في ظل ما يعيشه العالم من طفرة رقمية طالت جميع جوانب الحياة، وتوجهه أكثر نحو الفضاء الرقمي الذي بات يعج بالمخاطر والتهديدات أكثر من الفضاء الحقيقي، ظهر نوع جديد من الحروب التي باتت تفرض نوعًا من المنافسة التي تدفع دول العالم إلى دخول سباق التسلح الرقمي بذريعة حماية سيادتها الرقمية، وبالتالي شرعت العديد من الدول إلى فرض المزيد من القيود على استخدام الشبكة العنكبوتية، ووصل الأمر لدرجة أن هناك حكومات تضخ مبالغ طائلة في مجال تطوير أمنها السيبراني وأنظمة مراقبة تسجل أي نشاط لمواطنيها على الإنترنت.

في عام 1988، تم تسجيل أول اختراق لشبكة الإنترنت، ليبدأ معه سباق التسلح الرقمي، إلا أن البرامج الأمنية والقواعد والضوابط القانونية للشبكة العنكبوتية آنذاك كانت بسيطة جدًا، ويعزى ذلك لمحدودية الوصول إلى شبكات الإنترنت، أو أن ثقافة استخدام الإنترنت لم تحظ بذاك الاهتمام في ذلك الوقت نظرًا لضعف البنى التحتية الرقمية مقارنة بتلك الموجودة الآن.

ولكن مع ظهور ما يُعرف بثورة وسائل التواصل الاجتماعي، أخذت الحرب الرقمية أشكالًا أخرى فرضت بالضرورة والتبعية مجالات أخرى لهذا السباق، سباق التسلح، وظهر معها مصطلح «السيادة الرقمية» ليعبر عن قدرة الدولة في السيطرة على بياناتها وبيانات مواطنيها، وقدرتها على تطوير وسائل دفاعية وهجومية دون الاعتماد على تكنولوجيا أجنبية. ومع هذا المصطلح، أطلق الفرنسيون بدورهم مصطلح «المستعمرات الرقمية» كإعلان عن رفضهم لأن تكون دولتهم بين الدول الواقعة تحت السيطرة أو الاحتلال الرقمي الأمريكي، ثم الصيني.

وهذا يؤكد أن هناك مفهومًا جديدًا للاستعمار، أو للسيطرة على العالم، حيث تعد الولايات المتحدة والصين من أبرز المتنافسين للسيطرة على هذا الفضاء الرقمي الشاسع الذي أثبت قدرته على تحقيق السيطرة وقيادة الرأي العام العالمي بفعالية أكبر وتكاليف بشرية أقل.

وهنا أريد تسليط الضوء على الحرب الرقمية بين الولايات المتحدة والصين، والتي أخذت أشكالًا عديدة أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقات بين البلدين على جميع الأصعدة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية.

فعلى سبيل المثال، لحماية سيادتها الرقمية، شرعت الصين إلى حظر شبكات التواصل الاجتماعي الأمريكية داخل الصين، وقدمت لمواطنيها بدائل محلية مثل «كيوكيو QQ» بديلًا عن «فيسبوك»؛ و«ويبو Weibo» بدل «تويتر»؛ و«ويتشات WeChat» عوضًا عن «فيسبوك ماسنجر»؛ و«يوكو تودو YouKu TuDou» بدلًا عن «يوتيوب»؛ و«بايدو Baidu» عوضًا عن محرك البحث «جوجل».

وبذلك تمكنت الحكومة الصينية من تقويض السياسات الأمريكية المعادية لتوجهاتها – التي عادةً ما تعمل الولايات المتحدة على تسويقها عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها – والحد من وصولها إلى الشعب الصيني، واستبدالها بالتوجهات التي تخدم مصالح القيادة الصينية سواءً على الصعيد المحلي أو العالمي.

ومع تنامي الهجمات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، والتي لا تزال تقتصر على الأفراد أو المؤسسات، إلا أنها عززت من مخاوف الدول الكبرى لناحية تطور هذه الهجمات وإمكانية تأثيرها بشكل رئيسي على مصالحها الخارجية والداخلية من خلال استخدامها أداةً لزعزعة الاقتصاد والاستقرار السياسي داخل أراضيها. وهذا بالفعل ما شهدناه على أرض الواقع هنا في الشرق الأوسط خلال ما يُعرف بالربيع العربي الذي قاد المنطقة إلى حالة عدم الاستقرار، سواء سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا.

وبذلك نجد أن المفهوم الحديث للحرب العالمية القادمة التي يتوقع حدوثها الجميع، سيكون قائمًا بالدرجة الأولى على مفهوم الحرب الرقمية أو الإلكترونية، إذ إن العديد من الهجمات الرقمية الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية ما هي سوى بمثابة اختبار للمنظومات الدفاعية لدى الأطراف الأخرى. ولا سيما أن هناك العديد من المحللين يؤكدون أن مثل الهجمات تقف وراءها حكومات وأجهزة استخباراتية تتصارع فيما بينها من خلف أقنعة رقمية وأسماء وهمية. لذا نجد أن العديد من دول العالم تسعى جاهدة لتحصين نفسها طوال الوقت من مثل هذه الهجمات التي قد تؤدي إلى خسائر بالمليارات في ثوان معدودة، خاصة وأننا أصبحنا في عصر تعتمد فيه كل كبيرة وصغيرة في حياتنا على التكنولوجيا والإنترنت بشكل عام.

لذا حرصت الصين أن تكون من الدول السباقة إلى تحصين نفسها وحماية سيادتها من أي هجمات رقمية، وذلك من خلال «الجدار الناري العظيم»، وهو أحد أقوى أنظمة الحماية والرقابة على شبكة الإنترنت في العالم، حيث لا يسمح هذا الجدار الناري للمواقع العالمية بالوصول إلى الصين، ويقوم بحجبها وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة ومحركات البحث العالمية. مع العلم أنه يوجد في الصين أكثر من 500 مليون مستخدم للإنترنت، وهذه شريحة ضخمة من المستخدمين يطمح للوصول إليها أي موقع إلكتروني، وذلك طمعًا لما يوفره هذا العدد الضخم من بيانات تساعدها على توليد المزيد من الأرباح، فضلًا عن رغبة القوى العالمية بالحصول على مثل هذه البيانات التي توفر لها قدرات كبيرة لفهم سلوكيات وتوجهات هذا الشعب وكيفية التأثير عليه، مثل ما حدث في الشرق الأوسط. وبالرغم من السلبيات العديدة التي ينطوي عليها هذا النوع من حجب الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية، إلا أنه أبقى الصين بعيدة كل البعد عن اختراق أنظمتها كونها تقوم بمراقبة كل صغيرة وكبيرة تحدث على شبكتها، مما يجعلها محصنة جيدًا ضد هذه الهجمات.

وعلى خطا الصين، تحاول روسيا أيضًا عزل نفسها عن شبكة الإنترنت العالمية وإنشاء شبكة مغلقة لا يمكن الوصول إليها إلا من داخل البلاد، حيث وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانون «السيادة على الإنترنت»، والذي يعزز من سيطرة الحكومة على شبكة الإنترنت الروسية، والذي يسمح بمراقبة حركة مرور البيانات عبر الإنترنت في روسيا وإبعادها عن الخوادم الأجنبية. ووفقًا لموقع «فوربس»، يمنح القانون الجديد للوكالات الحكومية الضوء الأخضر لتطوير شبكة إنترنت روسية آمنة، وتعمل بكامل طاقتها، إذ تعد هذه الخطوة جزءًا من خطة الكرملين لعزل استخدام الإنترنت العالمي، باعتباره وسيلة دفاعية ضد الحرب الرقمية الخارجية.

أما بالنسبة للولايات للمتحدة، فهي تتمتع ببنى تحتية رقمية قوية تمكنها من شن الهجمات الرقمية والتصدي لها بفعالية، فضلًا عن تطويرها لمفهوم جديد في هذه الحرب، وهو الغزو الرقمي للعقول عبر منصات التواصل الاجتماعي التي مكنتها من جمع كميات ضخمة من بيانات المستخدمين حول العالم، لتقوم بتحليلها ودراستها واستخدام سلاح التأثير النفسي الرقمي لتوجيه الرأي العام في المناطق التي استطاعت اختراقها رقميًا عبر مثل هذه المنصات. ومن أبرز الأمثلة على فعالية الحرب النفسية الرقمية هي فضيحة شركة «كامبريدج أناليتيكا» التي قامت بتطوير تطبيق مكّنها من الحصول على بيانات ملايين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، واستطاعت بعد تحليلها أن تتعرف على توجهات وميول وآراء أصحاب تلك الحسابات، وأن تضع استراتيجية للتأثير عليهم وتوجيههم بشكل يخدم مصالح جهات سياسية محددة، وخاصة فيما يتعلق بقضية تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وفي ظل هذا التوجه القوي من قبل الدول الكبرى نحو تحصين نفسها رقميًا والاستعداد لأي هجمات محتملة، نجد أن مفهوم الحرب الرقمية هو حقيقة واقعية وله تأثيرات كبيرة على أرض الواقع أخطر من مفهوم الحرب التقليدية. ولكن أين نحن حقًا من كل ذلك، ولا سيما بعد أن تحولت منطقتنا خلال السنوات العشر الأخيرة إلى حقل تجارب بكل ما تعنية الكلمة من معنى. وهل نحن قادرون على المدى المنظور أن نحصن أنفسنا فكريًا أولًا ومن ثم رقميًا ضد مثل هذه الهجمات التي لا تقتصر على الجانب العسكري أو الاقتصادي فقط، بل تلك الهجمات التي تستهدف العقول أولًا وتحول أصحابها إلى أدوات يسهل التحكم بها والتأثير عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد