يثير مناقشة موضوع قوات الحشد الشعبي حساسية بالغة في الأوساط السياسية والشعبية العراقية لما له من تأثير على مستوى الدولة. فهو موضوع شائك ومحل جدل كبير ما بين مؤيد ومعارض. إنّ سبب الجدل القائم هو مستقبل الحشد الشعبي في العراق والخوف من تحوله إلى دولة عميقة تمتلك أنواع الأسلحة لتفرض واقعًا جديدًا يتماشى مع ما تؤمن به بعض الفصائل المنضوية تحت عباءته. لذا فإنّنا بحاجة لدراسة تفكيكية معمقة لهذا الموضوع، إلّا أننا سنلقي الضوء على أبرز النقاط المهمة المتعلقة بهذه في هذا المقال.

تأسيس الحشد الشعبي:

جاء في موقع «ويكي شيعة» أنّ تأسيس الحشد الشعبي قد مرَّ بثلاث مراحل، هي:

· المرحلة الأولى: أصدر نوري المالكي ـ القائد العام للقوات المسلحة آنذاك ـ أوامر بتعبئة الجماهير وتشكيل هيئة الحشد الشعبي، كي يقفوا بوجه التهديدات الجديّة لبغداد وأطراف بغداد من قبل داعش. وبدأ الحشد الشعبي يوم 13 مارس (آذار) 2014 بعد اجتماع بين نوري المالكي وقادة الكتائب المسلحة، ومن ثم ذهاب الكتائب إلى الفلوجة.

مرحلة ما بعد الفتوى: بعد ثلاثة أشهر من انطلاق عمل الحشد الشعبي أفتت المرجعية في النجف الأشرف ومن خلال خطبة الجمعة في 13 يونيو (حزيران) بوجوب الجهاد الكفائي، والذي دعت فيه كل من يستطيع حمل السلاح بالمشاركة في القتال إلى الانخراط في صفوف الأجهزة الأمنية الحكومية الرسمية.

مرحلة الإطار القانوني: شكّلت الأجهزة الأمنية والحكومة الغطاء القانوني لعمل قوات الحشد الشعبي حيث ما لبثت حتى وُضِعت هذه الدعوة في إطار رسمي عبر الإعلان عن تأسيس «مديرية الحشد الشعبي» لتطويع القادرين على حمل السلاح من جميع المحافظات العراقية.

في تعريفه يرى موقع (ويكيبيديا) أن «الحَشد الشعبيّ هي قوات نظامية عراقية، وجزء من القوات المسلحة العراقية، تأتمر بأمرة القائد العام للقوات المسلحة ومؤلفة من حوالي 67 فصيلًا، تشكلت بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وذلك بعد سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على مساحات واسعة في عدد من المحافظات الواقعة شمال بغداد، وأقر قانون هيئة الحشد الشعبي بعد تصويت مجلس النواب العراقي بأغلبية الأصوات لصالح القانون في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016».

المشروعية القانونية للحشد الشعبي:

استمدت قوات الحشد الشعبي مشروعيتها القانونية من خلال القانون الذي أصدره مجلس النواب العراقي بأغلبية الأصوات بتاريخ 26 نوفمبر 2016. وقد حدّد القانون هيكلية الحشد الشعبي وعمله وإرتباطاته وفق السياقات العسكرية الرسمية للدولة العراقية. جاء في المادة (1) أولًا: تكون هيئة الحشد (الشعبي)… تشكيلًا يتمتع بالشخصية المعنوية ويعد جزءًا من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. فهو جزء من القوات المسلحة العراقية الرسمية وارتباطه يكون ارتباطًا مباشرًا بالقائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس مجلس الوزراء العراقي حسب ما ورد في المادة (78) من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005.

أوضحت المواد الأخرى في القانون الهيكلية والسياقات العسكرية لعمل هذه الهيئة، حيث يتألف التشكيل من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة. ويخضع هذا التشكيل للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي، ما عدا شرط العمر والشهادة. إضافة إلى أنه يتم تكييف منتسبي ومسؤولي وآمري هذا التشكيل وفق السياقات العسكرية من تراتبية ورواتب ومخصصات وعموم الحقوق والواجبات.

وأهم فقرات القانون هي الفقرة التي نصّت على فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه. ويتم تنظيم التشكيل العسكري من هيئة الحشد الشعبي بأركانه وألويته ومنتسبيه ممن يلتزمون بما ورد في هذا القانون من توصيف لهذا التشكيل. إلّا أنّ الكثير من الفصائل ما زالت لم تفكّ ارتباطاتها السياسية والحزبية، وما تزال ترتبط بقياداتها المؤسسة لها بعيدًا عن القائد العام للقوات المسلحة ولا تلتزم بأوامره. فهي تلقي بياناتها وخطاباتها وفق ما تؤمن به من أيديولوجيات ولا تعتني بسياقات الدولة الرسمية، إضافة إلى أنها تقاتل خارج العراق في سوريا، بالرغم من رفض المؤسسة العسكرية الرسمية لذلك.

أقسام الفصائل المسلحة المنضوية في هيئة الحشد الشعبي:

كانت أغلب هذه الفصائل قد تأسست بعد سنة 2003 بدعوى «مقاومة الاحتلال الأمريكي»، ثمّ توسعت وانشقت على نفسها وتعددت ولاءاتها واتجاهاتها، فهي موجودة بالفعل قبل احتلال «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» لأجزاء من العراق، إلّا أنها كثرت ونضجت عسكريًا وتنظيميًا، وقد استولت على أسلحة ومقرات تابعة للدولة، وأسست فروعًا لها في كل مكان عسكرية منها واقتصادية، ولا ننكر أنها قد أدّت دورًا بارزًا في صدّ هجوم الدولة الإسلامية «داعش» ومعاونة القوات الأمنية في معارك التّحرير الخالدة. وهناك فصائل آخر تشكلت جديدًا بعد فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي. ويمكن تقسيم هذه الفصائل إلى قسمين رئيسين:

الأول: الفصائل العقائدية: وهي الفصائل التي تقاتل وفقًا لأيديولوجيتها الدينية وما تحمله من أفكار ومشاريع عابرة للحدود وترتبط ارتباطًا مباشرًا بمرشد الدّولة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، وتسير على نهجه ورؤاه ومتبنياته الفكرية، وهي نفسها متبنيات روح الله الخميني المتوفى سنة 1989، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بفيلق القدس الإيراني وقياداته. لا تؤمن هذه الفصائل بالحدود ومفهوم الدولة القومية الحديثة، إنّما تؤمن بأن هناك دار إسلام ودار كفر، وأينما يوجد مسلم في أي بقعة فهو ضمن دار الإسلام التي لا تحدّها الحدود حسب ما تعتقده هذه الفصائل وهو جزء من الدولة الإسلامية. وترتكز هذه النظرة على رؤى الخميني وتنظيراته لمفهوم الدولة الإسلامية والولي الفقيه القائد من خلال أطروحته الموسومة بـ«ولاية الفقيه».

نظرة سريعة على فكرة ولاية الفقيه:

الحكومة الإسلامية هي امتداد لله إن أقامها الولي الفقيه، وتضمن الفوز في الدنيا والآخرة مع حياة كريمة عزيزة. يقول الخميني في كتاب (الوصية الخالدة): «الإسلام والحكومة الإسلامية ظاهرة إلهية يؤمِّن العمل بها سعادة أبنائها في الدنيا والآخرة بأفضل وجه». وقد فصّل الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه) رؤيته حول الدولة الإسلامية والولي الفقيه الحاكم ومواصفاته ودليل شرعيته، ففي تصوّره أنّ ولاية الفقيه من الموضوعات التي يوجب تصورها التصديق بها، فهي لا تحتاج لأية برهنة، وذلك بمعنى أنَّ كلَّ من أدرك العقائد والأحكام الإسلامية – ولو إجمالًا – وبمجرد أن يصل على ولاية الفقيه ويتصورها فسيصدق بها فورًا وسيجدها ضرورة وبديهية. فالخميني يعتقد أن الولي الفقيه الجامع للشرائط التي يعتقدها هو الذي يمثل الله في أرضه ويمثل امتدادًا للرسالة والحاكمية وله الحاكمية المطلقية مثلما كانت للرسول من الناحية التنفيذية وليست الرّتبية.

بطبيعة الحال فإنّ مفهوم الدولة الاسلامية والولي الفقيه هو مفهوم أوسع من الحدود الإيرانية أو أية حدود أخرى، فهي رؤية مبنية على عدم وجود حدود بين الدول وأن الاسلام هو شرع الله وهو الذي يجب أن يحكم الكون في نهاية المطاف وطاعة الولي الفقيه هي من طاعة الله ولا يجب الخروج عليه أو عصيانه. ومن هذا المنطلق تنطلق هذه الفصائل التي تؤمن بفكر الخميني وتتبع الخامنئي في أيامنا هذه وتذهب للقتال أينما يرى الخامنئي ضرورة ذلك، ولا تحدّهم الحدود القائمة بين الدول تحت مفهوم (مشروع المقاومة)، وهذا يتضح من خطابات قادة الفصائل إذ إنهم يميزون ما بين الحشد الشعبي كمؤسسة حكومية عراقية وما بين فصائل المقاومة كفكر ومنهج ومشروع كبير ينطلق من الجمهورية الإسلامية في إيران ولا ينتهي، إلا حينما يحقق الهدف الأخير، وهو إقامة دولة العدل الإلهي كما يصطلحون.

فهذه الفصائل تنضوي بالحشد الشعبي وتنال كل المخصصات المالية والأسلحة والتدريب، ولكنها إذا ما اصطدمت في رؤى الحكومة العراقية تخرج من خيمة الحشد لتصرّح أنها مشروع مقاومة وتطلق على نفسها (فصائل المقاومة)!

الثاني: الفصائل المسلحة الوطنية: وهي الفصائل التي تؤمن بفكرة الدولة وتأتمر بأوامرها العسكرية، وليس لها مشروع أكبر من حجم العراق وغالبيتها تتبع مرجعية السيد السيستاني، إضافة إلى فصيل سرايا السلام التابع لمقتدى الصدر. فهذه الفصائل نطلق عليها تسمية الفصائل الوطنية ونقصد بالوطنية إيمانها بالوطن والدولة العراقية، ولا ترتبط بمشروعات خارجية، ولا نقصد سلوكها. وهي لا تشكل تهديدًا للدولة العراقية حسب ما نعتقد.

القلق من من مستقبل فصائل الحشد:

إنّ القلق، كل القلق، هو أن تتمادى الفصائل التي تؤمن بمشروع ولاية الفقيه أكثر مما يضر السيادة العراقية والسلم الأهلي، ويهدد الدولة العراقية الهشّة بأكملها. هذه الفصائل تملك الأسلحة بمختلف صنوفها وتملك تمويلًا خارجيًا، إضافة إلى استثماراتها وسيطرتها على مؤسسات الدولة، وخاصة الاقتصادية والتجارية، فهم لم ينتهوا من مشروع المقاومة وفقط، بل اخترقوا كلّ مؤسسات الدولة، وهم الأقوى عدّة وعددًا وتنظيمًا من الفصائل الوطنية، إضافة إلى سيطرتهم على المناصب المهمة في الهيئة.

إنّ هذه الفصائل قد استغلت الشرعية القانونية من خلال استخدام قانون الحشد الشعبي لمصالحها الخاصة، وأسست الدولة العميقة التي تدير العراق بكل مفاصله، والقلق بات يزداد من تجاوزها أكثر وأكثر مما يؤدي إلى سقوط هيبة القوات المتطوعة لمواجهة «داعش» من قلوب العراقيين من جهة واستغلال السلاح لتصفية الحسابات وتأسيس دولة العصابات بدلًا عن دولة المؤسسات من جهة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد