حينما نجعل من الفكر لغة حية لا يخلو بِنائها الداخلي من مشاعر عقلانية يتسامى بفضلها الإنسان فوق نفسه وفوق الإنسانيّة نفسها، حينها نكون قد ارتقينا بالذات البشرية إلى أعلى درجات السمو بما فيها الأنا والغير.

وحينما ندرك أيضًا أن ماهية الإنسانية ما هي إلا قيمة حتمية متجدرة بالأساس في إرادة أخلاقية يتجرد من خلالها الإنسان من ثوب الآلة المادية العمياء، حينها فقط يتناسب المعنى اضطرادًا مع كل ما يشير إليه كلمة إنسان. ومن هنا صار الأمر جليًا ما دام للإنسانية بعد يتجاوز كل القيود، فمن الحماقة اتهام الواقع بما يحصل فعليًّا، فهو لا يجعل من الإنسان إنسانًا بل الإرادة هي من تصنعه، وفي هذا السياق ينحصر المعنى في خيار وإرادة بدل القدر.

وهذا بالأساس ما يجعل الإنسان بطبيعته كيانًا حرًّا في انتقاء أن يكون إنسانًا أو لا يكون. ومن خلال هاته القيمة المعيارية الجوهرية تنبني وجهة نظر «أبراهام ماسلو» الذي يعتبر أن الخير متأصل في الإنسان، والفرد لديه دافع داخلي مستمر في النمو حيث يتمتع الإنسان بإمكانيات كبيرة.

في حين أن «أوجست كونت» جسد الإنسانية في مجموع الصفات التي تُكوِّن كائنًا اجتماعيًّا يتطور بفضلها مع مرور الزمن. أما «كانط» فالإنسانية لديه هي كل ما يعبر عن هدف الأخلاق، كما أنها أساس فكرة الواجب عند الإنسان. وهكذا اتخذت الإنسانية هنا منحى واحدًا ومفهومًا وحيدًا مهما اختلفت زوايا الرؤية التي تبناها عدة مفكرين، غير أن مفهومها يظل مركبا وذا تعقيد خاص، فهو لم ينحصر فيما سبق ذكره ليظل فضفاضا دائمًا، فالإنسانية بمفهومها الواسع تمنح البشر القدرة على التصرف، والله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان القدرة والخيارات حتى يتصرف بطريقة مثلى، لكي يحقق بها النجاح ويرفع من شأنه وقيمته من خلال احترامه وتحليه بالقيم الإنسانية في الإسلام؛ والتي تبلورت في: العلم، العمل، الحرية، الشورى، العدل والإخاء.

وكثيرًا ما تتغذى الروح من نبع القيم الإنسانية العليا المتعارف عليها؛ هاته القيم هي التي تجعل ممن يمتلكها إنسانًا حقيقيًا بمعنى الكلمة وليس تابعًا، ولن يبلغ أعلى المراتب إلا إذا تحولت قيمه إلى أفعال لتحرر عقله من حب الأنا دون حب الخير للآخر.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى فالإنسانية تلبس ثوبًا فكريًا زاخرًا بالمعرفة والأدب. فهي كذلك كلما ارتقى الإنسان بنفسه إلى مرحلة الإنتاج الفكري بما فيها العلم والفلسفة والأدب والفن…إلخ.

هذا يعطي الإنسان قيمته كإنسان بالمعنى الحرفي للكلمة، وهذا ما يشكل مدلولًا آخر للإنسانية؛ والذي يشمل كل إنتاج ثقافي أو معرفي أو علمي عبر التاريخ. وفي هذا الصدد نستحضر المفكر الأخلاقي والمصلح الاجتماعي والروائي الروسي «ليو تولستوي» والذي أكد على أن يكون الإنسان رحيمًا، لأن الرحمة تجمع بين البشر، وأن يكون أديبًا، لأن الأدب يوحد القلوب المتنافرة، وأن يتمرس بالفن والموسيقى لأن الأخيرة تنقذ القلوب من جراثيم الطمع والأنانية. لم يقف «ليو» عند هذا الحد فقط، وإنما سافر متعمقًا في فلك الإنسانية الرحب مضيفًا أن لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين.

من ناحية أخرى لم يعد مدلول الإنسانية مقتصرًا على وجهة آراء تتباين أو تتطابق، وإنما تجاوزت ذلك لتصير نبراسًا أساسيًا لفن حفظ الذات من خلال مبدأ «اعرف نفسك بنفسك»، فلكي يكون الإنسان إنسانًا لا بد أن يتعلم الفرد قبل كل شيء فن حفظ الذات والذي يتجلى في تعرف المرء على نفسه، فنسيان الذات وسوء فهمها وتحقيرها، لن ينتج لنا إلا احتقارًا تامًّا للغير بما فيها الأنا؛ فمن لم يكرم نفسه لن يكرم غيره.

وغير بعيد عن ما قيل سابقًا، يطل علينا «فتح الله كولن» من نافذة تنيرنا بسراج العقل، إذ يتناول بدوره الإنسانية بمعنى فكري دقيق، حيث يرى أن «العقل الفعّال» بصفة خاصة هو أساس الاختلاف بين ماهية الإنسان والحيوان، ويردف قائلًا: «الإنسان مطالب بأن ينمي ويبرز هذا الفرق الجوهري بينه وبين الحيوان». ويعتبر أيضًا أن الفكر سمة أخرى من أهم السمات الإنسانية.

ليس سهلا البتة حصر الإنسانية في معنى تنتهي بانتهائه أو تحديد كنهها في قالب خاص، بل هي بحر يصعب الغوص في أعماقه خوفًا من تضليل حقيقتها أو خلق أي لبس من شأنه ابتلاع جزء منها بين جوانبها المظلمة، لذا كان لزامًا احترام نزعة الخير والشر، إذ لا يمكن إطلاقا تصنيف أي كان في خانة إنسان إلا إذا كان الجانب الخير هو سمته السائدة فيه مضيئة بذلك أفعاله ومواقفه، فالإنسان الفاضل هو من لا يرى لغيره إلا الصلاح مرضاة لله عز وجل، ويحيى دائمًا على مبدأ لا يحيد عنه مفاده: «أحب لغيرك ما تحبه لنفسك» ويصير له شعارا وديدنا، حتى يتأتى له أن يكون بالفعل إنسانًا.

وهذا ما يحيلنا إلى سبل جديدة مبنية على آلاف التأويلات التي يمكن بلوراتها في نسق إشكال مفاده: هل يملك الجانب الخير في الإنسان سلطة فعلية في تحديد صفة الإنسانية فيتحلى بها شخص دون آخر؟ أم أن الإنسانية بعيدة كل البعد عن قوى الخير والشر باعتبارهما شيئًا نسبيًا لا يمكن الجزم به، فلا يوجد من يرقى بخيره ليكون ملاكًا طاهرًا، ولا أحد يسحبه شره لجحيم يتربع فيه شيطانًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
s