منذ احتلال العراق عام 2003، وبعد قرار حل الجيش العراقي سيئ الصيت الذي أعلنه الحاكم المدني للعراق بول بريمر في شهر مايو (أيار) من العام نفسه، سقط جدار البوابة الشرقية للوطن العربي. ذلك السد المنيع الذي وقف في وجه الأطماع الفارسية في العـراق والمنطقة بصورةٍ عامةٍ؛ وهو ما جعل الدول العربية تواجه المد الفارسي وحدها. وهو أمر لم تكن دول المنطقة، وخصوصًا الخليجية منها، مستعدةً له. مما ساعد إيران في التغلغل في العراق ومنه إلى سوريا واليمن ولبنان .

هذا التغلغل دفعت الدول العربية ثمنه باهظًا جدًا حتى الآن. فالصراعات المذهبية والحروب بدأت تشتعل في البلدان العربية يومًا بعد يوم وسط تباهي إيران بأنها السبب وراء ذلك بحجة نصرة المذهب أو مظلومية الشيعة في تلك البلدان. مما دفع دول الخليج، وبالأخص المملكة العربية السعودية، إلى محاولة استعادة العراق وانتزاعه من الهيمنة الإيرانية. وركزت سعيها الحثيث في ذلك على الدخول داعمًا قويًّا للعراق ليتسنى لها إعادته لمحيطه العربي واستعادة دورة الإقليمي في المنطقة. عملت السعودية على استبدال الاستثمارات الإيرانية في العراق باستثمارات سعودية وخصوصًا في مجال الطاقة والغاز. وعرضت توريد الكهرباء للعراق والغاز بأقل من نصف الأسعار التي يستوردها من إيران. لكن محاولاتها تلك اصطدمت بالواقع العراقي؛ حيث سطوة المليشيات العراقية على مصدر القرار العراقي. وكان على الدول العربية استخدام طرق اخرى لكسب العراق، ومنها كسب حليف لها من داخل العملية السياسية وهو ما لم يكن سهلًا خصوصًا أن أغلب الأحزاب الكبرى تدين بالتبعية العقائدية للمرشد الإيراني وهو مصدر ثروتها وداعمها الأول .

السعودية والكويت والإمارات لديهم قناعة تامة بأن الوضع في المنطقة لا يمكن أن يتغير الآن إلا بوجود حكومة عراقية حرة بعيدة عن سيطرة المليشيات الإيرانية، وهذا ممكن الحدوث لو أحس الشعب العراقي بوجود أشقائه العرب في محيطه ودعمهم له. وهذا ما تفعله الدول العربية حاليًا؛ إذ كانت مشاركة الدول العربية في القمة الأخيرة التي جرت في بغداد خير دليل على ذلك. والتقارب الأردني المصري مع العراق ساهم كثيرًا في خلق حالة من الارتياح لدى الشارع العراقي، خصوصًا أنه يرى أنه من الممكن التخلص من الأخطبوط الإيراني وأذرعه في المنطقة بوحدة الصف وتوحيد الجهود لاستعادة العراق وهذا ليس مستحيلًا.

ولو أردنا تقييم الوضع في العراق، وماذا يحتاج للتخلص من الهيمنة الإيرانية، فسنرى أن ذلك يمكن في التصدي لأذرع طهران في العراق وهي المليشيات المسلحة، وهذه المليشيات يصنفها المجتمع الدولي على أنها مليشيات إرهابية، وكثير منها على قوائم العقوبات الأمريكية، وهذا يعني أن دعم الجيش العراقي والقوات الأمنية العراقية بالدرجة الأولى، يمكن أن يساهم في إنهاء وجود تلك المليشيات. وفتح قنوات الحوار البناء مع الحكومة القادمة يمكن أن يعيد التقارب بين الأشقاء وهو أمر أثبتت الدبلوماسية السعودية أنها ضليعة فيه بشكل كبير، وقد يكون للأشقاء المصريين أيضًا دور بارز في مباحثات من هذا النوع .

إن خلاص العراق وسوريا ولبنان واليمن من المليشيات التي زرعتها إيران في هذه الدول لا يمكن التخلص منها داخليًّا دون مساعدة العرب فلا لبنان قادر على الخلاص من حزب الله وغيره من المليشيات الإيرانية دون دعم العرب ولا اليمن قادر على الخلاص من المليشيات الحوثية دون العرب والأمر ينطبق على سوريا والعراق.

إن عودة العراق مرهونة بمدى حرص العرب على إعادته . وعودته تعني التغيير الجذري لميزان القوة في المنطقة لصالح العرب وأنا شخصيًّا أرى أن ذلك ممكن ولا يحتاج سوى إلى تكثيف الجهود وتوحيدها لدعم العراق وتخليصه من إيران من خلال دعم جيشه عسكريًّا ودعم حكومته سياسيًّا، ودعم شعبه معنويًّا، وهو ما سيعود بالمنفعة على جميع دول المنطقة خصوصًا دول الخليج وسيستعيد العراق دوره الحقيقي ويقف مجددًا بوجه الأطماع الفارسية في المنطقة العربية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد