هذا السؤال ينبغي أن يتعرض للتفكيك، فإذا كان المقصود عروبة الأرض فهذا خطأٌ محضٌ ودعوى تاريخية زائفة تسببت فيها الحركة القومية العروبية الاستئصالية التي اضطهدت كل من وما ليس بعربي سواء في بلاد الشام أو مصر وهنا في شمال أفريقيا، ونحن نعرف جيدا الجرائم التي أحدثتها الأنظمة العروبية منذ ثورة الخائن الشريف الحسين 1916 وكيف حاربت المكوناتِ العرقيةَ في خريطة ما بعد الحكم العثماني، فالقوميون العرب مثلهم مثل أي حزب قومي في أوروبا وأمريكا والشرق الأقصى وتركيا، فيهم المتطرفون وهم الغالبية الذين ينكرون كل ما لا ينتمي لعرقيتهم ويطمسونه أو يحاولون تزييفه وإلحاقه بهم وفيهم كذلك المعتدلون، إذن: في زمن الاحتلال الفرنسي وقبله أيام الحكم العثماني لم يزعم أحد أن الجزائر أرض عربية ولا ادعى المؤرخون الإسلاميون عروبة شمال أفريقيا مطلقًا، بل يتفق الجميع أن هذه أرض البربر وبلاد الأمازيغ وإن كان هذا المصطلح أعني مصطلح «الأمازيغ» مستحدثًا ليشمل الشعوب الأصلية لشمال أفريقيا بمن فيهم الليبيون ومواطنو نوميديا وموريطانيا والطوارق في عمق الصحراء الكبرى، فأمازيغية الأرض الجزائرية هي حقيقة تاريخية تمامًا مثل كون أرض الحجاز ونجد وتهامة واليمن أراضي عربية بالأصالة، ومثل كون مصر أرضًا قبطية فرعونية، فمن يساوي بين الجزائر والحجاز ليس إلا جاهلًا بقراءة التاريخ أو متعصبًا للفكر القومي التعيس.

إذن: أنت تقول إن الجزائر ليست عربية؟ هنا ننتقل إلى المستوى الثاني من تفكيك العبارة المذكورة آنفًا في بداية مقالي، وهو المستوى اللغوي وهذا المستوى يخضع كذلك إلى النظر العلمي بعيدًا عن الأحكام الذاتية والاستباقية، فبالنظر إلى اللغة التي يستعملها الجزائريون في معاملاتهم اليومية سنجد أنها مثلها مثل أي لهجة عربية تعرضت للتحريف والاحتكاك اللغوي والاقتراض وسائر الظواهر اللسانية التي تمس غالب اللغات البشرية، خاصة تلك التي تنتقل عبر الهجرات الكبرى أو الحروب، فاللهجة الجزائرية الغالبة هي لهجة عربية ومستوى عروبتها يختلف من منطقة إلى أخرى، فاللهجة السوفية والنايلية أكثر عروبة من اللهجة البليدية والجيجلية والتلمسانية، واللهجة العاصمية أكثر اختلاطًا من اللهجات الأخرى، وعناصر التأثر اللساني متعددة يمكن أن أذكر منها: الاقتراض من اللسان البربري واللسان التركي والفرنسي والإسباني وغيرها من الألسنة (اللغات)، كما أذكر تأثير لهجات القبائل العربية القديمة التي جاءت مع الفتوحات الأولى، وهي قبائل تمتلك لهجات عربية متنوعة ويظهر ذلك في نغمات الإمالة في الشرق الجزائري وحذف الهمزات في الوسط وغيرها، ولكن حين نقول إن اللهجة الجزائرية لهجة عربية، فنحن نقصد الاستعمال الغالب الذي توسع وحافظ على هيمنته بسبب ارتباط السكان بالديانة الإسلامية، ثم بسبب النظام القومي الذي سيطر على البلاد بعد الخروج العسكري للاحتلال الفرنسي، أما اللسان الأصلي للسكان الأصليين فهو البربري وهو لسان واسع وقديم ومتعدد اللهجات بين القبائل البربرية في أقصى الجنوب ووسط الجنوب والجنوب الغربي والشرق بما في ذلك شرق الهضاب وشرق العاصمة.

وهنا يمكنني القول تفسيرًا آخر لضمور هذه اللغة الأصلية: إن اللسان البربري مثل فقه الليث بن سعد فرَّطَ فيه أبناؤه كما فرَّط تلاميذ الليث بن سعد المصري في كتاباته وآرائه الفقهية، فلم يذكر التاريخ أن حاكما من نوميديا أو موريتانيا عمل على تطوير اللغة البربرية أو أمر الشعراء والفلاسفة بإصدار أعمالهم الأدبية والفكرية بهذه اللغة، إذ إن المخطوطات التي كتبتها شخصيات أمازيغية وصلت إلينا غالبا باللسان اللاتيني أو الإغريقي أو الفينيقي، وهنا أستحضر مؤلفات الفيلسوف الجزائري والأديب الشهير أفولاي أو أبوليوس التي لم نجدها مكتوبة إلا باللغة اللاتينية ويبدو واضحًا أن التأليف الأصلي لها كان فعلا باللاتينية وليس بالبربرية ثم جرت ترجمتها إلى لغات أخرى، وقد كان أفولاي يفتخر بإتقانه اللغات الشهيرة آنذاك وهي البونيو الفينيقية واللاتينية والإغريقية اليونانية ذكر ذلك في كتابه الرائع «مرافعة صبراتة».

وهنا السؤال الذي يستمر بالحضور لأنه يمثل جوهر المتاهة الأمازيغية: لماذا يظل المثقفون الأمازيغ في وقتنا هذا مُعرِضين عن تنمية هذه اللغة إعراضًا عمليًا مفضوحًا ومتكامل الأركان؟ ولماذا يصمتون عن التوظيف السياسي الساقط للغة والثقافة الأمازيغية الأصيلة؟ أنا أدرك أنها مسألة عاطفية وأن كل من يرفع صوته للدفاع عن الأمازيغية يكسب تعاطفا وميولا شِعرية من أصحاب القضية، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا مطية لجماعات الضغط السياسي (اللوبيات) داخل الجزائر وخارجها، بل يجب أن يكون التعاطف مصبوبًا لإثراء اللغة بالنصوص والكتابات العلمية والفكرية والأدبية، وقد يكون نصٌّ إبداعي واحدٌ أشد نفعا للغة من آلاف الدساتير التي يكتبها أناس من خارج الحضارة ومن خارج الفكر، بل نخشى أن يكون بداية لنهاية هذا العنصر الثقافي الأصيل كما هو الحال مع المواد الدستورية الثابتة في عالمنا الرابع المتخلف، إذ غالبًا ما تكون نهاية المادة الصماء في الدستور هو أن تبقى مجمدة في أوراق الدستور حتى تموت، واللغة الحية على أصحابها أن لا يقتلوها بالدساتير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد