تقليد غريب هو سبب كتابتي اليوم، فبعد مئة يوم يكون لسياسي في سلطة القرار لقاء بناخبيه ليطلعهم على نشاطه وإنجازاته ومدى حفاظه على وعوده، وهو أشبه بتجديد صك الثقة.

من وراء شاشة برنامج تلفزي تنقلهم بعد مئة يوم من النشاط البرلماني، تؤكد لي مدى التحام نوابنا بصوت المواطن، هم متأنقون كالعادة وكلماتهم تعكس وعودهم بل وملامحهم تغيرت من فرط الإحساس فلا «كرش» ولا «زرع شعر» غيرهم… هم ثابتون على العهد بما وعدوا من وقوف بجانب المواطن ودفاع عن المفقرين والمعطلين من أبناء العامة والضوضاء وأبناء الهامش، ومن تكدست أحلامهم في مزابل الدنيا.

هذا التقديم من وحي الخيال ولا تشابه له مع الواقع، بل هو أمنية حالمة قد تشبه أمنية مذاق الشيكولاتة في فم أسير لا يستسيغه لسانه، في الحقيقة الواقع هو الواقع بدون رتوش ولا «فوتوشوب» ولا حكايات السينما في مجاملات شاب يتضور جوعًا لعجوز في الستين تمتلك القليل من المال والكثير من الزيف، فالمسكين يريد الجلوس على الكرسي بجانبها ليأكل حتى ولو بصحبة الزيف، فالمهم له كيف يقنعها بجمالها وأنوثتها المتجددة لتعيش هي يومًا آخرًا من الأمل وهو يسكت جوع يومه، والحال هو ذاته، فالمواطن بفقره وحاجته وحلمه وأمله في يوم جديد، ونائبنا يسكت جوع يومه والمهم أن يقنع العجوز ويجلس على الكرسي.

أحيانًا قد تحكي عنا الروايات، وقد يسبقنا قلم ليخط مسارنا، وأحيانًا لا وجود لتشابه الأسماء أو المسميات، ولكن فلكلور السياسة يدفعنا لإيجاد الطريف والفريد.

حكاية عائلة بوينديا التي تعيش في بلدة ماكوندو في رواية «مئة عام من العزلة» هي توأم الحال لواقع اليوم مع برلمان الشعب، فعزلتنا هي ذاتها، فجزيرتنا برلمان وعائلتنا عائلات سياسية وكتل برلمانية لا يربطها بالمواطن أي زيارات ولا «أسبوع جهات» ولا «جاء» و«آت»، فهم كالعادة من وراء شاشات يتابعون صراعهم وهتافهم وتصفيق البعض منهم وهم في الحقيقة لا يختلفون بمحافظيهم وأحرارهم وألوانهم وجمال الصدق في زيف وعودهم، أسسوا قريتهم بين أسوار البرلمان وانتخبوا لنا لجانًا لترسم لنا الطريق وتشرع لنا النظم والقانون وتبني لنا المدينة، ولكن تشابه حكايانا كما قلت يعود ليذكرنا بأن القرية ظلت لسنوات منعزلة، وأصبحت غير متصلة بالعالم الخارجي باستثناء بعض الزيارات من الغجر الذين يعرضون على سكان البلدة التكنولوجيا مثل المغناطيس والتلسكوبات والجليد، وبرلماننا يعلم وهو على يقين كم نوابنا في حاجة لرؤية الأمور من زوايا ومن مسافات تقل وتكبر وتستبق من المشاكل ما يقل ويكبر، وكم نوابنا في حاجة لكسر الجليد وترميم أسس البناء ليكون عامل جذب للكل، من الداخل ومن الخارج ويرضى عنا الغجر، فهم اليوم لوبيات وصناديق ومانحون.

تكاثرت الصراعات في القرية واليوم يطلون علينا برغبة جامحة في جواز سفر دبلوماسي ليعطيهم أجنحة أخرى تبعدهم عن مشاغل المواطن، بل وتنسيهم الدخول في حروب شاملة ضد البطالة والفقر والتهميش وتدني مستوى المعيشة وارتفاع مستوى الجريمة وغيرها من متطلبات العيش الكريم لمواطني القرية، حتى تكون النهاية بالانفتاح على العالم خارج أسوار البرلمان وفك العزلة بين الوعد والواقع وبين النائب والمواطن، وليس ما يتصوره البعض حول ما يمثله جواز السفر من فك عزلة.

أين أنت سيدي النائب بعد مئة يوم من العزلة؟ سلامي لك ولأهل القرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد