من السجن إلى القصر كانت الرحلة ثم ما لبثت إلى أن كانت العودة من القصر إلى السجن، وبين تلك المرحلتين كانت الحكاية أو ربما الرواية أو سمها كما شئت.

إنها رحلة الدكتور محمد مرسي ابن القرية الفقير المعدم، حيث حفظ القرآن الكريم طفلًا صغيرًا على يدي مشايخة في قرية العدوية التابعة إداريًا لمحافظة الشرقية، كان الدكتور محمد مرسي متفوقًا أكاديميًا وأخلاقيًا وذا معرفة وثقافة واسعتين، وشهد له كل من عرفه حتى مخالفيه في الفكر والعقيدة، لقد تميز تميزًا واضحًا في دراسته حيث أنهى درجة الماجستير في الهندسة، ومقابل هذا التميز قدمت له بعثه دراسية من جامعة ولاية جنوب كاليفورنيا حيث أنهى دراسة الدكتوراة وعمل هناك مدرسًا وباحثًا أكاديميًا ومطورًا. وبرغم كل ما كان يتمتع به من امتيازات في الجامعات الأمريكية إلا أنه آثر العودة لخدمة وطنه.
ولأنه تربى على الاستقامة ومخافة الله، ولأنه تربى بين المعدمين والمقهورين كان صوتهم وكانوا هاجسه، ولأنه عقيدته أغلى من حياته كان السد المنيع في الدفاع عنها وهذا ما مارسه من خلال عمله السياسي كنائب في مجلس الشعب المصري، حيث يعتبر الدكتور مرسي صاحب أشهر استجواب في مجلس الشعب عن حادث تصادم قطار الصعيد، علاوة على ذلك اختير كأفضل برلماني في العالم لعام 2004، في الوقت الذي يتهمه البعض بنقص الخبرة السياسة! وقد دفع الدكتور مرسي ثمن مواقفه الرافضة للظلم والفساد وزج به في السجن أكثر من مرة، حتى أتت ثورة يناير ثورة الكرامة لتخرج كل من سجن ظلمًا وعدوانًا بغير وجه حق.
خرج الرجل من معتقله، لينتخبه الشعب بعدها رئيسًا للجمهورية، ليكون على رأس الهرم في السلطة، ويكون عزيز مصر بعد أن كان سجينًا يقبع في سجنه تحت وطئة الظلم والطغيان، حكم عامًا كاملًا، لكنه لم ينتقم من ظالميه، ولم ينكل بمعارضيه، ولم يعتقل مريديه، وأخيرًا أصبح الشعب حرًا بعد عصور من الديكتاتورية ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه.
سعى الدكتور مرسي خلال فترة حكمه بكل ما أوتي من طاقة لتحقيق رغبات الشعب ورفع مستوى الفرد المعيشي، والنهوض بالدولة في جميع المستويات والحقول، وهذا ما عاينه الجميع من خلال حركته الدءوبه لتوقيع الاتفاقيات والتفاهات التي تعود نفعًا على الشعب المتعطش منذ عصور للعيش بكرامة والشعور بإنسانيته المصادرة.
لكن البعض من داخل الجمهورية وخارجها لم يكن يروق لهم الدكتور مرسي حتى لو أطعمهم ذهبًا وفضة؛ ربما لأن مصر أصبح يحكمها إسلاميًا! وهذا ما يرفضه جملةً وتفصيلًا من يعتبر حكم الإسلاميين خطرًا كبيرًا على أجنداتهم ومصالحهم الضيقة، أو ربما أن الدكتور مرسي يشكل خطرًا كبيرًا على دول رأت في الدكتور نموذجًا حرًا قد يشكل خطرًا على مصالحها وربما أيضًا على بقائها؛ لذلك أنفقت تلك الدول الكثير من الأموال الطائلة حسب تقارير إخبارية حتى يتخلصوا من هذا الكابوس.
أما بالنسبة لحمهورية العسكر فإنها كما قيل ترفض أن يحكمها رجلًا لم يخرج من عباءتها، أو بالأحرى لم يرفضوا أية رئيس لم يتخرج من ثكناتهم العسكرية. وكذلك الأمر بالنسبة لجيش الراقصات والمومسات ومن يدور في فلكهن شعرن أن مصدر رزقهن أصبح مهددًا من رجل إسلامي يرفض الفساد والرذيلة. وعلماء السلطان هم الآخرون اعتبروا الرئيس خطرًا عليهم وعلى مصدر رزقهم لأن السلطان الجديد ليس لديه علماء يحركهم متى شاء وأنى شاء مقابل ثمن بخس.
في نظر البعض الرئيس مرسي أخطأ في الحكم وربما يكون كذلك، لكنه لم يجرم، ولم يقتل، ولم يسجن، ولم يحارب دينه ويخن عقيدته.
ويرى البعض أن الرئيس مرسي لم يطبق الشريعة، لكنه لم يجرم بحق الدين ولم يضع النصوص الدينية في قفص الاتهام، ولم يحرق المصاحف، و لم ينتهك حرمة المساجد، ولم يعتقل العلماء ولم يقتلهم، ولم يسمح للشيعة باحتلال القاهرة وتشييعها مستقبلًا.

فجأة وبدون سابق إنذار وبعد أن زج بالرئيس الشرعي للبلاد في السجن صمت الجميع، كلهم العلماء والعسكر والراقصات والمومسات، كلهم صمتوا ولم نسمع لهم صوتًا ولا حتى همسًا حتى اللحظة على الرغم من كل الجرائم التي ترتكب بحق الإنسان والدين والأمة. والمجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان والمرأة والطفل والصحافة كلهم صمتوا؛ ليرسلوا رسالةً للعالم أجمع أن الإنسان والمرأة والطفل لا يعنيهم إلا إذا كانو يخدمون أجنداتهم.

صمت الجميع فسر لنا أسباب الانقلاب على الرئيس وكل من يحذو حذو الرئيس في أي مكان و انقلاب تركيا الفاشل أكبر دليل!
وإلا فماذا تفسرون يا سادة، هذا الصمت ضد ما يرتكب من جرائم وانتهاكات ضد الإنسانية والدين، وضد الأخلاق والأمة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد