ترتبط دراسة الأخلاق ارتباطًا وثيقًا بدراسة حياة الفرد، وتأثير أفعاله على المجتمع ككل، لذا انشغل الفلاسفة بالبحث عن مصدر أخلاق الفرد، ورصد الدوافع التي تشكل أخلاقه في صورتها النهائية، بحثًا عن مذاهب أخلاقية ناضجة مكتملة البناء المنطقي، دون أن تغفل عن نوازع النفس البشرية.

ولذلك فقد دارت أغلب المناقشات الفلسفية حول الأخلاق، في إطار البحث في إنسانية الأخلاق سواء كان ترسيخًا للفكرة أو ضحدًا لها، ولعل أكثر ما ما أيد فكرة إنسانية الأخلاق، هو اتفاق الفيلسوف الصيني كونفوشيوس والفيلسوف اليوناني سقراط، على قدرة الإنسان على استبطان نفسه واستخراج القانون الأخلاقي من استفتاء ذاته، ومن ثم الاتجاه إلى سلوك الفضيلة من تلقاء ذاته.

فقد أعلنها سقراط قائلا أن الفضيلة علم والرذيلة جهل، فالإنسان لا يفعل الشر إلا عن جهل، ولكنه لو استبطن نفسه واستنطق ضميره، لأرشده إلى طريق الخير، وهو ما يتفق مع شرح كونفوشيوس بأنه ليس في استطاعة كل فرد أن يفرق في داخل نفسه بين قواعد الخير وقواعد الشر، فقط الأفراد الذين يمتلكون العلم والمعرفة، والحكماء الذين يعودون إلى أنفسهم وضمائرهم للتمييز بين الأفعال الخيرة والأفعال الشريرة.

وهذا ما يقودنا إلى البحث عن أسباب الفوضى الأخلاقية التي نعيشها في مجتمعنا اليوم، إذ إن تكاسل أفراد المجتمع عن البحث عن طريق الخير والفضيلة، يدفعهم بلا شك إلى الاتجاه إلى طريق الشر والسلوك الانحرافي.

ولا بد هنا من الإشارة إلى تطابق مقصد كل من بحث في إنسانية الأخلاق فلسفيًا أو اجتماعيًا، مع الشرائع السماوية التي تقر بمبدأ الثواب والعقاب، الذي هو يؤكد إنسانية الأخلاق ومسئولية الإنسان الكاملة، عن اختياره لطريق الفضيلة أو طريق الرذيلة.

إذن فإن المغزى الحقيقي للبحث في الأخلاق وبيان إنسانيتها، هو طرح النقاش حول تغيير سلوكيات الأفراد وتجميل أخلاق المجتمع، مع مراعاة الأحداث المتلاحقة والتغيرات الاجتماعية التي أثرت في السلوك العشوائي الذي ينتهجه أفراد المجتمع، ولن يتوقف تأثيرها عند ذاك الحد، بل إنها ستشكل تيارًا مضادًا لتيار التغيير الأخلاقي المنشود.

وهنا يلزم علينا تثقيف الفرد الذي هو نواة المجتمع، بما يؤدي إلى إعادته إلى جوهره الحق وفطرته الإنسانية، فيرجع إلى طبيعته الأصلية التي تؤهله لتهذيب ذاته، وذلك دون أن نغفل الاهتمام بالجانب العملي، الذي يتمثل في القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يجد الفرد لزامًا عليه اقتناؤها، طبقًا لماهيته التي تم إدراكها، وهو الأمر الذي سيدفعه حتما إلى تطبيقها في علاقاته مع الآخرين، من أجل الوصول إلى الرجل الفاضل الذي هو نواة المجتمع الفاضل الذي نسعى إليه.

إلا أن المعضلة الأصعب في إنسانية الأخلاق، ليس في الإقرار بصحة القاعدة، إنما في طريقة تطبيقها، وهو الأمر الذي وجد خلافًا كبيرًا في أوساط الفلاسفة والحكماء في عصرنا هذا، إذ أن المغالاة في التمسك بالحرية الشخصية شكل عائقا كبيرا في طريق الإقرار بإنسانية الأخلاق، ودفع الفرد نحو استفتاء نفسه ومن ثم اختيار طريق الفضيلة، في حين أن الخطر الناتج عن عشوائية أخلاق أفراد المجتمع، أكبر بكثير من أي سلبيات قد تنتج عن محاولة رسم الطريق الذي يؤدي في النهاية إلى بناء مجتمع فاضل.

إذن فإن الطريق نحو ذلك المجتمع الفاضل، لن يبدأ سوى بتدخل حاسم لتشكيل نواة ذلك المجتمع، من تغيير سلوكيات أفراده العشوائية، والعمل الجاد نحو إلزام الفرد بمراجعة إنسانيته واستفتاء نفسه قبل الإقدام على أي فعل، حتى وإن تطلب الأمر وجود سلطة إلزامية مدنية، يكون غرضها الأساسي تدريب أفراد المجتمع على ممارسة الفعل الأخلاقي، حتى يصبح سلوكًا اعتياديًا لكل أفراد المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد