للأسف بعض المساجد في النرويج دورها محدود في التوعية.. وأيضًا بعض القائمين على إدارة المساجد غير مؤهلين علميًا لتولي شئون الخطابة وتعليم أمور الدين بشكل صحيح.. بعض المساجد تنتهج أسلوب التخويف من عذاب الله لمن يقع في بعض المعاصي ونادرًا ما تتم الإشارة إلى المشاكل الحقيقة والتحديات في مجتمع مختلف جدًا عن مجتمعنا العربي.

تفتقد بعض المساجد في النرويج الرؤية والدور التوعوي للأسر والأجيال الصاعدة وإبراز التجارب الناجحة للاندماج في المجتمع النرويجي بشكل راق وفعال، وتقديم نموذج منفتح على الآخر مع الاحتفاظ بالهوية.. وعدم البحث عن انتصارات وهمية للدين الإسلامي، مثل رفض فتاة محجبة السلام على ولي عهد النرويج، أو الشاب الذي تشاجر مع أعضاء حركة (سيان) العنصرية أثناء محاولة الحركة حرق القرآن الكريم.

ربما دور المسجد مهم أيضًا في إعادة الثقة التي فقدها بعض المهاجرين العرب في بعض مساجد النرويج بسبب تداول البعض إشاعات عن فساد القائمين على رعاية تلك المساجد واستغلال الأموال والتبرعات لمصالح شخصية.

تفتقد الجالية العربية والمسلمين بشكل عام وجود حلول وفتاوي تناسب المسلمين في النرويج، مثل عدد ساعات الصيام في رمضان والعمل في مطاعم وفنادق تبيع لحوم الخنزير والخمور.. فهل من الأفضل للشخص المسلم الاعتماد على المساعدات التي تقدم من الحكومة النرويجية مع العلم أن الحكومة تقوم بتحصيل الضرائب من تلك المطاعم والفنادق والبارات وغيرها؟ أم أنه من الأفضل العمل والحصول على راتب من تلك الأماكن؟

في رأيي أن علماء الدين في أوروبا يجب أن يقدموا رؤى وفهمًا عصريًا للدين يناسب الزمان والمكان وعدم التقيد بتفسيرات، وفهم قديم للدين يرجع لأكثر من ألف سنة مضت مع الحفاظ على الثوابت، وما هو معلوم من الدين بالضرورة.

تحد آخر يواجه المساجد في النرويج، ألا وهو لجوء بعض الشباب إلى التشدد.. والانعزال عن المجتمع النرويجي.. فأحيانًا بسبب ارتكاب بعض الشباب معاصي تخالف الدين الإسلامي والشعور بالذنب جراء ذلك.. يلجأ البعض بالانخراط الخاطئ والسريع في الدين لمحاولة التخلص من هذا الشعور.. أعتقد أن المسجد والإعلام العربي في النرويج هما حائطا الصد الأول لتوعية الشباب بشكل فعال لتجنب الوقوع في فخ التشدد والتعصب.

في بعض الأحيان يقوم الإعلام النرويجي بالتركيز على بعض التصرفات الخاطئة التي يقوم بها أحد المهاجرين في النرويج.. بعض أحزاب اليمين تستغل تلك الأفعال للترويج لأفكارها المعادية للمهاجرين في محاولة للتأثير على الناخب النرويجي والحصول على مزيد من الأصوات التي تؤثر في بعض الناخبين وتنساق وراء هذا النوع من الخطاب العدائي.

أبسط وأشهر مثال على ذلك هي وزيرة الهجرة السابقة سولفي ليستهوج التي تنتمي للحزب الليبرالي التقدمي «FrP» فقد وجهت كثير من الانتقادات للمهاجرين والمسلمين بشكل خاص وطالبتهم بأكل لحم الخنزير وشرب النبيذ ووصفت أبناء المهاجرين بأنهم.. أكثر إجرامًا من آبائهم.. ربما لا تدرى أو ربما تدري هي وحزبها أن مثل هذة التصريحات تعتبر داعمة جدًا للحركات المتطرفة في الوطن العربي فتلك الحركات المتطرفة تستخدم تلك التصريحات كمثال لعداء الغرب للإسلام والمسلمين وتؤثر تلك الحركات المتطرفة على بعض الشباب العربي عن طريق إثارة الغيرة على الدين، وأن الحل الوحيد لإعادة عزة المسلمين هو الجهاد ضد الكفار في العالم الغربي حسب وجهة نظرهم.

تصريحات وزيرة الهجرة السابقة وحزبها لا تدعم فقط المتطرفين في الدول الإسلامية ولكن تدعم أيضًا أفكار بعض الحركات العنصرية والمعادية لتواجد المسلمين والمهاجرين داخل النرويج.. مثل حركة (سيان) التي تتظاهر أحيانًا في النرويج للتنبيه من خطر (أسلمة النرويج) وأقدمت هذه الحركة على حرق نسخة من القرآن الكريم في مدينة كريستيان ساند جنوب النرويج.. ووصف زعيم (سيان) لارسن تورسن بأن المسلمين مفترسو جنس سيئو السمعة.. ويغتصبون النساء بنسب تشبه انتشار الوباء.. تواجه هذه الحركة معارضة شديدة جدًا في المجتمع النرويجي، ويصفهم البعض بأنهم عنصريون.. وقد تم تغريم تورسن بدفع غرامة 20 ألف كرونة والسجن 30 يومًا.

يبرز دور الإعلام العربي المتمثل في صفحات «فيسبوك» ويتابعها معظم المهاجرين العرب في التوعية وخدمة الجالية العربية في مجالات عدة.. خصوصًا من خلال الاستشارات والأسئلة التي تطرح وإجاباتها وإعطاء معلومات تسهل قراءتها باللغة العربية.

على الجانب الآخر يتم نشر معلومات قد لا تساعد كثيرًا المهاجرين العرب.. فعلى سبيل المثال تم توجيه كثير من المسلمين والمهاجرين للتواجد في مظاهرة مضادة لحركة (سيان) في نفس توقيت وتواجد هذه الحركة العنصرية.. وغالبًا ما تتحول هذه المظاهرات إلى أعمال عنف تضر بصورة المهاجرين كثيرًا، وتعطي انطباعًا سيئًا عنهم، وأن المهاجرين يلجأون دائمًا للعنف لحل مشاكلهم وتسجيل اعتراضهم.

فى رأيي أعتقد أن التعامل مع هذه الحركات العنصرية يجب أن يتم بشكل أذكى، وألا ننساق وراء فخ العنف الذي يحاولون إيقاع المهاجرين فيه؛ مما يدعم ويرسخ تلك الصوره الذهنية عن عنف المهاجرين والمسلمين عمومًا.. فيكفي شراء بعض الورود وطباعة بعض المطبوعات وإعطاءها للأشخاص المتواجدين في المظاهرة أو المارين من أمامها لتوضيح الحقائق من وجهه نظر المسلمين والمهاجرين بشكل حضاري وراق.

على الجانب الآخر يستغل بعض الذين يطلقون على أنفسهم إعلاميين عرب.. بعض المهاجرين الجدد في أعمال إعلامية يطلقون عليها أعمالًا وثائقية بهدف إنساني، لكنها في الحقيقة.. هي أعمال تهدف إلى خدمة اغراض الأنظمة الديكتاتورية في الدول العربية بشكل غير مباشر على سبيل المثال اختيار بعض المهاجرين كنموذج يقدمونه في أعمالهم على أنهم يعانون من أحوال اجتماعية واقتصادية سيئة في النرويج، وأنهم غير سعداء في النرويج.. مع العلم أن هؤلاء المهاجرين يعيشون حياة أفضل مئات المرات عن مستوى معيشتهم في بلدهم الأم.

هذه الأعمال تنتج في النرويج وتعرض في البلاد العربية لتقديمها بشكل غير مباشر كنموذج للشعوب العربية المقهورة على أن المهاجرين في أوروبا يعيشون معاناة حقيقة.. وأنه يجب تجنب مصير هؤلاء المهاجرين الذين دمروا بلادهم، وأن ترضخ الشعوب لأنظمة الحكم القمعية.. وأننا كشعوب يجب أن نسكت ونرضى ونحمد الرب أننا نعيش في بلادنا حياة أفضل من هؤلاء اللاجئين في النرويج وغيرها.

تدور بعض الأحاديث وتم نشر الأخبار في بعض الصحف الموثوقة عن تعامل بعض هؤلاء مع أجهزة مخابرات في وطننا العربي، وكذلك يتم استقبال بعضهم في بعض المهرجانات التي تقام في بلادنا العربية على أنهم مبدعون وموهوبون.

يقدم (المجتمع النرويجي) دعمًا كبيرًا لهذه الأعمال.. تشجيعًا للمبدعين والموهوبين.. دون نظر أو فهم للهدف الحقيقي وراء تلك الأعمال التي ربما يقوم منتجوها بوصفها على أنها إحدى الطرق لإقناع البعض في الدول العربية بعدم الهجرة إلى أوروبا والنرويج خصوصًا.

يتجاهلون دائمًا في أعمالهم أن الحلول لمنع الهجرة من البلاد العربية تتمثل في إزاحة تلك الأنظمة الديكتاتورية ونشر الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة واستثمار الموارد البشرية والاقتصادية في تنمية تلك البلدان وإنهاء سيطرة الأنظمة العسكرية على اقتصاديات تلك الدول واستخدامها لمصالحهم الشخصية.. يتجاهلون دعم بعض دول أوروبا وأمريكا هذه الأنظمة بالسلاح والسكوت عن انتهاكات تلك الأنظمة لحقوق الإنسان.. فالبعض يستغل إبداعه وموهبته لوضع.. السم في العسل.

على حد علمي لا توجد برامج لدعم المواهب الحقيقة لدى المهاجرين الجدد، أو على الأقل في المدينة التي أعيش بها في شرق النرويج.. يتم التركيز فقط على برامج تعليم اللغة النرويجية وتجهيز المهاجرين لسوق العمل.. دون النظر إلى المواهب التي قد يتمتع بها بعض المهاجرين أو طرق تنميتها والاستفادة بها في المجتمع النرويجي.. أحيانًا بسبب انشغال المهاجر بالتعليم والبحث عن عمل يفقد الكثير من الحافز الشخصي لممارسة موهبته وتحقيق ذاته وممارسة الشييء الذي يحبه وقد ينجح فيه إذا وجد الاهتمام والرعاية.

على الرغم من نجاح البعض في الحصول على وظائف فقد يواجه البعض صعوبة كبيرة في ذلك لعدد من العوامل منها عامل اللغة أو عدم وجود شبكة علاقات في المجتمع النرويجي.. يلجأ بعض المهاجرين إلى تغيير أسمائهم العربية إلى أخرى نرويجية من أجل فقط محاولة الحصول على مقابلة مع أصحاب العمل.

فبعض الشركات في النرويج تقوم باستبعاد السيرة الذاتية بمجرد معرفتهم أن الشخص ذو خلفية مهاجرة. قد يكون تغيير الاسم حرية شخصية بالكامل، لكن من وجهه نظرى أننا يجب أن نحافظ ونفخر بأصولنا المهاجرة مهما قابلتنا المصاعب.. لا يجب أن نفكر في الحاضر فقط، بل في المستقبل أيضًا، ومحاولة عدم إرباك الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين في تحديد هويتهم ومرجعيتهم الثقافية.

ينجح الكثير من المهاجرين العرب في المجتمع النرويجي ويعكسون وجها مشرقًا وإيجابيًا لصورة المهاجرين الذين أثبتوا ان البعض يستطيع أن يستغل الدعم والفرص المتاحة بشكل جيد جدًا.. البعض تعلم اللغة النرويجية بشكل سريع وهناك المهندسون.. والأطباء.. والمدرسون.. وأصحاب الحرف المهرة.. وغير ذلك.. استطاعوا النجاح بشكل مبهر، وأحيانًا بشكل يتفوقون فيه على أولاد البلد الأصليين.

من التفاصيل يولد العظماء.. إن الطريقة التي نعيش بها.. الهدف الذي نحيا ونناضل من أجله.. أهم من أي أثر منفرد نتركه من بعدنا.. إن الوسائل التي نسلكها هي التي تضيف إلينا أو تخصم من أخلاقية الهدف الذي نسعى إليه والقضية التي نمثلها جميعًا كمهاجرين في المجتمع النرويجي. إن انهيار الإنسان يبدأ من داخله ومن صلابة إرادته.. بهذه الإرادة يستطيع المهاجر أن يتحمل جبالًا فوق رأسه.. وبدون إرادة الخير والعطاء يتساوى مع القطيع حوله.. إن السقوط هو امتحان.. والخوف والسكوت لا علاج له.. يجب على أحدنا أن يتحدث ويعبر عن مشاكلنا وتحدياتنا.. يجب أن يدفع في سبيل ذلك الثمن إذا كان هناك ثمن لابد عن دفعه.

لا يجب أن نفضل السكوت ونخبئ مشاكلنا في المجتمع النرويجي.. يجب على أحدنا أن يكون شجاعًا في مواجهة ماضيه وشجاعًا في مواجهة مستقبلة.. وواقعيًا جدًا في مواجهة حاضره.. أعلم أنني سأفقد المزيد من الأصدقاء من المهاجرين العرب.. وقد تصبح الصداقة معي تهمة.. والاستماع إلى جريمة.. قد أتهم بالخيانة والعنصرية.. لكن ضميري مرتاح لأني قلت ما أعتقد أنها حقائق من وجهه نظرى وخبرتي القليلة في مجتمع المهاجرين العرب.. هدفي ليس التجريح في أحد.. أو إثارة المشاكل.. بل الهدف والنية هو فتح حوار مجتمعي بيننا وبين أنفسنا كمهاجرين، وبيننا وبين المجتمع النرويجي، وإيجاد حلول لبعض مشاكلنا.

ويجب أن نجيب على تلك التساؤلات الأهم من وجهه نظري.

ما هي نوعية الهدف الذي دفعنا إلى المخاطرة بكل شيء للمجيء إلى أوروبا وأسباب إقدامنا على ذلك؟ هل خاطرنا بحياتنا لنحقق النجاح واحترامنا لذواتنا؟ أم هل أتينا لاإثارة ونقل المشاكل إلى المجتمع النرويجي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد