إن التصنيف الائتماني في علم الاقتصاد «credit rating» هو تقدير تجريهِ بعض الوكالات التجارية المتخصصة لتقدير صلاحية دولة للحصول على قروض، وهي في ذلك تقوم بدراسة إمكانيات الدولة المالية، ومدى ائتمانها على القرض وقدرتها المالية على تسديدهِ، وهي تأخذ في حسابها السجلات الخاصة الدولة وتصرفها وسلوكها في الماضي بالنسبة إلى قيامها بتسديد ديونها. وتعني درجة جدارة منخفضة بأنه تواجد احتمال كبير في عدم استطاعة المقترض تسديد الدين، ونظرًا لهذا الاحتمال فإن صاحب المال يشترط على المدين دفع فائدة مرتفعة على القرض، أو رفض إعطائهِ القرض.

هذا هو التعريف العلمي الدقيق للتصنيف الائتماني كما ورد في الموسوعة العالمية ويكيبيديا بعيدًا عن كل خطاب سياسي يمجد أو يندد بالوكالات الساهرة عليه.

إن هذه الوكالات، ومنها موديز تعتمد معايير دقيقة في تصنيفها بعيدًا عن المجاملات السياسية حتى تمكن حرفاءها من حسن إدارة صناديق القروض التي يشرفون عليها وحتى لا تذهب تلك القروض لمن لا يمتلك القدرة على السداد وحتى يؤمن المقرضين قروضهم عبر شروط مجحفة في حق المدين وهو ما يعني مزيدًا من الأعباء الإضافية على كاهل اقتصاد الدولة المدينة، وما يعنيها من تأثير سلبي على معيشة مواطنيها وتهديد لسوق الشغل عبر التخفيض في عروضه فتزداد البطالة وغلاء المعيشة وتصبح الدولة مهددة باضطرابات اجتماعية خطيرة تهدد استقرارها وأمنها.

لقد كان تصنيف تونس منذ 2011 سلبيًا، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة من الخروج من هذه السلبية بل أغرقت البلاد في قروض استهلاكية «عوض قروض الاستثمار التي تساهم في إنتاج الثروة» ذات فوائد مشطة لدوافع سياسية «الحفاظ على السلطة دون مراعاة للمصلحة الواقعية للدولة» دون دراسة إستراتيجية جدية لتأثير ذلك السلبي على مستقبل البلاد وأجيالها القادمة. وزادت النزعة المطلبية المحمومة للنقابات العمالية «النظر للدولة كخبزة حلويات يجب أخذ قطعة منها مهما كانت الظروف» في تأزم الوضع الاقتصادي حيث تعطلت مؤسسات الإنتاج الأساسية ما ساهم سلبًا في نمو الثروة الوطنية.

ولا يمكن أن ننسى المساهم الكبير في هذه الكارثة وهو هيمنة النزعة الأيديولوجية على الفاعلين السياسيين إلى درجة التضحية بالبلاد والعباد من أجل تصفية خصوماتهم الأيديولوجية على حساب المصلحة العامة للدولة والشعب. لقد كانوا على استعداد لتدمير البلاد في طريقهم لتدمير بعضهم البعض. لم يكن لدى السياسيين أية إحساس بالمسؤولية تجاه الشعب الذي أستأمنهم على مصيره وارتموا في أحضان مافيات ولوبيات القوى المهيمنة على ثروة البلد فأصبحت القوانين تصاغ على القياس وتحولت الحكومة من خدمة الشعب إلى خدمة تلك القوى على حسابه فازداد هؤلاء ثروة وازداد الشعب فقرًا وبدأت الطبقة الوسطى فخر الدولة التونسية منذ الاستقلال وأساس قوة اقتصادها في الاضمحلال تدريجيًا حتى كادت تنقرض.

إن الرداءة القيمية والأخلاقية والعجز عن الإدارة الحكيمة والرشيدة والشجاعة للبلاد هي التي مهدت للانقلاب الدستوري يوم 25 يوليو (تموز) 2021، والذي بموجبه أصبح الرئيس قيس سعيد منقذًا في نظر عامة الناس فساندته بكل عواطفها نكاية في طبقة سياسية انتهازية وفاشلة، ونخبة عاجزة عن القيام بدورها الحقيقي قي خدمة الشعب، وفي أن تكون صوتًا له. فلقد كانت هذه النخبة دومًا في خدمة السلطة القائمة أو الأيديولوجيا ولذلك سارعت في انتهازية طبيعية إلى ركوب الأحداث وادعاء مساندة الرئيس، ولكنها في الحقيقة تساند مصالحها وتريد أن تستغل الرئيس لتصفية حساباتها الخاصة مع أعدائها السياسيين «لا يوجد في تونس تنافس سياسي، بل صراع أيديولوجي»، وهو ما يعلمه الرئيس جيدًا لذلك يوظفهم مثلما توظف البيادق ليجري التخلص منهم بعد نهاية دورهم الوظيفي في خدمة أهداف الرئيس لا أهدافهم الخاصة.

إنها نخبة انتهازية خدمت مرحلة حكم بن علي، وشرعت الاستبداد، ووضعت له الدساتير على القياس واليوم تعيد نفس الدور وتوظف كل أدواتها وأهمها الإعلام الذي تسيطر عليه منذ ما قبل الثورة إلى اليوم وأغلقت أخيرًا دونه كل الأصوات المعارضة فلم يعد يسمع الشعب إلا صوتًا واحدًا، ولم تعد توجد إلا غرفة تحرير واحدة توجه الجميع، ولكن رغم كل ما يقومون به، إلا أنهم في النهاية خارج مجال احترام الرئيس.

يكفي أن تقرأ ما تنشره الصحف الصفراء في تونس لتعلم مدى العبث الذي يتميز به هؤلاء وكم الحقد الذي تنطق به ألسنتهم وأقلامهم التي ملئت سمًا يهدد وحدة البلاد ويدفعها دفعًا نحو الفوضى الشاملة وسيطرة العنف على الشارع. إن هذه النخبة هي الخطر الجاثم على الشعب التونسي ودولته وهي التي تعبث بمستقبله خدمة لمصالحها الخاصة وخدمة لقوى دولية وإقليمية تريد إخضاع السيادة التونسية وتحويل تونس لمحمية لها.

إن حل المشاكل الاقتصادية والسياسية لتونس لا يمكن أن يكون بهذه النخبة التي تفتقد لأبسط شروط الوطنية الحقيقية وإلى الانتماء لهذا الوطن. فهي اليوم تحرض الرئيس ضد القوى العالمية الأساسية في العالم والتي تضمن تونس اليوم في السوق العالمية حتى تتحصل على القروض التي يستهلكها هؤلاء والمافيات واللوبيات التي يمثلونها. فهذه النخب التي تحرض الرئيس باسم السيادة الوطنية هي نفسها المهيمنة منذ سنوات طويلة على المؤسسات الوطنية عبر الإدارة والنقابات وهي التي أوصلتها للوضعية الكارثية التي تضع البلاد على حافة الإفلاس. فأين كانت السيادة واستقلالية القرار الوطني حين كان هؤلاء يتعاملون مع المؤسسات الوطنية الإستراتيجية بمنطق الغنيمة وكانوا ينهبونها دون سعيّ للتطوير والنهوض بها لتحقق إنتاجية أفضل ويتحسن دخل الدولة والفرد. فبفضل تلك النخبة الفاسدة يوجد اليوم أكثر من 200 ألف موظف بلا وظيفة حقيقية يتقاضون أجورًا أنهكت المؤسسات الوطنية فأوصلتها حد العجز عن القيام بواجباتها وأغرقتها في الديون والقروض التي تذهب لجيوب هؤلاء حتى أصبحت ثرواتهم تعد بالملايين، وأبناؤهم يوزعون آلاف الدينارات في الملاهي على حساب الشعب الذي فقروه ونكلوا به منذ عهد بن علي إلى اليوم.

وأصبحت الدولة تتكفل بسداد ما أفسده هؤلاء حتى لا تضطر لخوصصة المؤسسات الإستراتيجية العمومية وهو الهدف الرئيس لتلك النخب مما قامت وتقوم به من إنهاك وتفليس للمؤسسات الوطنية وكلما حاول وزير أو رئيس مؤسسة عمومية القيام بالإنقاذ اللازم لها إلا وهاجموها في الإعلام وأعلنوا الإضرابات للتخلص منه حفاظا على مصالحهم في النهب للمال العام الذي أصبح دولة بينهم. لقد أفسدت هذه النخب الانتهازية الاقتصاد الوطني، والجامعة التونسية، والتعليم العمومي التونسي، والصحة، وكل مجالات خدمة المواطن، حتى منعوا اليوم عمال النظافة من القيام بواجبهم لتقديم تبرير للرئيس لحل المجالس البلدية بدعوى عدم قيامها بالواجب في حين يعلم الكل أن النظافة مسؤولية العمال، وليس رئيس البلدية، وأنه في وجود نقابة تعادي رئيس البلدية فلن يحقق شيء.

لقد حول الهوس الأيديولوجي هذه النخب إلى أكبر خطر داهم يهدد البلاد والعباد وإذا لم يدرك الرئيس ذلك فإن تونس ستصبح دولة معزولة تمامًا عن العالم، وسيتحقق سعي بعضهم أن يحولها لكوريا الشمالية، ولكن هؤلاء ينسون أن الشعب التونسي ليس شعب كوريا الشمالية، ولن يقبل الانغلاق عن العالم، وتسليم رقبته لنخبة فاسدة تحلم بإعادة أمجاد السوفيتات، واللجان الشعبية سيئة الذكر.

لا يمكن للتاريخ أن يعود للوراء، ولكن كان بإمكان الرئيس القيام بإجراءاته التصحيحية من داخل الدستور دون حاجة للتأويلات التعسفية عليه. ذلك أنه كان بإمكان الرئيس حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة ووضع قانون انتخابي جديد يجمع بين الانتخاب على الأفراد وانتخاب القائمات ووضع عتبة بـ10٪ تمنع التشرذم والتشتت داخل البرلمان، وتمكن من تشكيل حكومة قوية قادرة على النجاح بتضامن أفرادها والقوى المشكلة لها. لقد كان بإمكان الرئيس تحقيق مشروعه عبر الوسائل الديمقراطية دون حاجة للأمر 117 الذي أسس لسلطة مطلقة لا رقيب ولا حسيب لها، وذلك بالترشح عبر قائمات خاصة للانتخابات التشريعية والحصول على تفويض شعبي حقيقي لا يشكك به أحد. فمن خرجوا يوم 25 يوليو2021 لا يمثلون كل الشعب ولعل التظاهرات اللاحقة في الأحاد تكشف ذلك بوضوح، ولا يجب أن تغره الأرقام الوهمية لمؤسسات سبر الآراء التي تحركها النخب الفاسدة. فلا توجد شخصية واحدة مهما كانت مكانتها لدى الناس تتحصل على 90٪ أو يزيد.

إذا كان الرئيس يعتبر كل النخب السياسية فاسدة ومساهمة فيما وصلت إليه تونس من تردي على جميع المستويات، فإن ذلك لا يمنع من وجود نخب وطنية فاعلة في المجتمع المدني لم تكن متورطة فيما حدث بل كانت دومًا تدعو لإقامة دولة الحكومة الرشيدة والعدالة الاجتماعية، وكانت تدعو لإصلاح الديمقراطية التونسية والضرب بيد من حديد على الفساد الذي استشرى في الدولة وفي طبقتها السياسية، وأصبح له أذرع تحميه في الإعلام والأحزاب السياسية. هذه النخبة الوطنية هي التي يجب أن يتوجه لها الرئيس لإنقاذ البلد لا وضعها موضع مطاردة وتنكيل ومحاصرة؛ لأنها تريد دول ديمقراطية حرة تحمي السيادة الوطنية وتحافظ عليها. إن لقاء الرئيس مع هذه النخب الوطنية الحقيقية هو الذي سيمنع البلاد من الانهيار عبر وضع برنامج إصلاح وطني سياسي واقتصادي تتوجه به تونس لتكتسب ثقة العالم من جديد.

إن التصنيف الجديد لتونس في الفئة «ج سلبي» لا يمكن مواجهته بالخطابات الرنانة، بل بمشروع وطني حقيقي يعيد هيكلة الاقتصاد ومؤسسات الدولة ويحارب أخطبوط الفساد الذي لم يزل لليوم مسيطرًا على أجهزة الحكم من الأسفل إلى الأعلى والحكومة الجديدة لا يمكنها القيام بشيء يذكر دون هذا المشروع الوطني الجامع.

إن وضع خريطة طريق واضحة «رغم أن الرئيس لا يرى الخرائط إلا في الجغرافيا» تحدد موعد الانتخابات التشريعية المبكرة «بعد حل البرلمان الذي تركه الرئيس معلقًا خدمة لإجراءاته الاستثنائية» وموعد الحوار الوطني السابق لها للاتفاق على القانون الانتخابي، والإصلاح السياسي، ووضع برنامج إصلاح وطني للاقتصاد هو الكفيل بإرجاع ثقة السوق العالمية في تونس.

غير ذلك مجرد أحاديث جوفاء لن تضع تونس إلا في تبعية مطلقة لنادي باريس أو للتنين الصيني. ذلك أن نادي باريس «إسرائيل عضو فيه» حين يشترى ديون الدولة فإنه يضع فوائد مجحفة جدًا لسدادها والخضوع التام لإرادته في التسيير والإشراف ويفرض إصلاحات هيكلية تؤدي لفقدان آلاف الوظائف، وأيضًا يشترط التطبيع مع إسرائيل، وهو أمر مرفوض مطلقًا من الشعب التونسي الذي كانت كلمة التطبيع خيانة أكبر دافع له لانتخاب الرئيس قيس سعيد. أما الصين فلن تعطينا الأموال لسواد عيوننا. كما أن دعوة السفير الأمريكي للاحتجاج على مناقشة لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس للمسألة التونسية هو ضرب من الشعبوية والدعاية السياسية التقليدية الموجهة للداخل التونسي وهي دعاية كانت توظف من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية في القرن العشرين. والرئيس ومستشاريه يعلمون جيدًا ألا سلطة للحكومة الأمريكية، والرئيس بيدن على الكونغرس باعتبار أن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية تقوم على فصل السلطات، ولا يتمتع فيها الرئيس بسلطة مطلقة وبلا حدود ولا رقيب. ولذلك فإن حل المعضلة التونسية يجب أن يكون تونسي خالص يعتمد على الواقعية لا الشعبوية التي لن تحقق الرفاه للشعب ولن تحل أزماته بالخطابات، والكلمات النارية، وبعزل تونس عن كافة العالم. ويمكن العودة لتجربة كوريا الجنوبية حين أنقذ الشعب وطنه من الإفلاس وحوله لقوة اقتصادية أساسية في العالم.

إن الأزمة كانت ولم تزل سياسية، والحل بيد الفاعلين السياسيين، واليوم الرئيس هو الفاعل، وعليه فتح حوار مع النخب الوطنية الحقيقية للوصول بالبلاد لبر الأمان. أما المواصلة في الخطاب الحالي الانفعالي وتخوين المعارضين ووصفهم بالحشرات والحيوانات فلن يزيد الأمور إلا تعقيدًا. فبلوغ الديون التونسية نسبة 107٪ من الدخل الوطني الخام والتصنيف الائتماني السلبي هي أمور وجب التعامل معها بكل جدية وواقعية. لقد حان الوقت للخروج من الشعبوية نحو العقلانية الواقعية من أجل الحفاظ على الدولة وإنقاذ المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد