كان تألق اللاعبين العرب في الدوريات الأوروبية سببًا في اهتمام مجموعة كبيرة من الشباب، حيث باتت متابعة تلك الفرق محط أنظار العديد من شعوبنا العربية، ومع اختلاف جنسيات اللاعبين صار كل بلد يدشن الحملات من أجل لاعبه، وصار تعصب الجماهير مبنيًّا على الموطِن، بُغية أن يكون مواطنهم هو الأفضل، وتتسابق المنتديات والمواقع بوضع المقارنات، وتفتح الطرق للاستفتاءات من أجل معرفة الأفضل، ولعل السباق حاليًا قد وصل الذروة من أجل اختيار «فخر العرب».

كيف ننتقي الألقاب؟

حين مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تولى أبو بكر الصديق الخلافة، وصار يلقب بخليفة رسول الله، ولما مات أبو بكر الصديق تولى من بعده عمر بن الخطاب، وصار يلقب بخليفة خليفة رسول الله، وذلك بسبب التسلسل والترتيب في تولي أمر المسلمين، إلا أنه في يوم ما نادي المغيرة بن شعبه على عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين، فاستغرب عمر اللقب، فقد كان يسمعه للوهلة الأولى، فقال المغيرة: ألست أميرنا، قال عمر بلى، فقال المغيرة: ألسنا المؤمنين؟ قال عمر بلي، قال المغيرة فأنت أمير المؤمنين، قال له عمر صدقت، فلما استمع القوم بهذا، استحسنوه فصار لقبًا دائمًا، استمر حتى انتهت الخلافة العثمانية عام 1924م.

لماذا يستمر اللقب؟ وكيف يستمد قوته؟

واللقب كما تم تعريفه في المعجم بأنه اسم يسمى به الإنسان غير اسمه الأول، فيراعى فيه المعنى، ويفيد مدحًا أو ذمًّا أو نحوهما، وفي القرآن الكريم ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَاب﴾، فصار اللقب يستخدم للمدح، ومنهي عن استخدامه في الذم، وفي كثير من الأحيان يستمر اللقب ويصبح قويًّا حين يلاقي استحسان الجميع، ويكون معبرًا عن الشخص وصفاته التي يراها الجميع، وقد يطغى اللقب على الاسم الأصلي فيصير اللقب هو المُعرِف الحقيقي للشخص، وفي التاريخ صار الجميع يعرفون أشخاصًا بألقابهم ونسوا أسماءهم، كأبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني والذي لقب بالجاحظ .

الصراع على اللقب

في عام 2017 انتقل محمد صلاح من نادي روما الإيطالي، إلى نادي ليفربول الإنجليزي، في صفقه كانت قيمتها هي الأكبر في تاريخ اللاعبين العرب على مر التاريخ، ومع تألق اللاعب مع ناديه الإنجليزي، بات اللاعب محط أنظار الجميع، حيث حصل محمد صلاح على لقب هداف الدوري الإنجليزي في موسمه الأول، وحقق عددًا من الأرقام التي جعلت منه مصدر فخر واعتزاز لكل عربي، ولم يتوقف إنجاز اللاعب على أرقام وإنجازات الموسم الأول له، بل حقق مع فريقه دوري أبطال أوروبا، البطوله الأكبر، والأفضل في أوروبا، وأخيرًا ومنذ أيام، وصل صلاح لنادي المائة الإنجليزي، ليصبح أسرع لاعب يصل لنادي المائة بقميص نادي ليفربول الإنجليزي.

ولم يكن صلاح اللاعب العربي الوحيد الذي لفت النظر في الدوري الإنجليزي، حيث أصبح الجزائري رياض محرز، محط أنظار العرب، حين حقق مع فريقه ليستر سيتي الإنجليزي بطولة الدوري، وكان هذا إنجازًا مهمًّا، شارك فيه اللاعب مع فريقه، واستمر تألق اللاعب مع فريقه، مما جعل نادي مانشستر سيتي، أحد الأندية الكبيرة يسعى للتعاقد معه، وظهر اللاعب مع ناديه الجديد، وشارك في إحراز الثلاثية المحلية الإنجليزية، ليصبح العربي الوحيد الحاصل على اللقب، وشارك محرز في حصول منتخب بلاده على بطولة أمم أفريقيا، بعد أن غاب منتخب بلاده عن منصة التتويج منذ عام 1990م.

وبعد إنجازات اللاعبين في الدوري الأقوى، وتسجيلهم العديد من الألقاب، وحصولهم على العديد من الجوائز الفردية، وتحطيمهم العديد من الألقاب، باتت المقارنة بين اللاعبين منطقية ونارية، ومع الحرب الأخيرة على غزة، اشتد الصراع بين جماهير اللاعبين، ومن يستحق اللقب، وكان الاحتكام مبنيًّا على التضامن مع القضية، وإلى أي مدى يمكن قياس الانتماء والاهتمام بالقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي هي أم القضايا.

فخر العرب الحقيقي

في السادس من سبتمبر (أيلول) من عام 2021، تمكن ستة من الأسري الفلسطينيين من الهروب من سجن جلبوع، وتعد عملية الهروب بما فيها من معطيات مهمة جدًّا، لما فيه من الفخر بهؤلاء الأبطال، هذا الفخر نتيجة العديد من العوامل التي صاحبت أبطال الهروب، حيث قام زكريا الزبيدي، ومناضل يعقوب نفعيات، وأيهم نايق كممجي، ويعقوب محمود قادري، ومحمد قاسم عارضة، ومحمود عبد الله عارضة، بحفر نفق من داخل الزنزانه، إلى خارج سور السجن، وتعد عملية الهروب التي قام بها هؤلاء الأبطال يكاد يكون مستحيلًا، بكونها الأولى منذ 20 عامًا، وداخل هذا السجن الذي يعد الأكثر تحصينًا لدي الكيان الإسرائيلي وفقًا لتصريحاتهم، وحفر النفق استمر ستة أشهر كما أعلن الإعلام العبري، وعند تكامل كل تلك النقط، ووضعها جميعًا أمامنا، نجد أن ما حدث هو إنجاز يدعو إلى الفخر، إنجاز لا يضاهيه إنجاز، وأن هذا الحدث هو مزيج من تفاعلات كثيرة، حدثت في نفوس هؤلاء الأبطال، مزيج من الثقة والإرادة، مخلوطًا بهم الصبر والثقه، تاركين خلفهم الكسل والخمول، مستعينين بإيمانهم بالله واثقين من وعده.

فالبطل الحقيقي هو من يصنع الفخر الحقيقي داخل نفوس الشعوب، البطل هو يأتي بالأمل فيغرسه في النفوس، البطل هو من يقتل اليأس والانكسار في النفوس، البطل هو من يجعل الرأس شامخًا مرتفعًا، وما قصة صاحب اللقب إلا وتشبه فعل هؤلاء الأبطال، قام في صمت ودون جلبة، ففعل ما فعل ليحقق نصرًا للأمة ما زال فخرًا في تاريخها تتناقله الأجيال .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد