الريف والمركز والانفصال وسوء الفهم الذي لا ينتهي

حينما التحقت بالرباط لأتابع دراستي الجامعية، كُنتُ من باب الفضول أسأل معارفي الجدد عن عدد الريفيين الذين عرفوا أو صادفوا في حياتهم، وغالبًا ما تكون إجابتهم أنني الريفي الوحيد الذي عرفوا طوال حياتهم (معظم معارفي حينها بين العشرين والثلاثين عامًا)؛ وحتى الذين كانوا يقولون إنهم يعرفون غيري فإنهم كانوا يشيرون إلى أفراد معدودين صادفوهم في فترات متقطعة من حياتهم (أستاذ/ جيران…)، وبالتالي فإن معرفتهم بفرد من منطقة الريف لا يصل إلى درجة القول بوجود تعارف فعلي، وبالأحرى القول بوجود معرفة وتعارف مع «الريفي» الجماعة.

أمام هذه التجربة التي وجدت نفسي خلالها كمعدن نادر، كُنتُ أطرح أسئلة أحاول من خلالها استجلاء الصورة النمطية أو التمثلات التي ترسبت وتكلست في المخيال الشعبي المغربي، وأقول المغربي لأن الرباط تعتبر محجًا لطلبة وأُناس من مختلف مناطق المغرب.

كانت ردودهم عن سؤال ماذا يعرفون عن الريف والريفيين صادمة، لطرافتها أحيانًا وغرابتها المطلقة أحيانًا أخرى، لا زلت أتذكر أحدهم وهو يقول إن جده أخبره أن الريفيين «فيهم المعقول إلى درجة أنك إذا ما وعدته ولم تف بوعدك من الوارد جدًا أن يقطع رأسك!»، صورة تُظهر الساكن في جبال الريف كالساكن الأدغال حيث لا قانون. أما آخر، فإنه سمع فيما سمع، أن الريفي إنسان في حالة ثوران دائمة (معصب) ومن الوارد جدًا أن يثور في وجهك وأن يتشاجر معك لأتفه الأسباب، وكأن الإنسان في الريف نسخة مصغرة عن ثور هائج ينطح بلا سبب. ومثل هذه التمثلات وغيرها عن شخصية الريفي في المخيال الشعبي المغربي عدد الباحث محمد سعدي الكثير منها (انظر: مجلة الربيع، عدد 09/2018، ص 118).

هذه التمثلات العجائبية عن الشخصية الريفية ومزاجه لا يقل غرابة عنها التمثلات التي تتصور حياته الاقتصادية، فأهل الريف عندهم متساوون في الغنى والرفاه كتساوي غيرهم في الفقر والهشاشة، وكقول صديق إن كان الخليجيون يملكون حقول النفط، فإن الريفيين في نظره يملكون حقول القنب الهندي (الكيف) التي تدر على الواحد منهم الملايير من الدراهم عند كل موسم. وهذا طبعًا غير صحيح تمامًا، فمناطق زراعة الكيف محدودة في المنطقة، والفلاح الذي يزرعه رُبما أفقر من الفلاح في سهول الغرب المغربي، لأن قيمة الكيف ومشتقاته تتضاعف عند الموزعين والبائعين والمهربين، لا عند الفلاح البسيط. وإذا كان هذا تصورهم للمستوى الاجتماعي للساكنة، فإنهم يتصورون الريفي على المستوى السياسي في حال تمرد دائمة بغية بلوغ الاستقلال بنفسه، أو لنقل بلُغتهم ينزع إلى الانفصال عن المغرب. وهذه الفكرة أيضًا ليست صحيحة؛ لأن تصريحًا هُنا أو هناك لشخص أو اثنين ينتمون للريف يُطالبون بهذا المطلب مؤخرًا، لا يعني أنه ظاهرة قابلة للتعميم على ساكنة الريف، كما يفعل المخزن اليوم. إن التمثلات التي سبق ذكرها هي مجرد عينة ظلت عالقة بذهني من تلك الفترة، وهي بالمئات لمن أراد إحصاءها مباشرة من أفواه الناس عامتهم وخاصتهم في الرباط وغيرها من مدن الداخل (محور فاس مراكش).

مما يُمكنه القول هُنا، هو أنني استنتجت خلال تلك الفترة، أن عموم المغاربة لا يعرفون شيئا عن إخوانهم في الوطن ساكنة الريف؛ كل ما يعرفونه هي بقايا تمثلات عن المنطقة وساكنتها تراكمت على مدى قرون من الزمن، معظمها –حتى لا أكون إطلاقيًا – غير صحيح. ولم يشكل ذلك حينها أي مشكلة، حتى أنني لم أكن أعمل على تصحيح تلك التصورات أصلًا، بل أكتفي بالاستماع والضحك. غير أن انطلاق حراك الريف جعلني أعيد النظر في الأمر، فالخزان التمثلاتي خاصة في مستواها السياسي، ليس مُجرد مادة للضحك؛ بل هو سلاح فتاك.

عادت التمثلات الخُرافية المذكورة وغيرها من مناطق سحيقة في الوعي لتطفو على السطح، باعتبارها كل ما يعرفه المغاربة عن إخوانهم في الوطن من الريفيين، لتصبح ليس مجرد تمثلات وحسب؛ بل نموذجًا نظريًا به يحللون الأحداث التي تردهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من مناطق الحراك وتصرفات قادته. لن أبالغ إن قلت إن الممسكين بزمام القرار السياسي والأمني في الرباط ليسوا بعيدين عن هذه التمثلات، أي أنهم أنفسهم باعتبارهما أبناء لنفس المخيال الشعبي ضحايا لهذه التصورات التي تحجب عنهم رؤية الواقع بعين أخرى، غير عين التمثلات. لكن سواء كانوا ضحايا لهذه التمثلات، أو أنهم يعرفون الريف فعليًا كما هو بمشاكله ومطالبه، فإنهم لاحظوا بذكاء، وبشكل مبكر، قوة هذه التمثلات وسعوا عبر مواقع إخبارية باهتة (شوف تي في وكواليس وغيرها) وجرائد ورقية صفراء (الصباح و الأحداث المغربية) إلى تضخيم تلك التمثلات، وإخراجها من حيز الشفهي إلى حيز المكتوب، حيث مقالات رأي، وأخبار تؤسس لقصص وحكايات وتواريخ وعلاقات تؤكد تُعيد إنتاج نفس التمثلات في قالب إخباري. ففي الوقت الذي كان فيه المواطن البسيط في ساحات الريف يحتج بطريقة عفوية كانت الآلة الإعلامية تفسر كل فعل منه بالاستعانة بالصور النمطية التي تأسست على مدى قرون من الزمن لشيطنته. فالحديث بالريفية في التجمعات تم تصويرها نزعة شوفينية في الوقت الذي كان الجمهور كله يتحدث الريفية ولا حاجة معه إلى الدارجة، وأعلام إمارة الجهاد التي أسسها الخطابي التي كانت تُرفع اعتبرت حلمًا بإعادة جمهورية، في الوقت الذي كان فيه معظم حامليها يعتبرونها رمزًا للمقاومة وجزءًا من التاريخ المشترك لهذا الوطن.. وغيرها من الأحداث التي أسيء تأويلها عمدًا، وذلك مثَّل نجاحًا للمخزن، إذ استطاع تشويه الحراك باستعمال تلك التمثلات، وبالتالي تحوير النقاش العمومي من مطالب حقوقية عادلة ومشروعة إلى نقاش حول الانفصال ومؤامرة ضد الوحدة الترابية وغيرها من التهم التي يُحاكم بسببها نشطاء الحراك.

يبقى في هذا المستوى البحث عن جذور هذه التمثلات، أي من كيف تكونت هذه التصورات الجامدة عن الريف والريفيين في المخيال الشعبي المغربي؟ وبالضبط فيما يتعلق بالتمثلات ذات الحمولة السياسية. وفي هذا الصدد أقول بكل صراحة أنني لا أمتلك أي إجابة عن هذا السؤال حاليا، إذ إن الأمر يحتاج لبحث أكاديمي أكثر منه مقال رأي، لكن ما أنا متأكد منه أن هذه التمثلات لا تعود إلى فترة تأسيس الخطابي لجمهوريته/إمارته وما تلاها من شيطنة للخطابي على يد الاستعمار والمخزن على حد سواء، كما يُحاول الأستاذ محمد أونيا أن يفهمنا في كتابه المهم «عبد الكريم الخطابي وأسطورة الانفصال».

يُدافع الأستاذ أونيا على طول الكتاب عن فكرة أن الخطابي أسس إمارة جهاد ضد الاستعمار لا أقل ولا أكثر، وأن جميع الوثائق الرسمية لإمارة الخطابي، في نظره، لا تؤكد فكرة أن الخطابي أسس جمهورية سياسية، بل إن كل الوثائق التي تُظهر الريف كجمهورية هي وثائق أجنبية لمستثمرين كانت لهم مطامع اقتصادية في المنطقة، وهكذا يصل إلى خلاصة هي أن الانفصال «أسطورة» لم يأتها الخطابي، بل تهمة استثمرها المخزن. وبطبيعة الحال الأستاذ أونيا لم يُلق بهذه الخلاصات على عواهنها بل استعان على إثباتها برصيد وثائقي مهم وعقل نقدي واضح. لكن ما يُهمني هنا ليس تأسيس الخطابي لجمهورية أو إمارة، أو انفصاله عن المغرب من عدمه، بل ما يُهمني هل تهمة الانفصال التي تلاحق الريفيين وليدة هذه الفترة (الإمارة)، وبالتالي محاولة نفي التهمة عن الريف الحالي يستدعي إثبات أن الخطابي لم يكن انفصاليا كما فعل الأستاذ؟ أم أن تلك التمثلات وليدة فترة سابقة على الإمارة الخطابية، وبالتالي نفي تهمة الانفصال عن الخطابي لن تغير شيئًا من التمثل السائد عن كون الريفيين انفصاليين.

إنني أميل إلى القول إن هذا التمثل الذي أصبح اليوم تهمة، وأقصد الانفصال، وليد فترة أسبق عن فترة الخطابي، وما تم مع الخطابي هو نفسه ما تم مع الحراك، أي تمت شيطنته باستخدام تمثلات موجودة سابقا، عن المنطقة وأهلها. لا أملك الكثير من الأدلة على هذا التمثل، لأنني كما قُلت الأمر يحتاج إلى بحث أكاديمي لا مقال رأي، لكن على الأقل تكفي العبارة التي وردت عند الضعيف الرباطي، الذي توفي عقودًا قبل ميلاد الخطابي نفسه (حوالي 1820)، وهي عبارة يتردد فيها صدى التمثل الذي يرى أن فعل مُخالف للسلطة المركزية من طرف ساكنة الريف هو بمثابة نزوع للاستقلال أو الانفصال. يقول الضعيف: «وخرج السلطان من فاس بالحركة لأهل الريف لأنهم استقلوا بأنفسهم (…)» (من كتاب تاريخ الدولة السعيدة، ص385)، يقول إنهم استقلوا بأنفسهم رغم أن القضية في الأصل قضية متعلقة ببيع الزرع للنصارى، وهي صحيح قضية سياسية بسبب منع المخزن بيع الزرع للأجانب في تلك الفترة؛ إلا أنها لا ترقى إلى درجة أن يُعتَبَر ذلك استقلالًا، أو بعبارة أدق انفصالًا بلغة معاصرة. لكن التمثل الذي نتتبعه هُنا يُشير إلى أنها تم دائمًا النظر إلى أي فعل مخالف لأوامر السلطة المركزية في هذه المنطقة باعتباره نوعًا من الاستقلال والانفصال كما سبق القول.

يهمني أن يذهب أحد المتخصصين في التاريخ بالبحث والتنقيب في هذا الموضوع بشكل أوسع، إلى درجة تسمح بفهم علاقة الريف بالمركز من خلال فكرة المتخيل المغربي عن منطقة الريف، أي من خلال فكرة سوء الفهم النابع من المركز ضد المنطقة، المتخيل الذي حكم علينا أن نكون دائما مثار شك وريبة من طرف عامة المغاربة وخاصة المخزن عند كل سلوك احتجاجي عادي. وهذا الأمر سيفتحنا أمام تفسيرات أخرى للراهن الريفي، يلغي السردية التي أصبحت مُتداولة جدا اليوم، وهي سردية أن علاقتنا بالمركز علاقة صدام تبدأ مع جمهورية الخطابي مرورًا بانتفاضة الريف وأحداث متفرقة في سنوات الرصاص ثم حركة 20 فبراير (شباط) بالمنطقة وانتهاء بحراك الريف، وكأن علاقة المخزن بالريف بدأت سنة 1921، وهذا غير صحيح طبعًا.

وهذه الإشارات التي نُلقيها هُنا تجعل مما ذهب إليه الأستاذ محمد أمزيان في كتابه «لعنة عبد الكريم» فهما مقلوبا للواقع، إذ أننا نعتبر الخطابي نفسه ضحية لكونه ابن المنطقة، وليست لعنة كونه هو ريفيًا ما جعلنا مهمشين في هذه الجبال القصية، وكذلك أرى محمد نرحاج سلام وناصر الزفزافي، هم جميعًا ضحايا للعنة الريف، أي ضحايا لتلك التمثلات التي سكنت المخيال الشعبي المغربي عن منطقة الريف، والتي نظرت دائمًا إلى أي حركة تحررية أو احتجاجية باعتبارها حركة انفصالية، سواء صرح بذلك أو لم يفعل، سواء أنكر ذلك أو لم ينكر. وإلى أن نستطيع أن ندرس التمثلات التي تحدثنا عنها دراسة أكاديمية من جوانب مختلفة، حين ذاك، وفقط حين ذاك، سنستطيع أن نُظهر لإخواننا في الوطن، أن الريف الذي في أذهانكم ليس هو الريف في الواقع، وأن الريفي الذي تعتقدون بوجوده لم يكن موجودًا يومًا، وأن كل ما يُريده هذا الإنسان الساكن في هذه الجبال هو العيش بحرية وكرامة في ظل عدالة اجتماعية لا أقل ولا أكثر، وهي مطالب فيما أعتقد لا تختلف عن مطالب أي إنسان حُر في أي منطقة من مناطق المغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s