريع بينالوسا الضخمة لاقت رضا الناس وجعلت 40% من المواطنين يصوتون لإدارته بدرجة الامتياز.

وأدت حملة الإنفاذ ضد التهرب الضريبي إلى زيادة الإيرادات بمقدار 62 مليار بيزو في عام 1999 و70 مليار بيزو في عام 2000 (41 مليون دولار أمريكي و46 مليون دولار أمريكي)، ونتج عن تحديث نظام الضرائب العقارية زيادة قاعدة ضريبة العقارات بنسبة 40٪ خلال عامين.

بعد بينالوسا عاد موكوس للفوز بمنصب عمدة المدينة عام 2001، بعد إخفاقه في الانتخابات الرئاسية. واستطاع العمدتان، موكوس وبينالوسا، خفض معدل الجرائم وحوادث المرور، ففي الفترة الأولى لموكوس، انخفض معدل الجرائم إلى نسبة 70% وانخفضت الوفيات من حوادث المرور بنسبة 50%.

كانت رمزية تجارب موكوس الإبداعية وروحه المحاربة للفساد، خطوة تأسيسية استغلها بينالوسا ليجعل من بوجوتا مدينة خضراء تقدم لمواطنيها خدمات العيش الكريم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد