إن شعلة الحب في القلب لا تنطفئ حرارتها، وفي سماء الحب لمع الصوفية فأنشدوا في الحب أدبًا سيخلد في التاريخ ما بقي الجمال والفن في دنيا الناس، وفي كتابه (الثورة الروحية في الإسلام) يورد أبو العلا عفيفي أقوال بعض الصوفية في تعريف الحب فيذكر منها قول عبد الله القرشي فيقول: إن «حقيقة المحبة أن تهبَ كُلَكَ من أحببت، فلا يبقى لك منك شيء»، ويقول الشلبي «سميت المحبة محبة؛ لأنها تمحو من القلب كل ما سوى المحبوب»، هذا ويعبر ابن عربي عن التصوف فيصفه بدين الحب فيقول:

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجهتْ

ركائبه فالحب ديني وإيماني.

 

والحب الذي يقصده الصوفية هو حب الله، فهو أشرف أنواع الحب وأعظمه، كما أنه مقصد وهدف هؤلاء العبّاد الزهّاد المتصوفة، فكل محبٍ لله يسمى صوفي، وليست منزلة المحبة تختص بقوم غير هؤلاء القوم، فالمحبة هي المزية التي يمتاز بها هؤلاء الصوفية، يقول زكي مبارك في كتابه (التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق): «ما أعرف كلمة من أسماء المعاني شغلت الصوفية، كما شغلتهم كلمة الحب، ويكفي أن نتذكر أن أناشيد الصوفية تدور كلها حول الحب، وأن التصوف لا يصلح إلا بالحب، ولا يفسد إلا بسبب الحب، فالحب هو الأول والآخر في حياة أولئك الناس».

كما يوضح د. عبدالحليم محمود شيخ الأزهر وشيخ الصوفية في عصره، أن الناس لا يستحقون لقب الصوفي إلا إذا وصلوا في عبادتهم لله إلى مرتبة المحبة، يقول رحمه الله في كتابه (قضية التصوف المنقذ من الضلال): «إن للعبادة أثر لا ينكره أحد في تصفية النفس وتزكية الروح، ولكنها إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى دخول الجنة ونيل الأجر والثواب بقيت عبادة مشكورة مأجورًا صاحبها، مثابًا عند الله، ولا يتجاوز القائم بها على هذا الوضع وبهذه الصورة، وصف العابد إلى وصف الصوفي.. أما الصوفي فإنه يريد الحق الأول، لا شيء غيره، ولا يؤثر شيئًا على عرفناه وتعبده له، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه، لا لرغبة أو رهبة» كما أنه يستشهد لذلك بقول رابعة العدوية – وهي من طبقة الزهّاد في الصوفية – تقول رحمها الله: « إلهي إذا كنت أعبدك خوفًا من نارك، فاحرقني بنار جهنم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمنيها، وأما إذا كنت أعبدك من أجل محبتك، فلا تحرمني يا إلهي من جمالك الأزلي».

ويوضح عباس العقاد هو الآخر هذه المزية الخاصة بالصوفية، فيصفهم بالفرد المثالي فيقول في كتابه (التفكير فريضة إسلامية): «إن المزية الصوفية الخاصة هي ميزة الإيمان بالله على الحب لا على الطمع في الثواب أو الخوف من العقاب والحساب، ومثلهم في ذلك مثل الفرد المثالي في بيئته الاجتماعية، فإن الناس عامة يقتنعون بواجبهم الاجتماعي الذي لا يجاوز الحذر من مخالفة القانون والأمل في خيرات المجتمع، ولكن الفرد المثالي يخدم البيئة الاجتماعية بباعث من الغيرة التي لا تنظر إلى الجزاء».

ويضيف العقاد «وكذلك الصلة بين الصوفي وربه، إنما هي صلة قائمة على المحبة لا على مجرد الطاعة لأوامره والخوف من نواهيه».

• التصوف ومرتبة الخلة

هذا وقد ذهب زكي مبارك في كتابه (التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق)، وأحمد أمين في كتابه (ظهر الإسلام) إلى أن السيدة رابعة العدوية هي أول من تكلم في الحب الإلهي، وتبعهم في ذلك عبدالرحمن بدوي، إلا أن بدوي قد ذهب برابعة إلى مرتبة أعلى من ذلك، فقد تحدث أنها وصلت في حب الله إلى مرتبة الخلة (وبدوي في هذا الرأي يتبع أبو طالب المكي)، ومرتبة الخلة هذه عند بدوي (وبعض المعاصرين) تقتضي إسقاط التكاليف، فيصير الواصل لتلك المنزلة إلى استحلال الحرمات وتسقط في حقه تكاليف الشرع، كالصلاة والحج والصوم، يقول بدوي في كتابه (شهيدة العشق الإلهي): «إذًا شاركت رابعة صديقها رياحًا القيسي في القول بمقام الخلة، فيجب أن نُدخل ذلك في نظريتها في الحب»، ثم يوضح بدوي مقتضيات منزلة الخُلة فيقول: «والصوفي إذا بلغ منزلة الخلة هذه بينه وبين الله سقطت عنه التكاليف، واستباح لنفسه ما لا يُبيحه الله لغيره من الناس؛ لأن كل ما في الدنيا ملكٌ لله، وبالنسبة لله ينتفي معنى الحلال والحرام، فكلٌ حلٌ له».

ويستند بدوي في رأيه هذا على الروايات التي تُنسب إلى رابعة في كلامها عن الحج، فمما نُسب إلى رابعة، تلك الرواية التي تقول فيها عن الكعبة الشريفة إنها الصنم المعبود: «قيل عن رابعة إنها حجت فقالت هذا (أي البيت الحرام) الصنم المعبود في الأرض، وإنه ما ولَجَهُ الله ولا خلا منه». كما أن هناك رواية أخرى ذكرها فريد الدين العطار واستند عليها بدوي في دعواه، فيروي العطار قائلًا: «يُروى أنّ رابعة كانت بسبيل الحج فرأت الكعبة قادمة نحوها عبر الصحراء، فقالت: لا أُريد الكعبة بل ربّ الكعبة، أما الكعبة فماذا أفعل بها، ولم تشأ أن تنظر إليها». ثم يُعقب بدوي على هذه الروايات فيقول: «فها هي ذي رابعة قد أَمْحَتْ في نفسها صورة الكعبة لأنها تريد أن تجد من أقامها (أي الله)، وبهذا تطور المعنى الحسي للحج لديها، فأصبح مجرد مناسبة لرؤية الله تعالى، بل صار في وسعها أن تستغني نهائيًا عن هذه الفريضة؛ لأنها ستجد الله في نفسها، فما حاجتها بعدُ إلى مشاهدته عند الكعبة».

والشيء الذي أضافه بدوي هنا، هو توضيح مسألة تطور الحج لدى رابعة واعتبر أقوالها في الحج، صورة أولية لمَ ستكون عليه شطحات الصوفية من بعدها.

· رجال التصوف يتبرءون

أما مسألة إسقاط التكاليف هذه فقد شغلت بال كثير من رجال التصوف، وقد تصدى لها في القديم والحديث رجال حرروا التصوف الإسلامي من القول بها، وتبرءوا من نسبتها إليهم، وهنا سنقتصر على ما قاله د. عبدالحليم محمود حتى لا نطيل؛ قال رحمه الله موضحًا موقف الصوفية من تلك المسألة: «إنّ غرضنا الآن، إنما هو بيان موقف الصوفية من مسألة إسقاط التكاليف الشرعية، وهي مسألة لم يبتدعها من يزعمون التصوف في العصر الحديث، وليس لهم حتى فضل السبق في الباطل – إن كان السبق في الباطل له فضل – إنما هي ضلالة قديمة نشأت في أوساط متحللة انتسبت إلى التصوف انتسابًا باطلًا، وحاربها ممثلو التصوف في كل عصر وفي كل بيئة».

ولكن إذا كان هذا موقف المتصوفة من مسألة إسقاط التكاليف، فما السبب الذي جعل بدوي يقول بأن رابعة بلغت منزلة الخلة، وهذه المنزلة تقتضي عنده إسقاط التكاليف؟ إذًا فإن رابعة العدوية حسب منطق بدوي هذا قد شاركت صديقها رياحًا القيسي في القول بمقتضيات مقام الخلة، فتكون بذلك ممن نادوا بإسقاط التكاليف، وبذلك تكون رابعة من الذين انتسبوا إلى التصوف بالباطل حسب كلام د. عبد الحليم محمود السابق.

وهنا يجب أن ينتبه الباحثين في التصوف الإسلامي إلى مسألة هامة، حتى لا يقعوا في خطأ الحكم على التصوف عمومًا، أو حتى لا يقعوا في خطأ الحكم على شخصيات صوفية – كرابعة – فيتهموهم بأنهم منتسبون إلى التصوف بالباطل، وهذه المسألة هي مسألة الشطح الصوفي وكيفية التعامل معه، والشطح في اصطلاح الصوفية يُعرّفه السرّاج في كتابه (اللمع) فيقول: «هو عبارة مستغربة في وصف وجدٍ فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته».

وقول السراج هو عبارة مستغربة يَقصد به أنه كلمة ظاهرها مستشنع عند الجاهل بأسرار السالكين وباطنها مستقيم في نظر العارف بطريق السالكين، كما أن قوله: «في وصف وجدٍ فاض بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته» يعني به أن الصوفي في تلك الحالة يكون في حالة سكر روحي أو نشوة روحية يفقد فيها الشعور بنفسه، فالصوفي في تلك الحالة يصف حالة وجده وحالة اتصاله بالله تعالى وهو فاقد للشعور بنفسه، وهذه الحالة تكون شديدة على النفس، فتضطرب لها نفس الصوفي اضطرابًا يجعله يعبر عنها بمعانٍ ظاهرها مستقبح وباطنها مستقيم.

وهنا يقع اللبس عند كثير من الذين يأخذون الألفاظ الشطحية على ظاهرها فنجدهم يقعون في خطأ الحكم على الصوفية، أو ينسبون إليهم أقوالًا نرى الصوفية يتبرأون منها، وهذا ما وقع فيه بدوي، فنراه قد أخطأ وأخذ ظاهر كلام رابعة في الحج؛ ومن ثم اعتبرها ممن نادوا بإسقاط التكاليف الشريعة.

أما كيفية التعامل مع الشطحات الصوفية، فنرى السراج يفرق بين حالين، حال السالك في طريق المتصوفة، وحال الجاهل بطريقهم، فالأول منهما له الحق في التعامل مع الألفاظ الشطحية وأن يتكلم في حق صاحبها، أما الثاني فالسلامة له أن يتوقف عن التعامل معها وأن يكل أمر صاحبها إلى الله، وفي ذلك يقول: «وليس لأحد أن يبسط لسانه بالوقيعة في أوليائه ويقيس بفهمه ورأيه ما يسمع من ألفاظهم وما يشكل على فهمه من كلامهم؛ لأنهم في أوقاتهم متفاوتون وفي أحوالهم متفاضلون».

ويضيف السراج: «فمن بان شرفه وفضله على أشكاله بفضل علمه وسعة معرفته فله أن يتكلم في عللهم وإصابتهم ونقصانهم وزيادتهم، ومن لم يسلك سُبلهم ولم ينحُ نحوهم ولم يقصد مقاصدهم فالسلامة له في رفع الإنكار عنهم وأن يَكِلَ أمورهم إلى الله تعالى».

وإذا ذهبنا إلى ابن خلدون فنجده هو الآخر قد حدد منهجًا للتعامل مع الشطحات الصوفية وخلاصته هو اعتبار حال الشخص الذي تصدر منه تلك الألفاظ إن كان معروفًا بالفضل والصلاح أو كان معروفًا بغير ذلك من الصفات المذمومة، وفي ذلك يقول كما في المقدمة: «أما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع، فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطب والمجبور معذور، فمن علم منهم فضله واقتداؤه حُملَ على القصد الجميل من هذا وأمثاله… ومن لم يُعلم فضله ولا اشتهَر فمؤاخذٌ بما يصدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد