حرصت أمريكا قبل اتخاذ قرارها بالانسحاب من أفغانستان على ألا يكون انسحابها مقابل ثمن بخس، وذلك في محاولة لتعويض خسائرها العسكرية والاقتصادية الفادحة. فما عجزت عن تحقيقه بالحرب والسلاح قد تنجح في تحقيقه بالسياسة والوسائل الدبلوماسية.

ولا يبدو ما أقدم عليه الرئيس الأمريكى السابق، دونالد ترامب، من تفاهمات انتهت بتوقيع اتفاق للسلام بين الولايات المتحدة وطالبان بغريب؛ فقد حرص ترامب كذلك وبالتوازى مع مساعيه لإحراز تقدم داخل أفغانستان على توقيع اتفاقيات للسلام بين إسرائيل وعدد من الانظمة العربية فيما عرف بصفقة القرن، الأمر الذي كان يبدو قبل ذلك بعيد المنال بل مستحيلًا، فما كان يحدث في الخفاء خرج للعلن لمكايدة الشعوب العربية وإجبارها على معايشة واقع فانتازى جديد لا وجود له إلا في عقول صانعيه!

من هذه الزاوية يمكن أن ننظر إلى ما رتبت له الولايات المتحدة في أفغانستان بوصفه صفقة من صفقات القرن الحادي والعشرين، مع الفارق الكبير جدًّا بين طالبان والأنظمة الأخرى الموقعة على هذه الصفقات. لكن يبقى الغرض النهائي منها هو ضمان مصالح أمريكا وإسرائيل السياسية والاقتصادية بالمنطقة، وتوسيع نفوذهما على حساب العرب والمسلمين وقضاياهم المحورية،  وهو الهدف نفسه المراد تحقيقه فى أفغانستان، علاوة على الأهداف المرتبطة والمتعلقة كذلك بمكافحة «الإرهاب». فترامب صرح بأنهم قد تمكنوا من قتل «الإرهابيين» بالآلاف في أفغانستان، والآن حان دور طالبان وربما دول مجاورة لتقوم بهذه المهمة ثمنًا للانسحاب!

من خلال ذلك الطرح الأمريكى يتضح لنا أن المسئولين الأمريكيين يسقطون من حساباتهم وعن عمد الفارق الكبير بين طالبان ومن سبقها من الحكومات المتعاونة مع الاحتلال، تمامًا كما يتعامون عن الفارق بين الأنظمة العربية والشعوب العربية التي تخوض ثورات منذ أكثر من عقد من الزمان. وذلك بالرغم من تجاربهم السابقة مع طالبان، والتي رفضت فيها مثلًا تسليمهم زعماء القاعدة من منطلق عقائدي بحت. ومن ثم لن تكون طالبان التي تصنف أمريكا بعض قادتها إرهابيين؛ والتي قتل منها الآلاف في الحرب المزعومة على الإرهاب مثل أشرف غني وحكومته، ولن تعمل لمصلحة أمريكا بل لمصلحة ما تعتقده وبالشكل الذي تراه صحيحًا مهما تشابكت مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة؛ أو هكذا نظن.

فاستقلال القرار الأفغانى بعيدًا عن الضغوطات الدولية هو الركيزة الأولى التي يجب أن ينطلق منها الأفغان لهزيمة المشروع الغربي الأمريكي أو أى مشروع تغريبي آخر في بلادهم. وقد بدت بوادر هذا الاستقلال في الطريقة التي جرى بها تشكيل الحكومة، وكذلك في التشديد على عدم السماح لأي كان باختراق المجال الجوي الأفغاني تحت أي ذريعة؛ فالأفغان أولى بعضهم ببعض وهم أجدر من غيرهم على فهم مشكلاتهم وطرق حلها وكيفية التعامل مع التحديات المختلفة التي تواجههم. ومن تمكن من إبرام معاهدة للسلام مع الولايات المتحدة لن يعجز عن الوصول إلى صيغة لسلام داخلي مع الجميع باستثناء أى خائن أو عميل.

هزيمة أمريكا داخل أفغانستان إذا تتطلب أول ما تتطلب الحرص على استقلالية القرار للخروج من نفق التبعية المظلم. فهل ستنجح طالبان في ذلك وتحقق ما نتمنى؟ هل ستتمكن من إجراء انتخابات شرعية واعتماد دستور جديد شامل لا يخالف الشريعة في أى من نصوصه؟ هل ستتمكن على الصعيد الاقتصادي من مواجهة كل تلك المشكلات الآنية والسابقة دون الوقوع في فخ صندوق النقد والبنك الدوليين والقروض الربوية؟ هل ستتمكن من حل المشكلات الاجتماعية والحقوقية والأمنية دون إفراط أو تفريط؟

الكثير من الإجابات التي يجب الحصول عليها والمسارات التي يجب علينا مراقبتها في أفغانستان داخليًّا؛ وكذلك العديد من المسارات المماثلة التي يجب علينا متابعتها فيما يخص سياسة طالبان الخارجية والإقليمية وكيف ستدير علاقتها مع جيرانها وكذلك مع المجتمع الدولي وأمريكا، كل ذلك يجب متابعته جيدًا قبل أن نؤكد هزيمة المشروع الامريكى وغيره في هذه المنطقة أو العكس.

فأفغانستان لديها موقع جيوسياسي لا تحسد عليه، وهي إلى جانب كونها دولة حبيسة نجدها في محبسها هذا أسيرة لدول تاريخها ممتد في محاربة تطلعات الشعوب من أجل التحرر، سواء على أراضيها أو خارجها. ففى الشمال تحدها مجموعة من الدول تتحكم بها روسيا حيث تعدها إرثًا لها. ولا يخفى على أحد ما فعلته وتفعله روسيا من جرائم في محيطها كما في محيطنا العربي.

وفي الغرب إيران التي تنصب نفسها وصيًّا شرعيًّا على قبيلة الهزارة الأفغانية، بل الروافض أينما كانوا، إذ تعدهم مسمار جحا الذي تتدخل به في شئون الآخرين. حيث تستغلهم في تشكيل المليشيات المسلحة التي تدين لها بالولاء وتعمل على تنفيذ مخططاتها بغرض فرض الهيمنة وبسط النفوذ الإيراني في العديد من الدول. والأكثر من ذلك أن هذه المليشيات الطائفية الأفغانية إلى جانب مشاركتها القوات الحكومية (قبل سيطرة طالبان) في محاربة ما يسمونه بالإرهاب؛ نجدها قد انخرطت أيضًا في حروب بالوكالة عن إيران في بلاد عربية!

أما باكستان التي تسيطر على الحدود الشرقية والجنوبية فنجدها قد شرعت أيضًا في خطوات مماثلة لتحقيق سلام مع طالبان باكستان الأمر الذي أزعج الكثيرين. ولعل ما قد يحدث من تغيرات داخل باكستان تكون مصاحبة للتطورات في الداخل الأفغاني ومتوائمة معه هو من أهم المؤشرات التي توضح لنا إلى أين يسير المشروع الأمريكي في هذه البلاد؟ وهل هزم حقًّا أم لا؟!

ومن وراء باكستان تقف الهند التى تتحدى مليارات المسلمين خارجها، وما يقرب من 200 مليون مسلم داخلها بما تنتهجه من مخططات الإبادة الجماعية تجاه مسلمى كشمير. وإلى الشمال الشرقى نجد الصين التي تشارك أفغانستان تلك الحدود عبر أراضي تركستان الشرقية أو إقليم شينجيانج كما سمته الصين بعد احتلالها له. وقد فرضت الصين على المسلمين في هذه المناطق أبشع أنواع التعذيب والإبادة بغرض السيطرة التامة على أراضيهم التي حباها الله بثروات لا حصر لها، وزاد من جنون الصين أن أراضيهم تمر عبر أكبر مشروع اقتصادي تسعى الصين لإحيائه فيما يعرف بطريق الحرير.

هذا هو واقع أفغانستان الجغرافي وهؤلاء هم جيرانها، فكيف ستتعامل معهم؟

كيف ستتعامل إمارة أفغانستان الإسلامية مع هذه التحديات؟ كيف ستدير مصالحها الاقتصادية مع هذه الدول من خلال رؤية شرعية واضحة، تجعل لها نفوذًا يراعي مصالحها وفي الوقت نفسه مصالح المسلمين حولها؟ أم أن هذا خارج الحسابات؟ والغريب أن هذه الدول جميعها قد اتخذت تقريبًا الموقف نفسه من الحكام الجدد في أفغانستان، وهو موقف لا يختلف كثيرًا عن الموقف الأمريكى مع ترقب حذر.

وعلى صعيد فلسطين المحتلة تبقى القدس والأقصى هما البوصلة لكل مسلم، فكيف سيؤثر صعود طالبان في هذه القضية المحورية؟ وهل سيكون التأثير إيجابيًّا أم سلبيًّا؟ كيف ستساند الإمارة الإسلامية قضية الأمة كلها؟ هل ستضطر في نهاية المطاف للتعامل مع كيان الاحتلال بشكل مباشر أم غير مباشر؟ أم ستكتفي بمسالمة أمريكا ومقاطعة طفلها المدلل رغم تشابك مصالحهما؟! ما نريده أن تكون تجربة التحرر الأفغانية تجربة ملهمة لفلسطين وأهلها وللعرب جميعًا، وليست صفقة أبرمت بين أمريكا وطالبان. ما نريده هو ألا يكون ما حدث في أفغانستان مجرد نهاية لمشروع جهادي بل دفعة قوية في اتجاه تحرر الأمة.

العديد والعديد من الأمنيات التي ندعو أن تتحقق والعديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام كذلك، والتي ربما تحتاج إلى وقت كبير كي نستبين إجابتها. فالأمر برمته يحتاج منا إلى المزيد من التريث قبل إطلاق الأحكام، ولنعلم أن الهزيمة الحقيقية لأي احتلال تكون بهزيمة مشروعه ومخططاته بالكامل. فدعونا نترك لأخواننا في أفغانستان فسحة من الوقت لاستجماع شتات أنفسهم وترتيب أوراقهم الداخلية، ودعونا كذلك نراقب هذه التجربة وهذا النموذج إن قدر له الصمود والبقاء في بؤرة نثق أنها ستكون دائمًا في مركز الأحداث، وذلك لتقييم الوضع وتقديم النصيحة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد