امتدادًا لموجة الربيع العربي، كانت ثورة الشعب اليمني في الحادي عشر من فبراير (شباط) عام 2011، عُقِد على أثرها مؤتمر الحوار الوطني لبناء دولة ديمقراطية جديدة، تلبي رغبة شعبها في دستور جديد ورئيس منتخب شرعي. في العام 2012 انتخب عبد ربه منصور هادي رئيسًا شرعيًا للبلاد، وعمل على تطهير اليمن وتغيير قياداتها العسكرية إلى أن تم الانقلاب عليه من قبل قوات الحوثي المدعومة من إيران والرئيس اليمني المخلوع على عبد الله صالح في سبتمبر (أيلول) 2014. في بداية العام 2015 وبناءً على دعوة من الرئيس اليمني، قامت عدة دول عربية أهمها الإمارات، والبحرين، وقطر، ومصر بمشاركة السعودية في التدخل العسكري الذي عرف باسم عاصفة الحزم. انسحبت بعض الدول المشاركة، مثل قطر بعد وقت قصير من بدأ العملية، وتم الإعلان عن أهداف الحملة العسكرية بأنها لصد الهجمات التي شنها مقاتلو الحوثيين في الشمال اليمني، ووقف التوسع الإيراني في المنطقة، وحماية طرق التجارة الدولية عبر البحار اليمنية وإعادة هادي إلى السلطة.

كانت الأهداف المعلنة للتحالف السعودي الإماراتي هي مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وبالفعل تم تنفيذ العمليات ضد جماعة أنصار الله الحوثي بالتنسيق والتعاون مع الحكومة اليمنية الشرعية. لكن التحالف لم يأخذ في اعتباره تدمير البنية التحتية وفقدان السيطرة على الوضع الاقتصادي والعسكري في البلاد. إلى جانب هذا أتاح التحالف فرصة للإمارات للعب دور أساسي في العمليات العسكرية المشتركة في اليمن، مستفيدة من انشغال القيادة السعودية في ترتيبات بيت الحكم داخل العائلة المالكة، وعملت في نفس الوقت بديناميكية على تعزيز حضورها في المشهد اليمني خلال خمس سنوات وإعادة ضبط مسار الأحداث في ضوء أجندتها المرسومة في البلاد.

تركت الإمارات تعاونها مع الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية شيئًا فشيئًا، وبدأت في تطوير ممارساتها الخاصة وفقًا لأهدافها ومصالحها. ومع زيادة هجمات الحوثيين على السعودية وانشغالها بالرد عليهم وضعف سلطات الرئيس هادي في البلاد، سعت الإمارات إلى إعادة هيكلة المشهد العسكري في اليمن بما يتناسب مع سياستها وخدمة مصالحها الإستراتيجية.

لم يكن الأمر بالنسبة للإمارات ليتوقف عند كون التدخل في اليمن مشاركة في وأد الثورات العربية ومحاربة ما عرفته بالإرهاب أو الإسلام السياسي في المنطقة، إنما كان لها طموح آخر وهو لتوسيع نفوذها الإقليمي على خطوط إمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والعودة إلى ميناء عدن الاستراتيجي، لاسيما بعد إعلان جيبوتي إلغاء عقد الامتياز الممنوح لمجموعة «موانئ دبي العالمية» واستعادة إدارة ميناء دورال، وإعلان سلطات «أرض الصومال» وقف أعمال بناء مطار القاعدة العسكرية الإماراتية في بربرة الإستراتيجي.

أيضًا سعت الإمارات العربية المتحدة، التي سيطرت على العديد من النقاط الحرجة، مثل: الموانئ، والمطارات، والجزر، والبوابات الحدودية الرسمية، إلى تحقيق هدفها المتمثل في إنشاء آلية مراقبة تغطي أراضي اليمن، في المقام الأول في الأراضي الجنوبية. من الممكن القول إن الإمارات العربية المتحدة نفذت سياسة تهدف إلى زيادة قوتها ونفوذها الاقتصاديين الإقليميين بفضل الإنجازات الإستراتيجية التي حققتها خلال السنوات الخمس من تواجدها في اليمن.

عملت الإمارات على تحسين علاقاتها مع جماعة الحوثي وتقليص نفوذ الحكومة الشرعية في عدن – العاصمة المؤقتة – كما عملت أيضًا على تدمير مظاهر الحياة المدنية وإزاحة كل من يرفض سياستها في الجنوب وفرضت واقعًا أحاديًّا قمعيًّا لا يختلف عن الواقع الذي فرضه الحوثيون في مناطق سيطرتهم، باستخدام منهجية الاغتيالات والاعتقالات والتعذيب وشبكات السجون السرية لكل الشخصيات الدينية، والسياسية، والاجتماعية المناوئة لها. كذلك ساهم الدور الإماراتي في اليمن بشكل كبير في تعزيز تواجد الحوثيين، فقد أدى تلاشي الشرعية في المناطق المحررة إلى فقدان الثقة الشعبية بقدرة الإمارات على إنجاز عملية التحرير لإسقاط المشروع الحوثي، ووفر الوضع القاتم في جنوب اليمن مادة إعلامية حربية لجماعة الحوثيين لاستثماره داخليًّا في تعزيز مواقفها المناهضة للتدخل السعودي والحشد لمواجهة قوات الشرعية والتحالف.

وفي نفس الوقت، أعلنت الإمارات سحب جزء من قواتها في اليمن وهو الأمر الذي حظي بإشادة وترحيب الحوثيين، واعتبرها الناطق باسم الحوثيين، محمد عبد السلام، خطوة محل تقدير، مؤكدًا توقف ضرباتهم ضد الإمارات منذ اتفاق السويد بسبب توقف عملياتها في الساحل الغربي، وانسحابها الجزئي من اليمن.

جاء إعلان الإمارات أكثر من مرة نيتها الانسحاب من اليمن، بعد أن أدارت الوضع الأمني والعسكري خلال السنوات الخمس الماضية. وفي بداية فبراير 2020 صرح نائب رئيس أركان القوات المسلحة الفريق الركن المهندس عيسى سيف بن عبلان المزروعي، أن الإمارات بعد خمس سنوات من الحرب في اليمن تحولت من إستراتيجية الاقتراب المباشر إلى إستراتيجية الاقتراب غير المباشر، والتي ستنفذها القوات اليمنية التي تم تشكيلها وتدريبها وتجهيزها ويُقدَّر قوامها بأكثر من 200 ألف جندي.

وأن الإمارات قد قامت بإجلاء جميع جنودها الموجودين في اليمن منذ بداية عاصفة الحزم عام 2015. كما ذكرت أن قرار الانسحاب العسكري من اليمن جاء بعد تفكير عميق وبتنسيق تام مع قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية، وأنه يمهد لمرحلة جديدة في التفاعل الإماراتي مع الحرب، بعد أن حققت غايتها من التدخل العسكري المباشر.

للوقوف على الدوافع الإماراتية وراء قرار الانسحاب، يتوجب علينا النظر في التغيرات التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ نهاية 2019 وبداية 2020. حيث نرى ازدياد حدة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك إيران، والسعودية، والولايات المتحدة، والسعودية، وأمثلة على ذلك إسقاط الإيرانيين لطائرة استطلاع أمريكية دون طيار في مضيق هرمز، والضربات التي تم توجيهها للطائرات المسيَّرة دون طيار التابعة للحوثيين والتي استهدفت مطار أبها، وبعض المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية، وغيرها مما أدى إلى زيادة التوتر في المنطقة، ودعى الإمارات لإعادة التفكير في تواجدها في اليمن، وكذلك التفكير في وضعها ما إذا اندلعت حرب في المنطقة. وقد توصلت إلى ضرورة التخلص من المستنقع اليمني الذي يستنزف طاقاتها وقدراتها العسكرية.

كان أول من أشار إلى هذا الانسحاب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، عندما لمَّح في مقابلة تليفزيونية قال فيها: «إن هناك مؤشرات على أن الإمارات بصدد اتخاذ سياسات جديدة في المنطقة، وهذا يصب في مصلحة حكومتها». ومن هنا يمكن القول أن فكرة إعلان الانسحاب الإماراتي لم تكن فكرة أحادية الجانب، وإنما تم اتخاذ القرار ببحث واتفاق بين الجانبين الإماراتي والإيراني؛ مما يشير إلى أن ثمة تفاهمات واتفاقات ربما تكون قد تمت بين الجانبين بموجبها لا ينازع الحوثيين والإماراتيين كل منهما الآخر في مناطق نفوذه شمالًا وجنوبًا.

من المؤكد أن الإمارات لم تنسحب من اليمن، إلا بعد أن وضعت الأساس القوي لإستراتيجيتها على الأرض، وضمنت وجود أيادي مؤهلة لتنفيذ مصالحها. إن هذه الإستراتيجية تهدف في المقام الأول إلى إضعاف دور الحكومة الشرعية في اليمن، والحد من تأثير الرئيس هادي في اليمن، حيث إنه ليس من مصلحة الإمارات وجود قوة يمنية حاكمة. وبعبارة أخرى كانت الإمارات في محاولة لإنشاء أصول سياسية وعسكرية موازية للحكومة اليمنية كما أن هناك عددًا من المنافذ الحيوية التي يتابعونها.

أهمها مضيق باب المندب، وهو من أهم النقاط الإستراتيجية في اليمن، وهذه الأماكن الإستراتيجية والمهمة هي الأماكن التي تسعى الإمارات للسيطرة عليها. لذا قامت الإمارات بتدريب آلاف من الميليشيات المسلحة، خاصة في منطقة الجنوب؛ مما مكنها من التحكم بالأوضاع في جنوب اليمن من خلال قوات الأحزمة والنخب الأمنية الموالية لها. وبفضل الدعم الإماراتي أيضًا للمجلس الانتقالي الجنوبي تمكن الأخير من إعلان الحكم الذاتي وحالة الطوارئ في المناطق التي يسيطر عليها جنوب البلاد في السادس والعشرين من أبريل (نيسان) 2020. وقد اعتبرت الحكومة الشرعية هذا الإعلان تحد صارخ لها، كما أدى هذا الإعلان إلى ارباك للقوات السعودية التي باتت مشتتة بين هجمات الحوثيين في الشمال وانفصال الجنوب مدعومًا من حليفها الأول الإمارات من جهة أخرى.

خاتمة انضمت القوات الإماراتية إلى القوات السعودية في تدخلها العسكري في اليمن، تحت ذريعة دعم الشرعية والقضاء على الجماعات الحليفة لإيران والقضاء على الإرهاب. إلا أن هذه المشاركة حملت بين طياتها أهداف أخرى غير معلنة تكشفت فيما بعد شيئًا فشيئًا بعد الانخراط في الصراع العسكري والمواجهات على الأرض.

بقيت الإمارات خمس سنوات في اليمن، تمكنت خلالها من تدريب الجماعات المسلحة والميليشيات للتحقيق أهدافها الإستراتيجية التي ظهر جليًا أنها تتنافى جملة وتفصيلًا مع الأهداف التي أعلنتها السعودية مع بدء عاصفة الحزم. كان آخر الأهداف التي نفذت في اليمن انقسام الجنوب الذي يضم أهم المناطق والموانئ البحرية اليمنية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تدعم فيها الإمارات دعوات الانقسام في اليمن، وإنما وقفت إلى جانب الانفصاليين في عامي 1994 و2017.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد