نقلت مواقع إخباريّة اسرائيليّة، أن حكومة نتنياهو تأمل في تحقيق تقدّم في ملفّ التطبيع مع البلدان العربيّة، وبالأخص مع المملكة المغربيّة، وذلك من أجل الخروج من الأزمة السياسيّة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، العاجز عن تشكيل الحكومة. 

وفي حالة عجز الأطراف السياسيّة الإسرائيليّة عن الوصول لاتفاق من أجل تشكيل الحكومة، فإن إسرائيل ستشهد انتخابات تشريعيّة للمرّة الثالثة في أقلّ من سنة، ولذلك يأمل نتنياهو أن يحقّق انتصارًا سياسيًّا من بوّابة إقناع المغرب بتطبيع العلاقات الدبلومسيّة، بواسطة أمريكيّة.

العلاقات المغربية الاسرائيليّة تبقى ملّفًا مثيرًا للجدل ويعتريها الكثير من الغموض. رسميًا لا يملك المغرب أيّة علاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل، إلاّ أن الكثير من التقارير الرسمية الإسرائيليّة، بالإضافة إلى التحقيقات الصحافيّة تؤكّد على وجود علاقات اقتصاديّة وسياحيّة متقدّمة للغاية، يتكتّم عليها الطرف المغربي الذي أوقف رسميًا منذ سنة 2000 العلاقة مع الجانب الإسرائيليّ. 

نتنياهو يطمح لرئاسة الوزراء من بوّابة المغرب.. والملك يرفض

تعود خلفيّات الموضوع إلى الزيارة التي قام بها رئيس الخارجية الأمريكي مايك بامبيو إلى البرتغال، والتي التقى خلالها برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ونقلت الصحافة الإسرائيليّة أن من بين المواضيع التي جرى التطرّق إليها خلال اللقاء، هو موضوع تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل. إذ يأمل نتنياهو في أن يضغط الأمريكيون على الجانب المغربيّ لفتح علاقات دبلوماسيّة رسميّة مع إسرائيل، وذلك من أجل تحقيق انتصار دبلوماسيّ خاطف يستغله لكسب انتصار سياسيّ داخلي على خصومه في البرلمان، قبل 11 ديسمبر (كانون الأوّل) الجاري، والذي يعد الموعد الأخير لتشكيل الحكومة، وإلا ستضطرّ الحكومة لإجراء انتخابات تشريعيّة جديدة، وهي المحاولة الثالثة خلال أقل من سنة.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مع السلطان قابوس أثناء زيارته الرسمية لسلطنة عمان 

بعد زيارته إلى البرتغال اتجه وزير الخارجيّة الأمريكيّ مايك بامبيو إلى المغرب أين التقى رئيس الوزراء سعد الدين العثماني، لكن مصادر صحافيّة ذكرت أن الملك محمد السادس ألغى لقاءً كان مُبرمجًا مع بامبيو بعد أن علم أنّه يحمل أجندة للضغط على المغرب من أجل فتح علاقات دبلوماسيّة مع الإسرائيليّين. وقد رفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو التعليق على هذه التقارير الصحافيّة؛ ممّا قد يشير إلى صحّتها، إذ أكّد مسؤول في المكتب بأنّ «بعض القضايا من الأفضل أن تبقى سريّة». 

يرى الباحث المغربي هشام توفيق، في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ لقاء بومبيو مع نتنياهو في البرتغال له مجموعة من الدلالات: «أوّلًا نتياهو جمع في تصريحه بين ملفين ملف إيران وملف المغرب، ونال الملفان الوقت والاهتمام نفسه في الحديث؛ مما يؤكد أن دعوة نتنياهو إلى فتح مجال كبير في التطبيع وعقد اتفاقيات اقتصادية معلنة بين المغرب واسرائيل هي دعوة غير عبثية، بل هو ملف على قدر الحجم الإيراني، تحدث عن خيوطه نتنياهو ودعا فيه أمريكا إلى طرحه بجدية على المغرب خلال زيارة بومبيو».

ويضيف هشام توفيق أن نتنياهو «يستغل العلاقات الأمريكية المغربية القوية لتمرير رسالته التطبيعية، فهو يفقه أن المغرب كان بوابة استقبال لكل من كوشنر مهندس صفقة القرن وإيفانكا ترامب كذلك، ويعلم أن أمريكا يمكنها إنجاز خطوة مهمة لإقناع المغرب للقفز إلى مرحلة جديدة من التطبيع والعلاقات المغربية الإسرائيلية اقتداء بخطوات السعودية وعمان والبحرين».

«إذًا في الشكل – يضيف هشام توفيق – التحرك الإسرائيلي بإرسال رسالة للجانب الأمريكي لإقناع المغرب قد يظهر مُتقدمًا، لكن حقيقة المضمون تدلّ على أن الجانب الإسرائيلي يعيش فراغًا وأزمة اعتراف من الشعوب العربية والإسلامية، ويعجز عن إقناع الأمة أن «إسرائيل» ليست احتلالًا ولا كيانًا صهيونيًا، بل إن توظيفه لبومبيو لإقناع المغرب دلالة على عجز نتنياهو الحضور بنفسه إلى المغرب للحديث أمام الشعب وفي قنواته وأرضِه، لعلمه أن الشعب المغربي ينتفض ضد ذلك وعقب أي حضور إسرائيلي يعتبره المغاربة حضور مجرمين لا حضور مسؤولين».

ويعمل نتنياهو في السنوات الأخيرة على توسيع العلاقات الدبلوماسيّة بين إسرائيل والكثير من دول العالم من أجل تحقيق انتصارات سياسيّة من شأنها أن تزيد شعبيته في الداخل الإسرائيلي، خصوصًا مع التأزّم الكبير الذي يعيشه حزبه، إذ فشل في تشكيل الحكومة للمرّة الثالثة خلال سنة، وقد يتّجه لانتخابات هي الثالثة خلال أقلّ من سنة. في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس إسرائيل.

وتجدر الإشارة إلى أنه من بين النجاحات الدبلوماسيّة التي حققها نتنياهو؛ زيارته إلى سلطنة عُمان في أكتوبر (تشرين الأوّل) من السنة الماضية، واستقباله رسميًا من طرف السلطان قابوس، لأوّل مرة في تاريخ الطرفيْن. 

هل تُحكم إسرائيل الخناق على الجزائر من جميع الجهات؟

المغرب وإسرائيل.. علاقات دافئة بعيدة عن أعين الشعوب

يعدّ المغرب من بين أقدم البلدان العربيّة التي بدأت علاقات مع الإسرائيليّين، وذلك في ستينات القرن الماضي خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إذ التقى الحسن الثاني أثناء ولايته العهد وفدًا إسرائيليًّا لمناقشة قضيّة ترحيل اليهود المغاربة إلى إسرائيل. كذلك نسج علاقات مع رجال الأعمال اليهود للاستفادة من علاقاتهم في الجانب الاقتصاديّ، بالإضافة إلى تواجد لجهاز «الموساد» الإسرائيلي في المغرب؟

وتشير عدّة تقارير إلى سماح السلطات المغربية لـ«الموساد» بالتجسّس على القمم العربية والإسلامية التي كانت تُقام في المغرب خلال الثمانينات، وكانت هذه القمم تناقش العلاقات العربية والإسرائيلية. 

كذلك استقبل الملك المغربي الحسن الثاني رئيس الورزاء الاسرائيلي شمعون بيريز سنة 1985 في زيارة رسمية للمغرب، لتتطوّر العلاقات إلى افتتاح مكتب رسميّ لدى الطرفين سنة 1994 بعد اتفاقية «أوسلو» للسلام، لتعود وتتجمّد هذه العلاقات، ويجري إغلاق المكتبيْن رسميًا سنة 2000 عقِب الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية بفعل الضغط الشعبيّ الواسع والداعم للقضية الفلسطينية.

                         شمعون بيريز والحسن الثاني – المصدر: AFP

لكن وبالرغم من التجميد الرسمي للعلاقات بين الطرفين منذ سنة 2000؛ إلاّ أنّ علاقات أكثر قوّة تنشأ في الظلّ، متركّزة على الجانب الاقتصادي والسياحي بين الطرفيْن. وفي الوقت الذي تنفي فيه السلطات المغربيّة رسميًا وجود أيّة علاقات من هذا النوع، فإن تقارير تؤكد على أن صادرات المغرب نحو إسرائيل قدّرت سنة 2015 بحوالي 24 مليون دولار.

وأكّدت التقارير على أنّ الطرفين يستخدمان مجموعة من الإجراءات شديدة التعقيد من أجل التمويه وعدم انكشاف هذا «التطبيع التجاري» تجنّبًا للغضب الشعبي. وأكّدت غرفة التجارة الفرنسية الإسرائيليّة أنّ المغرب هو ثاني أكثر البلدان تعاملًا تجاريًّا مع إسرائيل. فبالإضافة إلى التبادل التجاري، هنالك نشاط سياحي غير مُعلن بين الطرفيْن، إذ نقلت الصحافة عن زيارة أكثر من 80 ألف سائح إسرائيلي للمغرب خلال سنة 2018؛ ممّا يدلّ على حجم العلاقات المنسوجة بين الطرفين في الخفاء. 

يرى الباحث هشام توفيق أنّ رغبة نتنياهو في إحداث اختراق في ملفّ العلاقات مع المغرب «خطوة ضعف داخلي ذاتي، تنمّ عن تنقيب نتنياهو عن مربعات انتصار وفتوحات فرجة وأوراق رابحة تعزز طريقه في تشكيل الحكومة القادمة، على حساب فتح بوابة اقتصادية جديدة تطبيعية مع المغرب، تشبه إنجاز وصول نتنياهو إلى عتبات قصر عمان. وأنها حالة ضعف في الميزان الإسرائيلي، ليبحث من بوابة أمريكا والتطبيع عن جوائز رابحة تعيد الحياة إلى مشروع نتنياهو».

ويربط أيضًا هشام توفيق بين التحرك الإسرائيليّ تجاه المغرب والسياق المحلّي في الصراع مع الفلسطينيّين: «دعوة نتنياهو إلى هذا الحجم من التعامل مع المغرب يعتبر بحثًا عن انتصار بعد خيبة الأمل وهزيمة وسط الاحتلال خصوصًا، في جهازه الحساس وهو الاستخباراتي والعسكري الذي مني بفشلين في أسبوعين: فشل أمام المقاومة بعد استشهاد بهاء الدين، وفشل أمام إعلام المقاومة الذي أخرج ورقة خطيرة في قصة 40 دقيقة وانتصار «معركة حد السيف».

اليهود المغاربة.. إسرائيل تحاول توظيفهم وملك المغرب يسعى لتعزيز أوضاعهم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد