من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، حتى غزة، والمجازر بحق الفلسطينيين مستمرة على مرأى ومسمع من العالم كله. لا تكاد تنتهي مجزرة حتى تبدأ مجزرة أخرى لا تقل ضراوة ووحشية عن سابقاتها. لقد كتب على هذا الشعب الصامد والمحتسب أن يعيش كل بضع سنوات حربًا إسرائيليّة جديدة كان آخرها عملية الجرف الصامد. الفارق بين هذه الحرب وسابقاتها هو في ضراوة وهمجية آلة القتل الإسرائيلية التي عاثت قصفًا وتدميرًا وقتلًا. فالقصف على غزة لم يفرق بين الرجال والنساء ولا بين العجائز والأطفال. في غزة دمرت المستشفيات والمساجد والمدارس، رملت النساء ويتم الأطفال لا لشيء، إلا لأنهم يتمسكون بأرضهم ويأبون الذل والخنوع.

غزة اليوم لا تقاتل دفاعًا عن نفسها فحسب، ولا عن شعبها في الداخل والشتات، بل عن الأمة العربية والإسلامية جمعاء. فالأنظمة العربية قامت، ومنذ زمن بعيد، بعملية فك الارتباط بقضيتها الأم، فلسطين، وانكفأت تمارس لغة السلام كخيار إستراتيجي. فمنذ توقيع الرئيس المصري أنور السادات لاتفاقية كامب ديفيد، ثم اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل المغتال إسحاق رابين، ثم اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل حتى شروط الرباعية، والأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي والإسلامي تبين وهن أمرها، ووهن تفكيرها وتدبيرها وعناصر تغييرها، وتفرق وتفرز بين إمكانات الأمة في المواجهة والممانعة والمقاومة، وبين عناصر وآليات تخذيل الأمة ونشر اليأس في أرجائها، والترويج للقبول الخانع والاستسلام الفاقع والفاجع.

كما يبدو تقف المنطقة بانتظار نتائج العدوان على غزة على مستقبل التسوية والصراع العربي الإسرائيلي. فالإصرار الإسرائيلي الأعمى على إحداث تغييرات فارقة في خرائط الصراع بالدم، يقابله صعود للإرادة العربية الشعبية لم تستيقظ بهذا الشكل منذ عقود. فالشعوب العربية باتت على قناعة راسخة أن خيار السلام لم ينتج عنه إلا الانبطاح والذل والهوان، وأن محور الاعتدال لم يؤد إلا إلى تغييب معاني العزة والكرامة والنصرة.

هنا يمكن القول إن إسرائيل تسعى من خلال الحرب على غزة إلى القضاء على آخر منطقة مشتعلة، على غرار ما تم افتعاله في سوريا، وليبيا، والعراق. لذلك فإن الأمر ليس مقصورًا على قطاع غزة، وإن كان جل تركيز الحرب الهمجية على القطاع، وهذه الحرب تأتي في سياق الخطة التآمرية التي حيكت ضد فلسطين، بموافقة إقليمية ودولية، وفي ظل استمرار المشاكل والصراعات التي تعرفها الدول العربية، من مصر إلى سوريا، إلى ليبيا، حتى اليمن، حيث يتداخل التطرف الديني والمذهبي مع الصراع على السلطة، ومن دون إخفاء الخلل القائم في بنية النظم السياسية.

في غزة وحدها تعيش هذه الحكاية، يتبقى لنا أن نسأل كيف نعيد للحياة في غزة رونقها بعد أن سلبت أجساد الصغار ونشر الموت في كل مكان؟ كيف نعيد الأمل إلى شعب يودع بعضه البعض كل ليلة، ويهنئ من ظلوا أحياء صباح يوم آخر؟ كيف لنا أن نعيد البسمة إلى من بقي وحيدًا على قيد الحياة دون عائلة استشهدت بأكملها؟ تتصارع الأسئلة في داخلنا، ولكن من دون إجابة. يبقى لنا في كل مرة أن نذكركم، يا حكام أمتنا، بخطاياكم وتصرفاتكم الخانعة والمذلة، وبأن فلسطين ستبقى نابضة في قلب من رحلوا، ومن ظلوا على قيد الحياة.

وإذا ما كان الحل سيأتي يومًا، فالواجب على الذين يريدون أن يعيدوا الأمة العربية إلى سابق انتصاراتها أن ينزعوا عن أعينهم وعن قلوبهم غشاوة الحواجز المذهبية والدينية والطائفية، وأن يقدروا المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فلتكن عروبتنا غير المقيدة بأي شرط هي رائدنا جميعًا، ولنوجه كل همنا إلى أن نربط ما بين الشعوب العربية على أنها وحدة كبرى، لا تفرق بينها الجنسيات، ولا الأديان، ولا المذاهب، برابطة ترمي إلى تحقيق أسمى غاية تطلعت إليها الإنسانية منذ نشأتها، رابطة الإخاء الحر في ظل قومية عربية متكاملة. فتلك وحدها هي الرابطة التي تكفل هداية شعوبنا في سيرها الحثيث نحو تحرير الأرض والمقدسات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ضحية, غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد