مقدمة طالت بأكثر مما أردت

هذا هو الجزء الثاني من مقالي المعتمد على تقرير لجنة أجرنات التي أنشأتها الحكومة الإسرائيلية فور توقف القتال، للوقوف على الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها كُل من القيادة السياسية والعسكرية في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

وكنت في الجزء الأول نشرت محاضر محادثات سرية للقيادة الإسرائيلية تُظهر وتبين مدى الصدمة المروعة الإسرائيلية من قرار الحرب المصري السوري ومدى عظمة المقاتل العربي (المصري السوري) في ميادين القتال ضد الجيش الذى كانوا يقولون عنه إنه «لا يُقهر»!

لقد كنتُ في كل مرة أنتهى من قراءة شهادة أحد السياسيين أو أحد الجنرالات، أزفر زفرة غضب مختلطة بالأسى، وأسأل نفسي: كيف بدأنا وإلى أين انتهينا؟

وكانت تعود بي الذاكرة لذلك الحوار الذي جرى بين قُطبين فكريين عظيمين هما العالم الجليل د. جمال حمدان، والأستاذ محمد حسنين هيكل (رحمهما الله). كان هيكل في ذلك اللقاء يبدى هواجس راودته لحمدان، وتساءل هيكل قائلًا لحمدان:

إذا قُلنا إن المكان ليس مجرد موقع جغرافي، وإذا قُلنا إن الزمان ليس مجرد قرون تغرب شموسها أو قرون تهل مطالعها، فكيف تُفسر ما يجرى أمامنا؟.. لقد حدث شيء ما لعبقرية المكان.

عبقرية المكان بشكل من الأشكال تبدو لي مُعطلة هنا.. حتى الانشغال بهمها معطل:

  • هناك من يقولون (بخفة) إن العبقرية كبرت على موقعها وموضعها، وإذا كان تشخيصهم صحيحًا، فلعلها كبرت إلى درجة أنها انحشرت فيه بعد أن ضاق عليها، وبالتالي حُبست حركتها!
  • وهناك من يقولون (بقسوة) إن العبقرية صغرت على موقعها وموضعها، وهي لذلك تتدحرج فوق ساحته لا يقر لها قرار، ولا أصدق أن يكون ذلك صحيحًا، وإذا كان فإني أتصور أنها مجرد لحظة، لأن حركة التاريخ بالطبيعة إلى أمام، أو لعلها لم تعد كذلك؟

دعنا من الخفة والقسوة إلى ما هو أكثر موضوعية وعلمية، قُل لي ما الذي جرى لعبقرية المكان وفعلها في الزمن التاريخي لإنسان بكل ما يستلزمه من ضرورات الحركة والتغيير وهما الأساس في حيوية الوجود!

كان جمال حمدان ما زال يسمع وكان هيكل ما زال يتساءل

قُل لي: أين المكان في هذا العالم الذى أصبح قرية؟ وأين الزمان في هذا العصر الذي تنطلق فيه ومضة ليزر إلى القمر وتعود في ثانية واحدة؟

قُل لي: هل تملك عبقرية المكان أن تُسافر منه أو تهاجر؟ أو هل يمكن لها أن تنزوي وتنكمش؟

أعرف أن عبقرية الأفراد يحدث لها مثل ذلك:

عبقرية سقراط انتهت بكأس شراب مسموم. وعبقرية نابليون جرى تسفيرها بالبحر إلى منفى في جزيرة سانت هيلين. وعبقرية نيتشه وصلت في النهاية إلى بيت منعزل على حافة جبل في سلزماريا في سويسرا.

قُل لي، هل يمكن لعبقرية الجغرافيا والتاريخ التي صنعت عبقرية المكان على حد تعبيرك، أم يتعطل فعلها وأثرها ويبطل سرها وسحرها؟!

قُل لي، هل يمكن للزمان أن يمشي بظهره إلى المستقبل؟! وهل يمكن للعدد أن يتنازل بحسابه للسنين والحقب بدلًا عن أن يتصاعد معها بقوة الأشياء، ويحملنا ولو بالقسر من قرن يودع إلى قرن يسلم؟!

بعقلي وقلبي أعرف أن ذلك مستحيل. لكني لا أستطيع أن أنكر بعض ما أراه، على نحو ما تساورني هذه اللحظة هواجس:

لستُ مُتأكدًا أن هذا المكان قائد، حيث تؤهله الجغرافيا والتاريخ أن يقود؟

لستُ مُتأكدًا أنه المُلهم، والنموذج، والمثال.

لستُ مُتأكدًا أنه العالم، والمُعلم، والمُفتي، والمُجتهد.

لستُ مُتأكدًا أنه المُبدع، والمُصور.

بل لستُ مُتأكدًا أنه المطرب، والمُغنى.

قصارى ما يمكن أن يجيئك إذا مددت سمعك دقات طبول بدائية وغريزية تُكرر نفسها، تُعطيك إحساسًا موحشًا بأن الحقول الخضراء تتراجع أمام عملية تصحر بطيء، ولكن خُطاه منتظمة ومتتالية، كأنه على موعد يقصد إليه بنشاط رتيب، هناك على حافة الدنيا وعلى حافة العصر!

وكان رد صاحب شخصية مصر جمال حمدان على هيكل بحزن وأسى:

إن حركة التاريخ دائمة، ولكن اتجاهها ليس ثابتًا، وكان عهدنا بها أن تكون إلى أمام خطوتين وإلى الوراء خُطوة، ولعلنا الآن نرى بُعدًا مُغايرًا، حركة إلى أسفل. نحنُ شهدنا إنقلابًا لأنه كان بين السكان من لم يُقدِر ولم يرعَ حُرمة وحق المكان.

يتبقى لي قبل الدخول إلى عمق الموضوع عدة ملاحظات:

  • إن حديثي مُعتمد هُنا على ما نُشر من تقرير لجنة أجرنات، والذي قام على تجميعه وترجمته فريق كبير على رأسه د. إبراهيم البحراوي ولجنة أجرنات هي اللجنة التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط الرأي العام الإسرائيلي للتحقيق في اخفاقات كُلًا من القيادتين العسكرية والسياسية في حرب أكتوبر 1973.

  • إنني خصصتُ جُزءًا خاصًا للحديث عن أشرف مروان الذي لا تخلو شهادة لأحد العسكريين أو السياسيين أمام اللجنة إلا وذُكر فيها اسمه ودوره عدة مرات وليس مرة واحدة.
  • إن هدفي من تلك الدراسة ليس الإساءة لأحد، ولا تعظيم أحد، أو تبرئة أو إدانة أحد أو شيطنة أحد، بل هدفي النظر للنفس في مرآة الحقيقة، علنا نتعلم من أخطائنا التي دفعنا فاتورتها بالكامل.
  • إن القاري سيلاحظ أننى لا أتدخل في سياق الشهادات إلا نادرًا بتعليق لتصحيح معلومة أو لإيضاح واقعة، أو لطرح سؤال مشروع.
  • إن تلك الدراسة التي أقدمها هي محاولة للفهم، ولعلها تتطور بعد ذلك لنية فعل، ثم إلى فعل كامل. فعل يكون عرف أخطاءه السابقة وتعلم منها وابتعد عن مثالبها، وأدرك حقائق إقليمه وفهم روح عصره.

وأخيرًا- إن كل دُعائي وأملى أن يجد العربي التائه الشريد ميناءً يرسو عليها، بدلًا عن غرقه وسط المياه الضحلة والأمواج العاتية، وحوله أسماك القرش المفترسة والحيتان الهائجة يريدون جميعًا نهش لحمهُ وتكسير عظمهُ وشُرب دمهُ، وهو لا يجد ما يفعله معها غير أن يقف أمامها متذللاُ باكيًا راجيًا مستعطفًا، وتلك حالة يصعب قبولها أو الصمت أمامها أو السكوت عليها.

(1) اختراق إسرائيلي كامل للقوات العربية

إن أول ما يُفاجئ القارئ لتقرير لجنة أجرنات هو أن العرب وجيوشهم (مصر وسوريا) قد دخلوا الحرب وملفاتهم مفتوحة وأوراقهم مقرؤه وخططهم مكشوفة ونواياهم معروفة للعدو الإسرائيلي، وذلك ظاهر بما هو أكثر من اللازم في الشهادات، وعلى الرغم من أن الرقيب العسكري الإسرائيلي يحاول أن يُخفيها أو على الأقل يداريها إلا أنه لا يستطيع.

ديان يقول: نعرف الفرق الاستراتيجي بين الخطة المصرية والخطة السورية

ففي شهادة وزير الدفاع موشى ديان أمام لجنة أجرنات بتاريخ 4فبراير (شباط) 1974 يقول:

نحنُ نعرف أن هناك فرقًا بين الخطط المصرية والسورية للحرب، الخطط المصرية لم تكن ذات مرة لاحتلال كل الأرض، أو كل سيناء في الوقت الذى كانت فيه الخطط السورية لاحتلال كل هضبة الجولان

(من المفارقات أن ديان يصف تحرير العرب لأراضيهم التي احتلتها إسرائيل بالاحتلال!).

تعليق

هنا يجب الوقوف قليلًا، فقد كانت لدى مصر ثلاث خطط محددة‏:‏

أولاها‏:‏ الخطة جرانيت‏ (1)‏: وهدفها عبور قناة السويس بقوة خمس فرق من المشاة والمدرعات تعمل تشكيلاتها تحت إمرة ثلاثة من قواد الجيوش يختص كل منهم بمنطقة على الخط الطويل الممتد من بورسعيد إلى السويس والمهمة للثلاثة عبور قناة السويس بقوة السلاح والتمسك بثلاثة رؤوس كباري عرضها عشرة كيلومترات على الأقل كي تظل في حماية حائط الصواريخ حتى تسيطر على رؤوس الكباري التي تبدأ منها الطرق الرئيسة الثلاثة‏:‏ الجنوبي والأوسط والساحلي‏.‏

والخطة الثانية‏:‏ هي جرانيت‏ (2)‏: وهدفها التقدم بعد إتمام السيطرة على رؤوس الكباري في ظرف ثلاثة أيام إلى احتلال مضايق سيناء والسيطرة عليها‏ (‏بالذات مضيق الجدي‏)‏ والتمسك بها تحت أي ظرف لأن ذلك يطرد القوات الإسرائيلية إلى مناطق مكشوفة تمامًا، وفي الغالب يفرض عليها التراجع إلى خط‏ أم كتاف‏ على الحدود بين مصر وفلسطين المحتلة‏.‏

وأما الخطة الثالثة: وقد أُطلق عليها الاسم الرمزي‏ (‏الخطة‏ 2000)‏: فهي مجهزة لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس في اتجاه معاكس‏ (‏من الشرق إلى الغرب‏)‏ بقصد النفاذ وراء الجيوش المصرية الثلاثة والقيام بعمليات‏ كوماندوز‏ ‏ لمهاجمة وتدمير أو شل فاعلية قواعد الصواريخ من طراز سام ‏(2)‏ وسام‏ (6)‏ وحرمان قوات العبور من حمايتها‏.‏

ومن الغريب أن تفاصيل هذه الخطة تُشير بالتحديد لمنطقة‏ الدفرسوار‏ ‏والخطة تعهد إلى احتياطي القيادة العامة وهو من فرقتين من المشاة الميكانيكية المتحركة تظل غربي القناة‏،، ولا تشارك في العبور لتكون لها حرية الحركة في أي لحظة إزاء أي مفاجأة‏.‏

‏(‏وهذه الخطة كانت وراءها قصة تقارب الخيال ولعلها تستحق أن تُحكى ذات يوم بتفاصيلها وأبطالها‏).‏

وقد تم وضع الخطط الثلاث قبل رحيل جمال عبد الناصر،‏ ‏ وصدق بتوقيعه على أولها ثم وقع خلفه‏‏ أنور السادات‏ ‏على جرانيت ‏(2)‏ والخطة‏ (2000).‏ عندما قدمهما إليه الفريق محمد فوزي وزير الدفاع وقتها في شهر مارس (آذار) ‏1971.‏

ومن الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت‏ (1)‏ و‏(2)‏ لحقت بها زيادات وتعديلات في السنوات ما بين‏ (1970-1973)‏ وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح‏،‏ خصوصّا في استخدامات الصواريخ‏،‏ والفضل عائد إلى الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع في تلك السنوات ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات؛ مما أضاف إلى فكرة الخطة وتفاصيلها‏،‏ وغيرت أحيانًا أسماءها وجعلتها علامة بارزة في التاريخ العسكري‏.

عودة لتقرير أجرنات وشهادة إيلى زعيرا

في شهادته أمام لجنة أجرنات بتاريخ 27 نوفمبر 1973 يقول مدير الاستخبارات العسكرية (أمان) إيلى زعيرا.

لدينا كل المعلومات عن العرب ووزعناها على القادة!

زعيرا: أريد أن أبدأ بموضوع الكتب. نحن نرسل لجيش الدفاع معلومات عن الأسلحة، وعن أشياء أخرى، عن كل السلاح المدفعي الذى تستخدمه الجيوش العربية. لا يوجد أي سلاح في الجيوش العربية لا يظهر هنا. (يقدم نسخ من تلك الكتيبات للجنة).

  • ويضيف زعيرا: ليس هذا فقط، فقد وزعنا على القادة بجيش الدفاع كُتيبات تحتوى أيضًا على معلومات عن معدات الاتصال، ومعدات الوقاية من الأسلحة الكيمائية والبكترولوجية والنووية في الجيوش العربية. (يقدم زعيرا نسخًا أخرى من تلك الكتيبات).
  • ويُكمل زعيرا: في أبريل (نيسان) 1972 وزعنا كميات هائلة من كتيبات الجيب للتعريف بوسائل العبور عند المصريين (يعيد تقديم نماذج من تلك الكتيبات للجنة).

ويضيف زعيرا، سأعطي أمثلة أخرى عما قدمناه من معلومات للقادة:

  • قدمنا معلومات تفصيلية عن العبارة المتحركة (NSP) وقد استخدم المصريون هذا كثيرًا في القناة، فتلك العبارة ينقلون بها الدبابات.
  • كما يوجد هنا كتيب يصف الكوبرى الرئيس المتطور الذى عبر المصريون القناة بواسطته، كوبرى عائم سوفيتي الصنع، مكتوب هنا كل شيء عنه.
  • في أبريل 1972وصلت الشرق الوسط حاملة الجنود المدرعة (GMP1)، وفى شهر يوليو (تموز) أصدرنا عنها كتيبًا. إنها نصف مجنزرة، وأكثر المعدات تطورًا في العالم. وصلت في أبريل وفي يوليو.
  • زعيرا: حصلنا على معلومات غاية في الخطورة عن الأسلحة الكيمائية وكيف سيخترق المصريون الساتر الترابي!

نحن أيضًا تابعنا وعرفنا أن المصريين يتدربون على العبور من جزيرة البلاح

إيلي زعيرا للجنة: لقد تحدثنا عن نشر السواتر الترابية بجوار الماء، وبهذا أجد أنه بين 26 إلى 27 نوفمبر 1971 اكتشفنا في منطقة جزيرة البلاح محاولة لنشر سواتر ترابية بجوار الماء.

لجنة أجرنات: أين تقع جزيرة البلاح؟

زعيرا: قناة السويس كلها عبارة عن قناة واحدة. وتوجد منطقة معينة من القناة يوجد بها قناتين، وهى جنوب القنطرة. وهنا توجد ما يشبه جزيرة نشأت عبر ذراعي قناة السويس. وهذه الجزيرة كانت بصورة دائمة وطول الوقت في حوذة المصريين، وتدربوا على عبور القناة من أرض مصر إلى هذه الجزيرة، وكنا نرى ذلك طول الوقت. لذلك لدينا مراقبة دائمة لكل محاولات العبور.

لجنة أجرنات: هذا يعنى أنهم نشروا السواتر حتى عمق معين؟

زعيرا: لقد بنوا عندهم ساترا، واهتموا بالاقتحام بمساعدة خراطيم المياه.

  • كما وصلت معلومات بأن المصريين يشترون مضخات لشق الساتر الترابي، فأصدرنا كُتيبًا حتى يعرف الجميع كيف سيُنفذ هذا العمل. وقد جاء في الكُتيب أن المصريين اشتروا 350 مضخة تستطيع العمل في وقت واحد لشق 90 منفذًا، وهذا ما حدث تمامًا. حقيقة الأمر لم يكن هناك أي سر.

ثم يُعيد زعيرا عد ما قدمه جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)

  • لقد قدمنا كذلك المعلومات التفصيلية عن الصاروخ سكود مواصفاته، وشكله، وكل البيانات الفنية عن الصاروخ.
  • كما أصدرنا كُتيب عن الغازات الحربية الموجودة لدى المصريين، فقد تلقينا معلومات بأن المصريين يعتزمون تحييد النقاط الحصينة على القناة عن طريق عملية صد كيميائية. فأصدرنا كُتيبًا يوضح الاحتمالات وكيفية الحماية منها.

تعليق

أثناء الإعداد للخطة (جرانيت1) التي بدأ وضعها في 1969 لعبور قناة السويس كانت احتمالات الخطة تشتمل على امكانية استخدام الأسلحة الكيماوية للتغلب على مقاومة النقاط الإسرائيلية على الشاطئ الشرقي للقناة وكانت خطة العمل على الجبهة الشرقية وسوريا مشاركة فيها قد أخذت في اعتبارها احتمال الاحتياج إلى أسلحة كيماوية في المعركة من أجل مرتفعات الجولان.

وفى ذلك الوقت ذهب مسئول المشروع الكيماوي المصري إلى سوريا وقابل الرئيس السوري (حافظ الأسد) وهو وقتها وزير الدفاع أيضًا وبالفعل اشترى الجيش السوري ما قيمته 6 ملايين دولار من أسلحة الحرب الكيماوية من المصانع المصرية.

وعندما وقعت حرب أكتوبر 1973 كان القرار السياسي هو تأجيل استعمال الأسلحة الكيماوية رغم أن أقنعة واقية وزعت على الوحدات العسكرية المصرية. وعندما وقعت الثغرة وبدأ الاختراق الإسرائيلي المضاد يتوسع اقترح بعض القادة المصريين أن الوقت قد حان لاستخدام الأسلحة الكيماوية، ولكن الرئيس (السادات) أعطى أمرًا في كلمتين: (لا تصعيد جديد).

زعيرا: لدينا خطط القتال المصرية والسورية!

الخطة السورية

ولازال زعيرا يكشف الخبايا قائلًا:

في 2 أكتوبر أي قبل أربعة أيام من الحرب وزعنا كُتيبًا يوضح للجميع (الخطة السورية) لاحتلال مرتفعات الجولان، فلم تكن هناك مفاجأة في خطة العمل السورية.

الخطة المصرية

زعيرا للجنة: أريد أن أعطيكم أهم ثلاثة كُتيبات تصف كيف ستحتل مصر الجانب الشرقي للقناة. الكُتيب الأخير أُرسل لرئيسة الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس فرع العمليات وضابط استخبارات المنطقة الجنوبية وقائد فرقة المنطقة الجنوبية كان هذا في 11 أبريل 1972، وهو يصف 97% مما حدث بالضبط.

لم تكن هناك أي مفاجأة في الخطة المصرية، وفى الأداء المصري إلى حد أدق التفاصيل فيما يتعلق بالقوات. ها هي الخطة المصرية (يسلم زعيرا للجنة الخطة المصرية التي في حوزة المخابرات العسكرية) وفق الوحدات وبأرقام الوحدات.

وبوجه عام هناك اختلافان: في عام 1972 لم يكن موجودًا لواء الدبابات 25 والفرقة 21 لم تعبر إلى هنا، ولكن إلى هناك يشير زعيرا للجنة على الخريطة).

  • كما وزعنا كُتيب في مارس 1972 يتضمن الكيفية التي ستعمل بها القوات المصرية المنقولة بالمروحيات، وفى الواقع هذا هو ما حدث في الحرب الأخيرة، وقد وزعنا ذلك على الجميع بدأً من رئيسة الوزراء حتى آخر فرد.
  • كما يوجد كُتيب هنا عن إجمالي مشتريات الأسلحة المصرية من الكتلة الشرقية واستيعابها منذ النصف الأول من عام 1973. كل الأسلحة التي وصلت وكيفية استيعابها بالجيش.

(2) إسرائيل لديها وفرة تصل إلى حد التُخمة في المعلومات!

إن ثاني الملاحظات التي يكتشفها القارئ لتقرير لجنة أجرنات هو أن إسرائيل كانت لديها وفرة تصل إلى حد التُخمة في المعلومات عن الجيوش العربية (مصر وسوريا)، لدرجة أن زعيرا في شهادته أمام لجنة أجرنات يشتكى من تلك الوفرة المعلوماتية!، وذلك يبين من شهادة زعيرا أمام اللجنة في الجلسة الثانية للتحقيق بتاريخ 9 ديسمبر (كانون الثاني) 1973 بقوله:

إنني أريد أن أعطيكم مثالًا عن حجم المادة التي تردنا (يقصد المخابرات العسكرية «أمان» وحدها)، ونقوم بتحليلها، لدينا شعبة نسميها الشعبة السادسة وهي مسئولة عن مصر. هذه الشعبة تلقت لمدة عام أكثر من ربع مليون معلومة أو تقرير، إن مصر مثلًا يصل عنها يوميًا لنا ما متوسطه أكثر من ألف معلومة،  أي في الشهر 30 ألف معلومة، أي في السنة 360 ألف معلومة، ونفس الشيء ويزيد عن سوريا.

(3) إسرائيل لا تمتلك معلومات فقط بل وثائق أيضًا!

وتأتي لقطة كاشفة أخرى في شهادة زعيرا، وهي أن إسرائيل لم يكن لديها معلومات فقط عن الجيوش العربية، بل كانت تمتلك وثائق أيضًا والوثائق صورة من الأصل لـ(محاضر اجتماعات عالية المستوى سياسية وعسكرية للجانب العربي، تقديرات استراتيجية يجريها الجانب العربي، تقارير المخابرات العربية عسكرية أو عامة، خطط عمليات، وأوامر تحركات وغيرها)!.

وذلك يظهر في شهادة زعيرا أمام اللجنة بقوله:

لقد وُزعَت في المنظومة الاستخباراتية لدينا فقط في شهر سبتمبر (أيلول) 1973 (24806) وثيقة ما بين سياسية وعسكرية واقتصادية.

زعيرا يشتكؤ للجنة التحقيق من طوفان المعلومات الذي يصله عن الجانب العربي!

زعيرا للجنة: إننا نبحث كل السبل، الحاسبات وما شابه. لقد زرت أجهزة المخابرات الأجنبية ولم أجد حلًا. قال لي رؤساء المخابرات الفرنسية والأمريكية والإنجليزية أننا نعاني من مشكلة ثراء المعلومات، وأنه من الأفضل أن تكون المشكلة مشكلة ثراء عن أن تكون مشكلة فقر ، من الأفضل أن يكون لدى جهاز الأمن فائض في المادة عن أن يكون هناك نقص في المادة.

تعليق

وهنا يثور سؤال مُلح ومشروع وهو، من المصدر أو المصادر عالية المستوى التي أعطت إسرائيل تلك الوثائق الأصلية والحقيقية؟!

(4) تنوع مصادر المعلومات الإسرائيلية

ثالث الملاحظات التي يكتشفها القارئ لشهادة زعيرا أمام لجنة أجرنات هو أن إسرائيل لديها تنوع في الحصول على المعلومات، وذلك يظهر من حديث زعيرا وشرحه لمصادر معلومات جهاز الاستخبارات العسكرية، ثم حديثه عن تقسيم وهيكل الاستخبارات العسكرية (أمان).

زعيرا يتحدث عن مصادر الحصول على المعلومات

زعيرا للجنة: إن المعلومات تأتينا بالطُرق التالية:

  1. التنصت الإلكتروني
  2. العملاء
  3. من أجهزة استخبارات أجنبية
  4. من الصور الجوية.
  5. من نقاط المراقبة الأرضية.
  6. من الصحف الاذاعات العربية

تقسيم وهيكل سلاح الاستخبارات

زعيرا للجنة: أتولى هذه الوظيفة منذ 1 أكتوبر 1972 وهذه الوظيفة يطلقون عليها رئيس فرع الاستخبارات وتنقسم إلى الوظائف التالية:

أولًا- رئيس أمان هو رئيس فرع الاستخبارات في هيئة الأركان العامة، وعلى هذا الأساس فهو ضابط استخبارات رئيس الأركان (أي أنه عين الجيش) وهو تابع مباشرةً لرئيس الأركان العامة، عكس المخابرات العامة الموساد التي تتبع رئيس الوزراء مباشرةً.

رئيس أمان أيضًا قائد سلاح الاستخبارات، ومن هذا المنطلق فهو أيضًا يتولى القيادة على جميع وحدات الاستخبارات على مستوى قيادات الأركان في جيش الدفاع الإسرائيلي.

مقر الأركان نفسه يتكون من الأقسام التالية:

القسم الأول: هو قسم البحوث الذى يبلغ عدد العاملين فيه 384 شخصًا، وهذا القسم يمثل 7% من القوة البشرية للسلاح.

القسم الثاني: هو قسم التجميع، وهو المسئول عن تجميع المعلومات، وهذا القسم إضافة إلى الوحدات التي تعمل في مجال تجميع المعلومات تضم معًا 3638 شخصًا، يمثلون نسبة 66.5 من إجمالي القوة البشرية.

القسم الثالث: قسم التنظيم والهرم الوظيفي، وهو يضم 187 شخصًا، وهو يمثل 3.5%.

مهام رئيس الاستخبارات العسكرية (أمان)

ثانيًا- مهام رئيس الاستخبارات العسكرية (أمان): إن مجمل مهام أو مسئوليات رئيس فرع الاستخبارات العسكرية تتلخص في الآتي:

أ. البحث، ب. جمع المعلومات، ج. للأمن، د. للعلاقات الخارجية، أي العلاقات مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وهي من الناحية التنظيمية تتبع رئيس أمان، ولو أنها مستقلة مهنيًا.

ثالثًا- وحدات سلاح الاستخبارات العسكرية:

  • الوحدة فك الشفرة ويرمز لها بالوحدة رقم 154 وهي الوحدة التي تعمل على تحليل الصور الجوية، أي أن مهمتها تلقى الصور الجوية من سلاح الطيران وتقوم بتحليلها ونشرها.
  • الوحدة 154، وهي الوحدة التي تقوم بتشغيل عملاء داخل أراضي العدو، أو بمعنى أكثر وضوحًا (جواسيس).
  • الوحدة رقم 269 وهي وحدة عملياتية (حُذف بمعرفة الرقابة العسكرية الإسرائيلية بمقدار أربع كلمات) وسوف أعود للحديث عنها فيما بعد.(حُذف بمعرفة الرقابة العسكرية الإسرائيلية بمقدار 25 كلمة).
  • بالإضافة إلى قاعدة تدريب واسمها الكودى015، ووحدة تسمى (أمن الميدان)، وقسم (الاستخبارات الجوية والاستخبارات البحرية)، و(وحدة البحث والتطوير وهي مسئولة عن تأمين الاتصالات السرية).

الوحدة (046) أكبر وحدة للتنصت وتستحوذ على 85% من ميزانية السلاح

  • أنتقل إلى وحدة المعلومات 046، وهى أكبر وحدة عندنا وتضم ما يقرب من 3400 شخص، وهي أيضًا تستنزف 85% من الميزانية، وهذه هي (حُذف بمعرفة الرقابة العسكرية الإسرائيلية بمقدار121 كلمة) تلك الوحدة تقوم بعمليات التصنت، إن هذه الأمور معقدة ومكلفة جدًا جدًا، وأحد اقتراحاتي لكم، إذا كان لديكم وقت أن تزوروا هذه الوحدة المركزية، وقاعدتها الرئيسة في سيناء.
  • آخر وحدات جمع المعلومات واسمها الوحدة 550 وهي الوحدة التي تتولى جمع المعلومات العلنية، ولكنها مهمة جدًا. أي أنهم يستمعون إلى إذاعات الدول العربية وصحف روسيا والصين، وإذاعات أوروبا، ويشاهدون تلفزيونات تلك الدول (حُذف بمعرفة الرقابة العسكرية الإسرائيلية بمقدار 50 كلمة).

محطة التنصت على القيادة المصرية التي يحاول الإسرائيليون إخفاءها!

إن القارئ لشهادات القيادة السياسية والعسكرية سيجد أن هناك إشارات متقطعة في شهادات المسئولين حول شيء يتم حذف اسمه أو أية كلمة تدُل على طبيعته. إن أعضاء لجنة التحقيق يسألون عدد كبير من المسئولين: هل تم فتح (حُذف بمعرفة الرقابة العسكرية الإسرائيلية) في الفترة السابقة على الهجوم المصري السوري؟ ثم يكررون السؤال على مسئول آخر، وهكذا في سياقات مختلفة.

ولعله يمكن الاستنتاج من ذلك أن هذا الشيء الذى يُفتح هو أنه محطة تنصت عملاقة في أم خُشيب على اتصالات القيادات المصرية.

(5) الحسين بن طلال.. عميل بدرجة ملك!

إن القارئ لتقرير لجنة أجرنات سيجد أن الرقيب العسكري يحاول بكل جهده اخفاء أي معالم لمصادر المعلومات الإسرائيلية وتحديدًا العملاء، مثل أشرف مروان (عميل تسيفكا)، والملك حسين (الشخصية المرموقة).

وفي محضر تقييم الموقف يوم 8 أكتوبر 1973 قالت فيه رئيسة الوزراء جولدا مائير:

لقد أعلن الملك مرتين اليوم أنه أسقط طائرات تابعة لنا. أنا أعتقد أنه يُسقط طائرات بالكلام فقط، لكنه لن يفعل شيئًا، رغم ضغط السادات والأسد عليه، وأنا اتمنى أن يكتفي بالكلام فقط.

تعليق

إن هناك حقائق وشهادات وتفاصيل في حالة الملك حسين لم يعد يمكن لأحد إنكارها أو إغفال النظر عنها.

فعن الحقائق

  • فإن الملك حسين كان عميلًا للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وكان يتقاضى مرتبًا من المخابرات المركزية الأمريكية (مليون دولار) كل عام وذلك أكده الصحافى الأشهر بوب ود ورد فى كتابه الظل Shadow الذي نُشر فى حياة الملك حسين وأقام الكتاب ضجة كُبرى وقتها ولم تقم المخابرات الأمريكية بالنفي، ولا قام الملك نفسه بالإنكار!  
  • وعن الحقائق أيضًا ما رواه بن برادلى وهو أحد أكبر نجوم الصحافة في  «الواشنطن بوست»  ورئيس تحريرها في مذكراته تحت عنوان (حياة جيدة «Agood Life») ابتداء من صفحة 424 ما يلي حرفيًا:

ذات صباح في نوفمبر 1976 جاءنىي بوب ود وارد (أحد أشهر الصحافيين في العالم)، وقال لي: إنه عرف من مصادره أن أحد رؤساء الدول فى الشرق الأوسط موجود باسمه على قائمة المرتبات فىي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقلت له: إن هذه قصة إخبارية مهمة، لكن عليه أن يتقصاها أكثر .

ويستطرد بن برادلي: بعد يومين جاءني بوب يقول لي إنه تأكد أن الملك حسين ملك الأردن هو رئيس الدولة المعنى وأنه يتقاضى مكافأة سنوية (شخصية لا علاقة لها بالمعونات الرسمية للأردن) مقدارها مليون دولار، وقد بدأ دفعها له من سنة1957 ولا تزال مستمرة حتى الآن.

وتمضي الرواية بأن برادلي طلب من بوب تأكيد الخبر من مصدر ثان (لأن الصحافة المحترمة والإعلام المهني لا يكتفي في معلومة مثل تلك بمصدر واحد)، وبالفعل اتصل بوب ب جودى باول المستشار الصحافي للرئيس جيمى كارتر وقتها، وروى له ما لديه وطلب منه تأكيدًا أو نفيًا للخبر.  

وتمضي الرواية بأن مستشار الرئيس للأمن القومى زبجنيو برجنسكى وقتها دعاهم (بن برادلى وبوب) إلى لقاء مع الرئيس كارتر، وقد ذهبوا للقاء وكان فحوى اللقاء كما يلي:

إن الرئيس كارتر قال لنا بدايةً إن الخبر صحيح.
ثم أبدى لنا دهشته من أن وزير الخارجية السابق (هنري كيسنجر) حين جاء إليه يضعه في صورة الحوادث والرجال في الشرق الأوسط مع بداية رئاسته لم يذكر له شيئًا عن هذه الحكاية، ولا ذكرها له جورج بوش (يقصد بوش الأب وكان وقتها رئيس وكالة المخابرات الأمريكية) عندما التقاه أيضًا لنفس الغرض (فكلاهما تعامل معها كأمر عادى وروتينى)!
ثم استطرد كارتر فقال: إنه يريد أن يقول لنا شيئين: الأول أن نشر الواقعة يُضر الأمن القومى لأمريكا. والثاني: أنه أصدر أمرًا بإيقاف دفع المبلغ للملك حسين (وظن كارتر وقتها أن الملك لم يعد يحتاجه الآن لأنه أكبر أغنياء المنطقة اليوم).

وقد رفضت «الواشنطن بوست» نصيحة كارتر ونشرت الواقعة!

وأما عن الشهادات

فقد ورد فى كتاب جواسيس جدعون وهو دراسة موثقة للتاريخ السري للموساد الإسرائيلى لأحد أبرز الخبراء في تاريخ الأجهزة السرية في الغرب وهو جوردون توماس حصرًا بالمنجزات الهامة التي حقهها جهاز الموساد على عهد مديره الأشهر إيسر هاريل، وقد وردت على النحو التالي:

  • إدخال سياسة الاغتيال المنظم لأعداء إسرائيل.
  • إنشاء علاقات حتى بالاختراق مع جهاز المخابرات السوفيتي (KGB)
  • إعطاء أولوية أولى لتنظيم الهجرة السرية ليهود أوروبا الشرقية إلى إسرائيل (قبل أن يُسمح بها رسميًا، قبل أن تتحول إلى نزوح جماعي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي).
  • إتقان فنون استعمال المرأة والجنس والابتزاز في خدمة أعمال المخابرات.
  • (وهنا ما يتصل بالملك حسين) تنظيم اختراق القصر الملكي في عمان والدوائر المحيطة به، لكن هذه المحاولة توقفت فيما بعد عندما أصبح الحاكم الهاشمي مسئولًا رئيسيًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في المنطقة.

(وذلك هو نص العبارة التي استخدمها إيسر هاريل رئيس الموساد السابق فيما تحدث به إلى مؤلف كتاب جواسيس جدعون ، ويمكن منها استنتاج أنه في الفترة الأولى من حكم الملك حسين أي ما بين توليه العرش (1952) عقب اغتيال جده الملك عبد الله وما بين صلته المنظمة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (1957) لم تكن هناك اتصالات على مستوى نشط ومتواصل بين القصر الملكي على سفح جبل عمان وبين قيادة الموساد في شارع الملك شاؤول بتل أبيب. وكان ذلك التعثُر إلى درجة الانقطاع أحيانًا هو الداعي إلى محاولات إيسر هاريل لاختراق القصر الملكي.

فلما وقع سنة 1957 إنشاء وترتيب العلاقات بين القصر الملكي على جبل عمان وبين مقر المخابرات المركزية الأمريكية في ضاحية لانجلى بالقرب من واشنطن توقفت محاولات الموساد لاختراق محيط الملك حسين وصولًا إليه لأن نظرية الآوانى المستطرقة راحت تؤدي دورها بكفاءة)

وفي باب التفاصيل

فإن الملك حسين لم يكتف بالكلام فقط عن اسقاطه الطائرات في الهواء كما قالت جولدا مائير، ولكنه كان يمارس دورًا هامًا وكبيرًا لمصلحة إسرائيل، و جولدا مائير أول العارفين لأنها هي التي أوكلت لها مهمة مد الجسور مع الملك حسين، كما أنها هي من قابلت جده الملك عبد الله في أوج حرب 1948، وللتسجيل فقط، فقد حضر الملك حسين مؤتمر القمة العربية في الإسكندرية سنة 1964 ثم غادر لباريس في زيارة عمل قصيرة ليلتقى فيها مسئولين فرنسيين، لكن الملك في حقيقة الأمر كان على موعد مع وزيرة الخارجية وقتها جولدا مائير !

وبشهادة الملك حسين وهي مسجلة بصوته أمام الدكتور آفى شلايم ، فإن الملك تحدث عن لقائه بمائير قائلًا:

لقد كان اجتماعًا طيبًا. وبحق فإنه اجتماع كسرنا فيه كل الثلوج حتى يعرف بعضنا البعض عن قُرب، ولقد تحدثنا عن أحلامنا وآمالنا أن نرى أبناءنا وأحفادنا يعيشون في الاقليم عهدًا من السلام. وقد قُلت لها أننى واثق أنه سوف يجيء يوم نُلقي فيه جميعًا أسلحتنا ونصنع تمثالًا للسلام نُقيمه في القدس ليُعبر عن رفضنا لصراع عقيم

اتفاقيات أمنية بين الملك وإسرائيل!

ولم يقل الملك أكثر من ذلك، ولكن الوثائق الإسرائيلية تُظهر أن هذا الاجتماع مع جولدا مائير كان بداية لاتفاقيات تعاون بين المخابرات المدنية والعسكرية في البلدين، تضمن ضمن تعهدات أخرى – أن تتولى المخابرات الإسرائيلية متابعة أعداء الملك داخل المملكة وخارجها، وإبلاغه بما لديها من معلومات تمس أمنه وأمن العرش الهاشمي في عمان!

وتُشير وثيقة أخرى إلى أن الملك حسين في ذلك الاجتماع مع جولدا مائير طلب سلاحًا من إسرائيل، وحين سألته مائير عما إذا لم يكن ما تعطيه له الولايات المتحدة، وآخره كان صفقة دبابات (وقتها)، يكفي؟

وكان رد الملك حسين بما مؤداه أن الاتفاق العسكري الذي حصلت به مملكته على 80 دبابة أمريكية يرافقه تعهد مكتوب منه شخصيًا، بأن الحكومة الأردنية لا يحق لها استعمال هذه الدبابات في الضفة الغربية!

عودة من جديد للسياق

ويتصل بذلك ما ورد في المذكرة النهائية التي قدمها الجنرال إيلي زعيرا رئيس المخابرات العسكرية (أمان) في السنوات من 1969 وحتى سنة 1973 إلى الكنيست الإسرائيلي في رده على تقرير لجنة أجرنات الذى أدانه هو وكل القادة العسكريين وبرأ القيادة السياسية من تهمة التقصير، مما اعتبره زعيرا نفاقًا واضحًا من اللجنة للقيادة السياسية، وكتب ردًا على تقرير اللجنة في مذكرة، المهم أنه في تلك المذكرة ورد في صفحة 136 من الترجمة العربية لهذه المذكرة الضافية ما يلي:

لسنوات طويلة كُنا نعقد بين الحين والحين اجتماعات منتظمة مع شخص رفيع المستوى وذي مكانة محترمة في منطقتنا، وسوف اسميه هنا (الرجل المرموق)، وفي الحقيقة فإنه لم يكن يعطينا معلومات بالمعنى المعروف بالكلمة، ولكنه بسبب مكانته الرفيعة كان مصدرًا مستمرًا لمتابعة التوجهات والنوايا على المستويين السياسي والأمني، وكانت ثقتنا فيه عالية بسبب مكانته الرفيعة، وكان في مقدورنا عن طريقه أن نفهم ما يجرى في العالم العربي، ومع أن الجنرال إيلي زعيرا أخفى اسم المصدر العربي الرفيع المستوى، فإن الرجل بعد ذلك عاد على صفحتي 140و144 وقام بتسميته صراحةً بصفته وشخصه بأنه الملك حسين!

وكان ذلك ردًا على شهادة السيدة جولدا مائير أمام لجنة أجرنات بخصوص لقاءتها مع ملك الأردن وقبل أيام من حرب أكتوبر.

وكان هذا اللقاء بين الملك حسين ومائير قبل أيام من حرب أكتوبر 1973 موضع أخذ ورد في تحقيقات لجنة أجرنات وداعية اتهام مائير بأنها لم تأخذ جدًا بدرجة كافية تحذيرات الملك حسين عن استعداد مصر وسوريا لشن حرب على إسرائيل في ظرف أسابيع، ولو أنها أخذتها جدًا لما كانت مفاجأة قيام حرب ظهر يوم 6 أكتوبر 1973.

وفيما أورده الجنرال زعيرا فإن عددًا محدودًا من صُناع القرار في إسرائيل (مثل رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان ومدير المخابرات العسكرية (أمان) ومدير المخابرات العامة (الموساد) وحتى آخر يوم في حياة الملك حسين كانوا يعقدون جلسات منتظمة مع الملك حسين تتم في أماكن مؤمنة ومختارة على جانبي الحدود، وفيها يسمعون من الملك حسين تقييمًا عامًا لرؤيته للأحوال، ثم يقومون بعد ذلك بتوجيه أسئلة محددة إليه، وكان الملك يُجيب! (معتبرًا أن ذلك داخل في نطاق التنسيق الأمني المتفق عليه مع إسرائيل!).

لقد انتهت الصفحات المخصصة لذلك المقال، ولعلها امتلأت وفاضت، ولم تنته بعد الحقائق المزعجة التي في تقرير أجرنات، وما زالت الوثائق تكشف المسكوت عنه وتفضح المخفي منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s