لا شك في أن عملية فهم الأنا  لزخم الموجودات التي تحتويها التجربة الإنسانية، لا يمكن أن تتم خارج سيرورة التأويل، فإذا وقع نظري على موضوع ما، وتمكنت من التعرف على هذا الموضوع معتقدا أن معرفتي له أمرا في غاية البداهة، سيكون اعتقادي متنافيا مع الحقيقة القائلة بعدم وجود معرفة بديهية، بما أن فعل التعرف يستدعي بالضرورة استرجاعا للنماذج المخزنة داخل المدرك البشري، التي وإن انتفى وجودها فلن تكون معطيات الوجود سوى موضوعات سديمية ممتدة خارج المعنى.

لقد استطاعت الأنا والحال هذه التعرف على الدال من خلال توالي رؤيتها لمجموع الدوال التي تعين الموضوع نفسه، حيث انتقلت  به من حالة الغموض، إلى حالة الألفة، متخدا شكل صورة ذهنية مخزنة داخل المدرك، تبدي استجابتها في حال وجود مثير .

فإذا انطلقنا من فكرة أن العالم هو نص كبير أودع بعضا من رموزه و تمثلاته في النصوص بوعي أو غير وعي من الكائن الإنساني الذي ألفها، فلا يمكن للنص أن ينتج المعنى بمعزل عن الإحالات الرمزية و الاستعارية التي تتشكل و تتشاكل داخله لتترك المجال رحبا أمام إمكانات التأويل، ” فكل شيء يوجد داخل النص، فالنص بؤرة التمثيل، و سند لمنطق الإحالة و انسجام العناصر   و تناظرها وكل شيء يوجد خارجه، فعناصر النص تهاجر نحو أقاليم أخرى بحكم التجاور و الإحالات الرمزية و التفكر و التلميح، لا يمكن صياغة خطاب عن الأبيض دون إسقاط آخر يخص الأسود، ولا يمكن الحديث عن الأفراح دون أن يلوح في الأفق ما يحيل على الأحزان. “1

من هذا المنطلق صاغ ساندرس بيرس تصوره عن السيميوزيس، أي سيرورة إنتاج الدلالة بالمعنى البورسي للكلمة، إذ بها يتحقق وجود العلامة التي لا ثابت داخلها إلا المتحول، ضمن عملية انبعاث لا تعرف التوقف، يشكل المؤول داخلها الوسيط الذي يولد العلاقة بين الماثول و الموضوع، من قلب التراكمات التي تخلق تمثلاتنا عن العالم و الوجود .إذ ” يمكن تحديد المؤول بأنه مجموع الدلالات المسننة من خلال سيرورة سيميائية سابقة و مثبتة داخل هذا النسق أو ذاك، و بعبارة أخرى أنه تكثيف للممارسات الإنسانية في أشكال سيميائية يتم تحيينها من خلال فعل العلامة”2

ينطلق هذا المؤول من مستوى أول يطلق عليه بيرس صفة مؤول مباشر، تقوم وظيفته بتعيين موضوع الماثول استنادا إلى معرفة أولية لا تتعدى تخوم التعرف على الموضوع، من خلال التقاط المؤشرات المباشرة التي تميزه عن باقي الموضوعات، أي تحدد صفاته المتعارف عليها، لتلتقطها الذاكرة المشتركة، ثم ينتقل هذا المؤول إلى مستوى ثان يتجاوز المعرفة المباشرة ليؤثث فضاء مليئا بالتأويلات المنتجة لسيرورات مختلفة من الدلالات، باختلاف نمط تفكير المدرك الفردي .

إن هذا المؤول الديناميكي هو ما يحرر العلامة من ربقة الوصف والتعيين في اتجاه التأويل و إنتاج المعنى، التي لا يوقفها ولو بشكل مؤقت، إلا مؤول نهائي ضمن مستوى ثالث يحد من تدفق الدلالات التي تتيحها الديناميكا، أي الانتقال بالعلامة من سديمية التيه إلى حيز التمركز، و من ارتياب التسيب إلى طمأنينة الاستقرار، ” إنه الواقع الذي تولده العلامة في الذهن، بعد تطور كاف للفكر”3.

هكذا تستقر العلامة عند مؤول نهائي، بعد سلسلة من المعارك، تتصارع داخلها الدلالات و يزيح بعضها بعضا لأجل البقاء، ” فليست علاقة التأويل بالنصوص و المعاني، علاقة تأمل و نظر، إنها و منذ البدء علاقة استحواد و عنف “4 على حد تعبير عبد السلام بن عبد العالي .

إن السيميوزيس كما صاغها بيرس هي التحقق النسبي لكينونة العلامة المحدد بسياق مرجعي يحتوي هذه العلامة داخل كنف العادة، مقابل اللاتحقق المطلق الذي ينفلت بين دوائر هرمسية، تأبى الركود و الاستسلام أمام انفجار المعنى، أي أن ” السيميوزيس لا متناهية في المطلق، إلا أن غاياتنا المعرفية تقوم بتأطير و تنظيم و تكثيف هذه السلسلة غير المحددة من الإمكانات”5.

بما يؤكد أن السيرورة الدلالية تشتغل وفق نمطين مختلفين و متكاملين، في آن الوقت، من حيث هي المحدد داخل الممتد، و التحقق داخل اللاوجود، و النهاية داخل متاهات اللانهائية .”إن النص أو الخطاب كبديل عن الإنسان أو التمثل أو المدلول، لا يحيل إلى شيء آخر، سوى إلى ذاته محققا بذلك مرجعيته الذاتية، و يحيل دوما إلى نفسه في سيرورة لانهائية.  ليكتسب من وجوده الذاتي التأويلات الممكنة و غير المحدودة، إذ يستمد إشعاعه من مادته و من بنيته الشكلية، و من الأجواء الرمزية التي تتحرك فيها علاماته، وليس له خارج هذا الإطار أي مرجعية تشده و تحدد وجهة دلالاته ”6.

إن النص بهذا المعنى يدفعنا إلى التساؤل، هل من سبيل إلى الوقوف عند قصد أصلي للنص ؟ أم أنه لا وجود لمقاصد أصلية داخل النصوص، وما نعتبره كذلك هو في حقيقة الأمر محض تأويل، أي لا وجود لحقائق، هناك فقط تأويلات كما تقر فلسفة نيتشه، و من ثمة فإن محاولة البحث داخل جينيالوجيا المعنى، ستقودنا بلا ريب إلى استنتاج عدم وجود معطى أول أو معنى أول ننطلق منه في اتجاه معان فرعية، فلا يشكل التطور انتقالا من أدنى إلى أعلى، كما لا يشكل النكوص عودة إلى بدء، إنما هذا التحول الذي لا يعرف الثبات، هو ما يجعل العلامة تصل أعلى مستويات اللذة .

إن هذا التصور ينفي إمكانية الوصول إلى قصد أصلي كما ذهب إلى ذلك كل من شلايماخر و دلتاي مؤكدين على أن مراعاة الحالة النفسية لمؤلف النص و الظروف التاريخية التي ساهمت في إنتاجه، من شأنهما القبض على قصد المؤلف وسط زخم المقاصد التي يستنفرها النص، في حين يقر هايدغر رفقة تلميذه جادامير، أن عملية فهم النص تستدعي فهما مسبقا يتوسل بإسقاطات التجربة الإنسانية التي تتكاثف و تتناسل لتكون نسقا مترابطا من الرموز و الاستعارات، لا تمكن الكائن البشري من الفهم فحسب، بل تحفزه على بلوغ أقصى مستويات التحقق الأنطولوجي عبر اللغة التي تشكل بيت الكينونة بلغة هاديغر .

ولما كانت النصوص وليدة الحاجة إلى إثبات الوجود داخل ما هو رمزي، بما يشكل ذاكرة إنسانية ضد التدفق الزمني، فإن هذه الذاكرة هي مثوى الكائن الذي يحتمي داخلها من صيرورة الاندثار. و عليه فإن هذا الصراع الذي يطبع التجربة الإنسانية بما فيها النصوص، يشكل عنصرا أساسيا داخل نظرية التأويل، التي تروم تفكيك عمليات الفهم، و سواء تعلق الأمر بالقصد الأصلي أو الفهم المسبق، فهما يؤكدان على اختلافهما فكرة موحدة مفادها أنه لا مناص من العودة إلى البدايات، ليس من حيث كونها حقيقة، و إنما بحثا عن التمركز، ” إنها البدايات التي لا ترتد إلى منبع أساس، و إنما تلك التي تحافظ على ما حدث ضمن شتاته و تبعثره”7.

إن تعاملنا مع النصوص لا يخلو من تحيز، ما دام فهمنا للنص غير منفصل عن استرجاع السياقات التي تكون وعينا، و مهمة التأويل هي ” فك الآليات التي تتحكم في الشعور و تجعله غافلا عن ذاته و هي بذلك تسمح بتقدير درجة عبوديته و تفسير انحسار حقله المعرفي. “8

هكذا فإن إدراكنا للعلامات التي يحتويها النص يتجاوز تخوم ما هو مكتوب، ليخاطب ذاكرتنا الجماعية التي بها نقرأ و عبرها نتكلم، فلقد أثقلت التجربة الثقافية كما ذكرنا سابقا معارفنا، بقوانينها و أعرافها و اعتقاداتها و من ثم فإن تعاملنا مع الوعي الإنساني في كليته، لا يخرج عن هذا النطاق .إن النص لا يحيل على معنى مستقل، خصوصا و أن وسيلته هي اللغة بما لها من حمولة، إنها تجيد أسلوب المخاتلة، فلا تستطيع التمييز داخلها بين الغموض و الفصاحة، على أن الفهم هو احتواء للوعي الفردي داخل الوعي الجماعي، لذلك فإن فهم النص يحيل في حد ذاته إلى تجربة فردية مرتبطة بمتلق ما يلج عالم النص محملا بنصوص رمزية هي سبيله إلى فك شيفرات النص و خوض تجربة التأويل.

 قائمة المراجع:

1) سعيد بنكراد ” السيميوزيس والقراءة والتأويل”. عن موقع سعيد بنكراد، تاريخ آخر زيارة 12/01/2019

2) سعيد بنكراد، “السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها “دار الحوار للنشر والتوزيع اللاذقية، الطبعة الثالثة 2012، ص 102.

3)المرجع نفسه، ص 106

4) عبد السلام بنعبد العالي ، “جرح الكائن”، دار توبقال للنشر الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2017، ص 101

5) أمبرتو إيكو، “التأويل بين السيميائيات والتفكيكية””، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2004، ص121.

6) مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد خيضر –بسكرة، الجزائر-، العددالرابع يناير 2009، أحمد مداس “مفهوم التأويل عند المحدثين”، ص 7

7)عبدالسلام بن عبد العالي، “في جينالوجيا نيتشه”، عن موقع كولان ، تاريخ آخر زيارة: 20/12/2018.

8) عادل مصطفى، “فهم الفهم، مدخل إلى الهيرمينوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى غادامر”، هنداوي سي أي تي الولايات المتحدة، ص255

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, التأويل
عرض التعليقات
s