اتسعت مؤخرًا دائرة العقوبات التكميلية للأحكام القضائية في حق النشطاء السياسيين في مصر، لتشمل التدابير الاحترازية، التي تُلزم صاحبها بالذهاب إلى القسم عدد أيام أسبوعيا، وأيضًا فترات المراقبة الشرطية التي تقضي على صاحب العقوبة الذهاب للمبيت يوميًا في القسم؛ ليتحول ذلك إلى أشبه بالسجن الجديد لهم.

كان الأبرز مؤخرًا من بين هذه الحالات هو المصور الصحافي محمود شوكان، الذي أفرجت عنه السلطات المصرية في مارس الماضي (آذار) بعد نهاية عقوبة السجن، والتي وصلت لأكثر من خمس سنوات، مُستكملًا العقوبة بقضاء مُدة مُماثلة تحت مراقبة الشرطة، ليتبعه في سيناريو مُشابه الناشط السياسي علاء عبد الفتاح الذي قضى فترة عقوبته كاملة، وأفرجت السلطات عنه منذ أيام، قبل أن يبدأ في تنفيذ فترة المُراقبة الشرطية لسنوات مماثلة لمدة حبسه.

يستعرض التقرير التالي قصصًا من وقائع معاناة ثلاثة نشطاء سياسيين صدر في حقهم عقوبات مُشابهة، تركت آثارًا كبيرة في نفوسهم، وشكلت عقبة أمام اكتساب حريتهم الكاملة بعد سنوات في السجون، فضلًا عن مناقشة الأبعاد القانونية المتعلقة بهذه الإجراءات، والمخالفات في تطبيقها من جانب الجهات المعنية، في كسر واضح للقانون الذي ينظم تطبيق هذه الإجراءات.

أحمد ماهر.. 3 سنوات من المراقبة المسائية

بعد انتهاء الناشط السياسي أحمد ماهر، 38 عامًا، مؤسس «حركة 6 أبريل»، من قضاء عقوبة الحبس ثلاثة سنوات، بسجن طرة، والتي صدر بها حُكمًا قضائيًا في أبريل (نيسان) 2017، في قضية «خرق قانون التظاهر»، بدأ ماهر استكمال العقوبة التكميلية بالمبيت يوميًا داخل قسم الشرطة لثلاث سنوات جديدة، قضى منها عامين.

ظن ماهر في بداية تنفيذ عقوبة فترة المُراقبة أنها ستكون أشبه بإجراءات روتينية، لن تكون عائقًا أمام عودته للحياة الطبيعية، قبل أن يكتشف واقعًا جديدًا من المشقة؛ حولت حياته لسجن جديد، أشبه بالكابوس، الذي يُلاخقه يوميًا، ويجعله مُطاردًا.كانت واحدة من هذه اللحظات حين اضطر ماهر للتأخر عن الوصول لقسم الشرطة في الموعد المُحدد؛ بعدما اضطر للذهاب مع والدته قبل عام للطبيب المُعالج لها بعد اشتداد نوبات الجلسات الكيماوية التي تحضرها للعلاج من مرض السرطان، ليكتشف كتابة الضابط المسئول محضرًا يتهمه فيه بالهرب من المُراقبة، تبعه قرارًا بإحالته للنيابة ثم لمُحاكمة قضائية بسبب ما وصفه الضابط المسئول عنه بـ«مخالفته للقانون بالتأخر عن الموعد المُحدد للمراقبة»؛ قبل أن تبرئه المحكمة، بعدما عرض عليها ماهر ما يثبت ملازمته لوالدته المريضة آنذاك عند أحد الأطباء.

«ساسة بوست» تحدث مع ماهر، الذي توفت والدته قبل شهور معدودة، خلال رحلته اليومية من مقر عمله إلى منزله لاستلام بعض الأطعمة والملابس، كي يتوجه للمبيت في قسم الشرطة؛ إذ يقول: «أدرس دبلومة في الإدارة العامة والعلوم السياسية؛ وذلك يستوجب حضورها في محاضرات مسائية؛ وقدمت الأوراق المثبتة بذلك؛ لكن تم رفض طلبي».
يُطارد ماهر، يوميًا، موعد بدء فترة المراقبة، تخوفًا من عدم الحضور في الساعة المُحددة، يقول :«أقضي الفترة من الغروب إلى الشروق، دون السماح باستخدام الموبايل في مكان غير مُناسب للمبيت، مساحته تصل تقريبًا خمسة أمتار في أربعة أمتار، مع عدد من المُتهمين الجنائيين في جرائم سرقة، يتراوح عددهم عادةً بين ثماني إلى 12 مُتهمًا، إلى جانب وجود ضوضاء مستمرة تنبعث من الداخل والخارج؛ وتحيل دون قراءة أي كتاب».
ويشرح ماهر أصل عقوبة المُراقبة، قائلًا: «المُراقبة تتبع قانون لعام 45، وهو صدر بهدف السيطرة على«الفتوات»، «البلطجية»، ومسجلين خطر في الشوارع، ممن تجد الشرطة صعوبة في السيطرة عليهم بعد الإفراج عنهم، قبل أن تتوسع فيه الأجهزة الشرطية، وتعمم العقوبة على ناس تم إدانتها في قضايا سياسية».

ويُكمل ماهر حديثه لـ«ساسة بوست» قائلًا: «تطبيق القانون يفترض أن تتم المراقبة خلال وجود الشخص في منزله، لطالما أن الأجهزة الشرطية تعرف مقر المنزل؛ لكن إلزام الشخص بالذهاب للقسم يوميًا هو شكل من أشكال التعسف ضد القانون»، واصفًا عقوبة المراقبة بـ«السجن الجديد؛ فمن خلال تنفيذ العقوبة؛ تقضي نصف يوم حبس».
يضطر ماهر، على إثر هذا التعسف، على حد تعبيره، لتفويت فرص عمل كثيرة، تقتضي منه التواجد في الفترة المسائية، فضلًا عن الغياب المستمر عن عائلته وأولاده، يوضح: «أنا مش تاجر مخدرات؛ علشان يتعاملوا معايا بهذه الطريقة، والتشديدات المُبالغ في تطبيقها».
وكانت «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» قد رصدت قيام السلطات القضائية خلال العام 2018 بإخلاء سبيل 174 متهمًا بالتدابير الاحترازية على الأقل، على ذمة قضايا على خلفية سياسية، 66 منهم على الأقل في النصف الأول من العام حتى نهاية شهر يونيو (حزيران)، و108 شخص على الأقل في النصف الثاني من عام 2018.

لماذا لم يعد السيسي يهتم بتبرير تصفية وتعذيب المعارضين؟

هيثم محمدين.. الحياة في محيط قسم الشرطة

قضى هيثم محمدين الفترة الأكبر من سنوات عُمره الأخيرة داخل السجون، متنقلًا بين الزنازين حسب نوع القضية المُدرج اسمه فيها، والتي تنوعت تهمها بين «تهديد أمن النظام» على إثر تظاهره ضد تسليم جزيرتي تيران وصنافير، و«الاحتجاجات ضد زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق»، و«الانضمام لجماعة مخالفة للقانون»، إلى أن صدر قرار من محكمة جنايات الجيزة بإخلاء سبيله مع خمية آخرين، في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، في القضية المعروفة إعلاميا بـ«أحداث المترو»، ويبدأ تنفيذ عقوبة جديدة خارج أسوار السجن.

لم يعف هيثم (37 عامًا) اعتزاله الحياة السياسية بعد وفاة شقيقه، من إلزامه بعقوبة تكميلية، والتي يُعرفها القانون «بالتدابير الاحترازية»، عقب إخلاء سبيله، والتي تُلزمه الذهاب لقسم شرطة الصف، الذي يقع منزله في نطاقه الجغرافي، لثلاثة أيام في الأسبوع، إذ يضطر للذهاب وقت غروب الشمس في أيام المراقبة، ويخرج منه مع الساعات الأولى لصباح كُل يوم. توجب عقوبة التدابير الاحترازية كذلك على هيثم عدم الخروج عن المحافظة التي يتبعها قسم الشرطة، إلى أن تنتهي هذه العقوبة التي «تسلب حريته، وتُكدر حياته، وتجعل الحبس الاحتياطي أفضل من هذه الحياة»، كما يصفها. أحد آثار هذه العقوبة على هيثم، هو اضطراره للتخلي عن عمله محام في أحد المكاتب بوسط العاصمة المصرية، بعدما تعذر الانتقال له يوميًا، كون موقع العمل خارج النطاق الجغرافي الذي تُحدده العقوبة للحركة داخل نطاق منطقة القسم فقط، الذي يبعد عن منزله نحو ساعة زمنية.

يوضح محمدين لـ«ساسة بوست»: «التعسف في تنفيذ التدابير يؤدي لتقييد نشاطي نهارًا وفي أغلب أيام الأسبوع، وهو ما يؤثر على صعوبة قيام المُراقَب بمسؤولياته الاجتماعية تجاه أسرته ويقيد حقه في العمل، ويقف أمام إمكانية سفره وتنقله داخل البلاد، كما يساهم في تقليص فرصته في التعلم والتطوير».
كان هيثم دائم الترحال لمحافظات خارج منطقته؛ يلتقي الأصدقاء، ويدخل معهم في نقاشات دائمة، ويستعيد ذكريات لا تزال صداها متقد في أذهانهم؛ لكن كُل ذلك تبدل بعد تطبيق فترة التدابير الاحترازية. يقول محمدين: «الخوف من كسر التدابير الاحترازية، يجعلني ملازمًا للمنطقة المتواجد فيها»، ويُضيف: «هي حبسة بره الحبسة؛ وأحاول التأقلم على الوضع الجديد».

بدوره، يُميز محمد الباقر، المحامي والباحث الحقوقي، بين عقوبتي «التدابير الاحترازية» و«المراقبة الشرطية»، قائلًا لـ«ساسة بوست»: «المُراقبة تكون منصوصًا عليها في الحكم القضائي النهائي للمتهم، كحال علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر، فهؤلاء تضمنت الأحكام القضائية النهائية سنوات سجن، وسنوات مراقبة يقضيانها الآن بعد انتهاء سنوات الحبس، والتي يُشير القانون فيها إلى أنها تنفيذها قد يتم من خلال التزام مُنفذ العقوبة المنزل، وليس الذهاب للقسم يوميًا».
مشيرًا إلى أن «المحكوم عليه يحضر يوميًا للقسم ويوقع باسمه ما يفيد حضوره، وفي حال تغيبه يتم تحرير محضر تغيب وتتولى النيابة العامة اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه».
ويضيف في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أن عقوبة المراقبة الشرطية تُلزم أصحابها بالمبيت يوميًا في قسم الشرطة الذي يتبعونه جغرافيًا، في عدد سنوات يُحددها الحكم القضائي، موضحًا أن المراقبة الشرطية تنظمها نص المادة 28 من قانون العقوبات، والتي توضح أن تحديد مدة المراقبة الشرطية بيد القاضي مُصدر الحكم، ويتولى تنفيذها قسم الشرطة التابع لمحل إقامة المتهم، وليس قسم الشرطة محل ارتكاب الواقعة. بينما يشرح عقوبة «التدابير الاحترازية» ويقول: «التدابير الاحترازية هي بديل للحبس الاحتياطي، وفقًا لما أشارت له المادة 201 في قانون الإجراءات الجنائية، التي لا تحدد نهاية لهذا الإجراء».

ناشطة سياسية: «أدفع لأنجو»

لا تُعد عقوبات التدابير الاحترازية أو فترة المراقبة الشرطية قاصرة على النشطاء الذكور؛ بل شملت حالات كذلك من الإناث  في ضوء قضايا سياسية، بعد زعم السلطات أنهن انخرطن في أنشطة سياسية مُناهضة لها، إذ كانت أول حالة لمعتقل سياسي يواجه عقوبة «التدابير الاحترازية» هي المُصورة الصحافية إسراء الطويل، التي أخلت محكمة جنايات القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 سبيلها على ذمة التحقيقات التي تجري معها بمعرفة النيابة في القضية التي تم إقحامها فيها: «اللجان الإلكترونية والإعلامية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان»، مع اتخاذ تدبير احترازي، يُلزمها بعدم مُغادرة مسكنها، إلا بإذن مسبق من الشرطة لتلقي العلاج في حالة حاجتها له.

تبع حالة إسراء عشرات الوقائع، ممن صدر بحقهن أحكامًا قضائية تستوجب عليهم تنفيذ فترات رقابة شرطية، مثل أحكام صدرت مع الحكم النهائي في القضايا المُدرج أسمائهم، أو تدابير احترازية، إجراء بديل للحبس الاحتياطي.
واحدة من هؤلاء الصادر بحقهم تنفيذ فترة مراقبة، تحدثت لموقع «ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويتها، لأسباب أمنية، عن وقائع المعاناة التي مرت بها، خلال تنفيذها التدابير الاحترازية، إذ قالت: «المساومات لا تنتهي لتخفيف الأمور، سواء من خلال تقديم الأموال لأمناء الشرطة، أو هدايا عينية لهم».
تضيف الناشطة: «المساومات تكون كذلك من سجينات قضايا جنائية يمارسن أساليب غير منضبطة تجاهنا بتكليف من إدارة السجن خلال فترة المبيت»، مؤكدة أنها تضطر للتحايل على تلك الطرق بدفع مبالغ مالية، مقابل الإفلات من تلك العقوبة، والذهاب للتوقيع بالحضور فقط، والعودة للمنزل من جديد.

«نيويورك تايمز»: حتى مسلسلات رمضان! نظام السيسي أكثر قمعًا للإعلام من سابقيه

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد