في يوم 22 فبراير (فيفري) 2020 الفائت مرت سنة على بداية الحراك الشعبي في الجزائر، والذي انتفض ضد العهدة الخامسة وللمطالبة بتغيير النظام، واليوم نقف بعد سنة من هذا اليوم لنقدم حصادًا لما تحقق وما لم يتحقق.

الإنجازات

بداية، لا بد من الإشارة إلى أن الحالة الجزائرية هي حالة استثنائية في المنطقة العربية، سواء بين دول الربيع العربي في 2011، أو الموجة الثانية من الحراك في الدول العربية، وأقصد هنا السودان ولبنان والعراق، ويتمثل الاستثناء في سلمية المظاهرات والاحتجاجات التي يقوم بها الشعب كل جمعة، أو الطلبة كل ثلاثاء، ولم تسقط قطرة دم، وهذا يعتبر في حد ذاته قوة ونقطة إيجابية تؤكد على وعي الشعب بسلمية الحراك وقوة تلاحم الشعب ضد أي اختراق يدعو إلى العنف، وهذا يعود لأسباب عديدة أهمها التجربة التي مرت بها الجزائر وعدم تكرارها والفوضى التي تعيشها بعض الدول العربية والتي لا تريد الجزائر أن تعيشها.

ثانيًا: نجد أن أهم نقطة هي استمرارية الحراك إلى يومنا هذا، وهذا يدل على أن الحراك هو الوعاء الوطني للتعبير بطريقة بسيطة في ظل انتظام الحراك الشعبي في مؤسسات مجتمع مدني أو أحزاب سياسية وتمثيله سياسيًا واجتماعيًا بهدف تعزيز التغيير.

النقطة الثالثة والأهم هي دعم الجيش للحراك الشعبي منذ بدايته، وهذا يؤكد ضمان المؤسسة العسكرية للمطالب الشعبية، حتى وإن رفض البعض دور الجيش في المشهد السياسي، إلا أن الكثير يعتبر وجود المؤسسة العسكرية أمرًا أساسيًّا، ونؤكد هنا استثنائية التجربة الجزائرية، فقد لعب الجيش دورًا نحو عدم الفراغ ودعم الخيارات المدنية، مما يطرح مقاربات جديدة في العلاقات المدنية العسكرية في الأنظمة السياسية، خاصة أن النظام السابق لم يترك واجهة يمكن التواصل معها في ظل فساد الجميع.

النقطة الرابعة والأساسية، هي إجراء انتخابات رئاسية، حتى باختلاف الآراء حول من يراها ضرورية ومن يراها ليس وقتها، إلا أن إجراء الانتخابات وبمشاركة كانت متوقعة في حدود ما صرح به، إلا أنها استحقاق جاء ليقف ضد الفراغ الدستوري وعدم إطالة إبقاء المؤسسة العسكرية في واجهة السلطة واتخاذ القرار، خاصة مع التحديات الأمنية والإقليمية والاقتصادية التي تفرض وجود آلية لاستقرار البلاد.

النقطة الخامسة هي الكشف عن عمق الفساد السياسي والمالي والإداري الذي عانت منه الجزائر خلال العشرين سنة الماضية، وأيضًا إبراز جزء من آليات الكشف عن طريقة تسيير المؤسسات السياسية والرسمية في الجزائر، خاصة خلال مرض الرئيس السابق، وهذا بإلقاء القبض على وجوه عديدة في النظام السابق، وطبعًا هذا مكسب لأن المواطن الجزائري لم يكن يتصور يوما أنه سيرى وجوه النظام السياسي هم المتهمون ويتم توقيفهم، فالحراك دفع لتبيان ارقام مخيفة حول الفساد في الجزائر ومسارات نهب المال العام.

النقطة السادسة هي محاكمة وجوه النظام السياسي على المباشر، وهذا سمح للمواطنين بالاطلاع على ما يجري، وما هي التصريحات التي يقولها كل مسؤول؟ وبالتالي اجراء الأمور في شفافية من خلال مسارات المحاكمة، وهذا يحسب للحراك الشعبي الذي طالب باستقلالية القضاء ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، وهنا يجب وضع أسس لتحقيق سلطة قضائية نظيفة ونزيهة.

النقطة السابعة هي تعديل الدستور، وهنا يجب القول بأن البعض يرى أن مسالة تعديل الدستور استجابة لمطالب الشعب بمراجعة الدستور ووضع أسس لتأسيس جمهورية جديدة، إلا أن البعض يرى بأن تعديل الدستور لا يجب أن يكون بيد مختصين، بل يجب أخذ اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية للجزائر، بما يحقق تأسيس ديمقراطية تشاركية تراعي خصوصية المجتمع الجزائري ويحقق قابلية وقبولًا واسعًا لدى المجتمع الجزائري والطبقة السياسية.

النقطة الثامنة هي الأهم وهي كسر حاجز الخوف لدى المواطن الجزائري، الذي كان يضع حسابات أمنية وسياسية لما يقوله، إلا أن الحراك الشعبي فتح الباب للتعبير عن الرأي إلى حد كبير مما يعزز الممارسة الديمقراطية والمواطنة بمنظورها الإيجابي.

النقطة التاسعة هي تحرر السياسة الخارجية الجزائرية من قبضة الرئيس السابق وهيمنة مؤسسة الجمهورية، وبالتالي تعزيز دور جهاز بيروقراطي، ألا وهو وزارة الخارجية، بما يتماشى مع مكانة الجزائر وطموحاتها وتفعيل دورها الذي تراجع بشكل كبير في السبع سنوات الماضية، خاصة مع القضية الليبية ومنطقة الساحل الأفريقي.

أما من ناحية الإخفاقات فيمكن أن نركزها في ما يلي:

أولًا: يعتقد كثيرون أن الحراك الشعبي لم يستطع أن يقدم من يمثله أو أن وجود تضارب في هيكلته هو أمر سلبي لأنه يبين تباين الآراء واختلاف وجهات النظر حول كيفية التمثيل وهيكلة الحراك، وهنا يبين هذا التخبط قسم العديد من الجهات التي كانت تعمل ضمن نسق واحد.

ثانيًا: انقسام الحراك، ويرى الكثيرون أن هذا الانقسام بدأ عندما بدأ الحديث عن الهوية والرايات غير الوطنية، فقد بدأت عملية الانقسام شعبيًا ما بين مع وضد وتحول النقاش من القضايا الأساسية إلى قضايا تتعلق بالهوية، مما أدخل الحراك في جدل هو في غنى عنه.

ثالثًا: بداية السب الذي طال المؤسسة العسكرية، وهذا أدى إلى رفض الكثيرين لهذه الشعارات التي تراها بأنها تمس بأهم مؤسسة عسكرية في البلاد، والمنفذ الوحيد لمحاورة السلطة، وأنه الضامن للأمن العام للبلاد، وبالتالي من الخطأ الدخول في صراع مع هذه المؤسسة بما يجعلها عدوًا في حين يحتاج الشعب لكل الأطراف المؤسسات لتحقيق الأهداف الشعبية، وهنا بدأت تتخلخل البنية الشعبية للحراك.

رابعًا: الاعتقالات وبروز نقاش: من هم سجناء الرأي؟ ومن الذين يشكلون خطرًا على الأمة من خلال البيانات الخطيرة؟، وهنا وقع أيضًا جدل ما بين أطراف عديدة حول مصداقية القضاء وغياب المعلومة رغم إنصاف القضاء للعديد من نشطاء الحراك وتبرئتهم.

خامسًا: من الناحية الإعلامية نجد أن الاعلام التقليدي أصبح أكثر حصرًا، أي انتقل من نقل الأحداث بيومياتها، وبدأ يغيب الحديث الصريح، مما فتح المجال للإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي لجعلها فضاءً للنقاش وبث الأخبار المغلوطة وتغطية المطالب بأطراف أخرى مما خلق فوضى إعلامية بمفهومها الجديد.

سادسًا: لم تكن القرارات التي جاءت بعد تعيين حكومة جديدة تتطلع لطموحات الحراك الشعبي، خاصة التنمية والمحاسبة واسترجاع الأموال، وبالتالي تحسين الحياة العامة للمواطن والإبقاء على نفس الآليات، خاصة في ما يتعلق بآليات بناء اقتصاد وطني خارج المحروقات والعودة لطرح نقاش الغاز الصخري، الذي أخذ نصيبًا في النظام السابق، وعودة الحديث وطرحه هذه المرة يبعث على ضرورة مراجعة الآليات، وبالتالي يشعر المواطن أن الأوضاع لن تتغير في الوقت القريب.

من خلال ما سبق أردنا تقديم تصور عام حول تقييم ما وقع خلال سنة، ولتعزيز التغير الفعلي يمكن أن نقترح ما يلي:

ضرورة العمل الإيجابي من خلال تغيير أساليب التسيير، خاصة في الأزمات الاقتصادية، ووضع خطط عملية وعلمية لتحقيق قفزة في التنمية من خلال التركيز على التنمية الفعلية والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز التعليم وإعادة مراجعة المنظومة التعليمية والتكوينية واحتياجات السوق الاقتصادية.

الانفتاح السياسي على مختلف القوى الوطنية وتفعيل المبادرات الفعلية للتغيير، بدلًا من الحديث في حوار شكلي، قد يحقق ما يمكن أن تتطلع له الجزائر ككل.

على الحراك الشعبي أن يساهم في هيكلة نفسه والانخراط في الأداء والفعل السياسي، فيجب المشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية والمحلية من أجل تحقيق التغيير الحقيقي على مستوى الواقع.

يبقى الحراك أحد ثمار التغيير في المجتمع الجزائري بإيجابياته أو إخفاقاته، إلا إنه أمر مكّننا من التغيير وإسقاط النظام ومحاسبة رموزه، ونحن في انتظار تحقيق الأكثر، فإن الأمر يتطلب الوعي والعمل والمشاركة الوطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد