ومهدداته والفاعلون فيه

قُدر للسودان أن يكون عربي اللسان، أفريقي الجغرافيا، متنوع الأعراق والثقافات مما فرض عليه واقعًا جيوسياسيًا بالموقع والانتماء، في قلب مجموعة من دول العالم الثالث، يسري عليه ما يسري عليها، وهي دول بالكاد لم تتعاف من مخلفات الاستعمار في بنياته وتوليفاته للدولة والمجتمع.

كل هذه الخصائص منفردة، أو مجتمعة، أثرت في منتجات الميراث السياسي والثقافي للطبقة السياسية التي تولت أمر البلاد من الاستقلال إلى الآن، حيث أضاعت مختلف تشكيلات الأحزاب السودانية فرص بناء وأسس نظام سياسي آمن ومستقر يجمع السودانيين على اختلاف أفكارهم وأعراقهم وثقافتهم. وبالتالي هم مسؤلون عن مراوحة البناء السياسي والاجتماعي مكانه! ويتحملون المسئولية السياسية والأخلاقية، إذًا لا يُفهم أن لا يستطيع بلد ما بناء نظامه السياسي وتأمين التأليف الاجتماعي لأكثر من نصف قرن من الزمان.

السودان ومنذ الاستقلال في العام 1956 شهد تغير في الحكومات والأنظمة، من غير تحول ديموقراطي حقيقي نحو الدولة المتمدنة، في سياقات تداول السلطة واحتكام الدستور والقانون. وما أدل على ذلك غير ثورتين في أكتوبر (تشرين الأول) 1964، ولم تستطع أن ترسي دولة القانون لأسباب عديدة، والثورة الثانية أبريل (نيسان) 1985، ولم تنجح أيضًا في بناء نظام سياسي حقيقي لأسباب أخرى. وهنا يقفز السؤال:

ما طبيعة التغيير الذي يحتاجه السودان؟

نوعي هو التوصيف الدقيق للتغير المنشود في السودان، بيد أن هذا التغيير له مطلوباته، ليس آخرها هو اعتراف الطبقة السياسية الآثمة بفشلها في بناء الدولة والمجتمع تارة بشرور الأيديولوجيا والأنا الحزبية وأخرى بالانقلابات العسكرية.

في اعتقادي أن بدايات هذا التغيير ونقطة انطلاقه تكون في الاعتراف بالآخر، المختلِف، سياسيًا وفكريًا. وضمان مشاركته في الحياة السياسية وفق نفسية جديدة، لطبقة سياسية جديدة، تنبذ الإقصاء وتعترف بالديمقراطية ممارسةً في ذاتها، وليس شعارًا للكسب السياسي والدعم الخارجي.

إن دائرة الانتقال السياسي مفرغة وغير جادة، في تداولات السلطة، ليس للوطن منها حظ. ولكن في هذه اللحظة التاريخية، آن أوان التغيير النوعي الفاعلون فيه هم الطبقة السياسية الشابة، الأكثر قبولًا للآخر عبر تكويناتهم الحزبية القديمة أو الحديثة.

هذا التغيير يستوجب تنازلات كبيرة في حجمها، تناسب التغيير المرتجى، تقدمها مجاميع الطبقة السياسية القديمة، وتشرف عليها حتى تجعلها حالة وطنية، ترفع رايتها أجيال جديدة، شابة، أكثر تسامحًا وأكثر مقبولية، ويتم تبنيها من المجتمع وقواه الحية، والذي هو المدافع الأول عن استحقاقات التغيير في السودان في فضاءات الاجتماع والسياسة. ربما يجد هذا الطرح مقاومة عنيفة من الطبقة السياسية نفسها تلك الطبقة المتكلسة والمتحجرة لترجلها عن صدارة المشهد، التي طالما ما رسخت في مجالها السياسي والاجتماعي بأنها المخلص. لفترة استطالت لأكثر من ستة عقود. الآن فليستعد الشباب ليقودوا ويخلصوا البلاد من مستنقعات النخب الفاشلة التي عليها الاعتذار لضياع عقود من عمر هذا الشعب في اللا شيء. وأي خلافات قد تنشأ بين هذه الطبقة الجديدة يجب أن تُؤطر في أطرها السياسية، تحت مظلة القانون والدستور، ولكن التحدي هو إدارة هذا الاختلاف والاعتراف به من غير أن يلقي بظلاله على مكتسبات المجتمع الاقتصادية والسياسية.

الآن.. نظريًا قد يبدو التغيير ممكنًا جدًا ولكن ما هي آلياته؟

يجب أن تكون الصفوف الأولى في كل المواقع ذات الطابع التنفيذي محجوزة لهولاء الشباب، ويمكن تحقيق ذلك بتصعيد هذه طبقة سياسية جديدة في مواقع القرار، بشرط إيمانها بشكل ونوع التغيير المنتظر، وتأتلف وتتواثق عبر تنظيماتها ومكوناتها من خلال ندوة وطنية أو مؤتمر عام، يجيب على سؤال: كيف يحكم السودان؟ وكل ذلك في حدود ممكنات السياسة في العالم والإقليم حتى يكون أمرًا واقعيًا، وليس تمنيات ومثاليات.

مهددات التغييير

داخليًا واحدة من أكبرة المهددات هي عدم الاستعداد النفسي والسياسي للتسوية، والمقاربات الحزبية الضيقة التي تعلي من الذات الحزبية على الوطن، ناسين أو متناسيين أنه لا ينهض بلد إلا بجميع أبنائه، إضافة إلى ذلك ضعف الخيال السياسي، والتكلس في التراكيب السياسية داخل مؤسساتها، وضغائنها ومماحكاتها القديمة المتجددة ضد بعضها، التي تهدد أي فرصة للتقريب والتقارب بين أبناء الوطن الواحد.

خارجيًا وهذا عامل شديد الأهمية، ربما يكون الأهم، حيث إن التدافع الإقليمي والعالمي في المنطقة قد لا يسمح بتغيير من هذا النوع، في فضاءات المحاور والشد والجذب، ولكننا يجب أن نتعامل ونتعاون مع الجميع، ونستغل الهامش المتاح للسودان، لمحاولة بناء ما يمكننا بناؤه في هذا الظرف التأريخي، وتسجيل المؤجل في مفكرتنا الوطنية.

بقي أن نشير إلى أن السودان الآن وحسب الإحصاءات الرسمية دولة شابة، ومعظم هولاء الشباب لا يؤمنون بالتخندق الأيدولوجي، والتعنصر الحزبي علي حساب الوطن، مدفوع بتدفقات هائلة من المعرفة عبر أدوات وتقنيات جديدة، على رأسها منصات التواصل الاجتماعي التي أثرت وتؤثر في تشكيل وتكوين الراي العام السياسي، ودرجة الوعي والتسهيم في الشأن العام، تلك المعرفة التي في الماضى كانت حكرًا على الطبقة السياسية فقط. هذه الأدوات جعلت من الشباب قوة دافعة في اتجاه التغيير، ومؤثرة فيه، وربما لا تقبل بغيره لارتفاع سقف مقارناتها بالديمقراطيات المستقرة في العالم. وبهذه المقاربة تجعل من الصعب أن ترضى هذه الأجيال بأي بناء سياسي غير ناضج؛ لأنه ببساطة دائم المقارنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد