هَل صَحَّ قَولٌ مِنَ الحاكي فَنَقبَلَهُ

                              أَم كُلُّ ذاكَ أَباطيلٌ وَأَسمارُ                           

أَمّا العُقولُ فَآلَت أَنَّهُ كَذِبٌ

                        وَالعَقلُ غَرسٌ لَهُ بِالصِدقِ أَثمارُ                     

                                                «شَيْخِ الْمَعَرَّةِ»*                                           

… وقضية تراثنا تتسع أبعادها زمانًا فتستوعب الماضي والحاضر والمستقبل، كما تُرحب مكانًا فتتجاوز حدود وطننا العربي إلى العالم الإسلامي الكبير، ثم إنها في جوهرها قضية وجود ومصير من حيث تكشف عن حقيقة ذاتنا وآماد طاقتنا وتضيء لنا معالم الطريق وآفاق الطموح[1].

توطئة

دعونا أولًا نرعي سمعنا للدكتورة عائشة عبد الرحمن -بنت الشاطئ- رحمها الله تعالى وهي تعرض سؤالاً في عدة أسئلة على مسمع طلبتها في قسم البحوث والدراسات الأدبية واللغوية وهي تسرد محاضرتها «تراثنا بين أيدي المستشرقين».

-ما الذي يغري الغرب الحديث بتراثنا، وقد أدى غرضه في خدمة عصر الإحياء، وصار للغرب الدور القيادي للحضارة المادية والعلمية؟

-هل يفتش في شيء قد يكون فاته فيما عرف من تراثنا؟

-أو هل يرى في ميراثنا إنسانًا من حقه أن يصان وينشر، ما دام قومه قد نبذوه وأضاعوه ؟

فتُجيب بنفسها على نفسها -ومن أحق منها بالإجابة فهذا مضمارها وهي أحد فرسانه-

قد يبدو الأمر كذلك… لكن الواقع التاريخي يؤكد أن حركة الاستشراق جملة، وُجِّهت في مراحلها الأولى إلى خدمة غرض آخر، لا يعنيه تراث الشرق إلا بقدر ما يكشف عن عقليات شعوبه وأمزجتهم وأسرار ذاتهم ومواضع القوة والضعف فيهم، توطئه لحملات التبشير -والتشويه- وموجات الاستعمار التي تدفقت على شرقنا الأسيوي والأفريقي من القرن الثامن عشر، فحين نسأل التاريخ عن حركة الاستشراق كيف نشأت، يلقانا جوابه الصريح بأنها قامت أول ما قامت في رعاية الكنيسة الكاثوليكية وخضعت لإشراف مباشر من كبار أحبارها.

يقول هاملتون: إن العقل الغربي الحديث يعسر عليه بوجه خاص أن يقوم بمحاولة استكناه طبيعة المواقف الدينية لدى أناس تختلف نظرتهم إلى الكون اختلافًا بعيدًا عن نظرة الغربي… لأن الرجل الغربي الذي ورث الفكر العقلاني وقيم القرنين الثامن والتاسع عشر، هزلت وأهملت لديه ملكة الحدس حتى أنه ليأبى أن يسلم بمحض وجودها.. ولذا أصبحت أحكامنا الدينية -نحن الغربيين- شديدة الاختلال.»[2]

مدخل

نلفت الانتباه هنا إلى حقيقة مُسَلَّم بها لدى الباحثين في ميادين التواصل الحضاري بين الشعوب عبر التاريخ، وهي ما من شعب أو ثقافة في العالم أجمع حازا اهتمام الشعوب الأخرى الفاعلة في الحضارة الإنسانية وتاريخها بقدر ما حاز العرب والمسلمين والثقافة الإسلامية من اهتمام الباحثين والدارسين عند تلك الشعوب، والدليل على ذلك أنه لا تكاد مكتبة من مكتبات العالم ولا جامعة من جامعاته تخلو من عدد قليل أو كثير من المخطوطات العربية والإسلامية أو قسم لدراسة الثقافة العربية والإسلامية، وعدد لا بأس به من المستعربين والمستشرقين.

وهذا ما نوهت عنه بنت الشاطئ حين قالت: «ويلاحظ هنا أن التوجيه التبشيري للاستشراق قد ساير حركة جمع التراث في دورها الأول الذي قصد بها إلى الانتفاع بما سبق إليه الشرق الإسلامي من علوم وثقافات، وليس من العسير علينا أن نفهم هذه المسايرة إذا أدركنا أن تراثنا حين عبر إلى أوروبا كانت البيئات العلمية تأخذ عنه علومنا ومعارفنا، على حين التمست الكنيسة فيه ما تسخره لخدمة أغراضها الدينية».

وبتسليط الضوء على فرنسا (بلاد الغال قديمًا) نجد أنها من الدول الأوائل التي انتبهت إلى الأهمية الثقافية والاستراتيجية والاقتصادية للدراسات العربية الإسلامية، ويرقى الاحتكاك والاتصال الأول بين العرب المسلمين والفرنسيين إلى سنة 144هـ-732م التي شهدت وقعة (بلاط الشهداء) بقيادة الفاتح عبد الرحمن الغافقي ضد الأمير شارل مارتل في قلب فرنسا بالقرب من نهر اللوار إكمالًا لسلسلة فتوح المغرب والأندلس.

وكان لفرنسا بعد ذلك دور أساسي في شن الحروب الصليبية، ودور خطير في الحركة الاستعمارية ودعم الصهيونية وفرض الهيمنة الثقافية على البلاد الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

كما تكمن خطورة اللغة الفرنسية في أنها تأتي في الترتيب نفسه مع الإنجليزية ضمن لغات منظمة الأمم المتحدة، وفي المرتبة التي تليها من حيث الانتشار وعدد المتحدثين بها في العالم، فهي تتمركز فضلًا عن معقلها فرنسا في كل من بلجيكا واللوكسمبورغ والمنطقة الفرنكوفونية من كندا وكذا في كثير من الدول الأفريقية المستعمرة سابقًا من طرف فرنسا.

-حول تاريخ الاهتمام بالتراث الإسلامي وبوقائع السيرة النبوية في الغرب عمومًا وفي فرنسا خصوصًا

إن الانتشار السريع والقوي للإسلام مشرقًا ومغربًا قد لفت بقوة أنظار رجالات اللاهوت الكنسيين خلال القرون الوسطى، ومن هنا بدأ الاهتمام بالتراث الإسلامي ومحاولة البحث في تاريخ وسيرة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام **.

وقد نشط اللاهوتيون الفرنسيون كغيرهم وراحوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الاعتماد قائمًا على أي مصادر مكتوبة، بل يتم الرجوع فقط إلى آراء العامة والشائعات والأراجيف التي يتناقلها الناس عن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم.

ثم بدأ الأمر يتطور مع ظهور حركات التنصير ومصادقة مجمع فيينا الكنسي عام 1312م على ضرورة تعليم اللغة العربية في جامعات باريس وأكسفورد وغيرهما، وبدأت الحركات الاستشراقية في الظهور، وكان المستشرق الفرنسي الشهير Guillaume Postel أول من نقل بعض التراث العربي إلى اللغة الفرنسية.

ومع نهايات القرن التاسع عشر كانت بدايات الحديث عن السيرة النبوية في المعاجم الكبرى وفي مقدمات ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، ومع بدايات القرن العشرين بدأ إدخال ترجمات عن كتب السيرة العربية بعد ما كان الأمر يقتصر على الاكتفاء بالشائعات والحكايات المتداولة عن كنسيين العصور الوسطى وما بعدها.

ولعل أفضل من يقربنا للصورة المشوهة المتداولة عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو المستشرق الفرنسي إيميل درمنغهم في كتابه «حياة محمد» حيث جاء فيه:

لما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتسعت هوة سوء الفهم وازدادت حدتها، ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشد الخلاف، ولم يحارب الكتاب والشعراء مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب، فقد زعموا أن محمدًا لص نياق ورئيس عصابة، شاعر متهالك على اللهو مات في نوبة سكر، بل وزعموه قسًا رومانيًا مغيظًا محنقًا لأنه لم ينتخب لكرسي البابوية … – هنا يعجز القلم في سرد سفالات الغربيين كما ذكرها إيميل- وقد ظلت الأحقاد والخرافات قوية، وقد كانوا يعتذرون عن الحديث الجد في أمر هذا مبلغ سخافته.

-عن اهتمام الفرنسيين بالسيرة النبوية انطلاقًا من خلفياتهم الدينية:

وكان الحقد النصراني والغل اليهودي والخلفية المادية المنكرة المعادية لكل ما هو غيبي أسباب هذه الشائعات وهذا البغض الدفين على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وأهله، وتحت كل طائفة من هذه الطوائف مجموعة من المستشرقين كان لهم دور بالغ في تشوية صورة كيان السيرة النبوية النقي البهي.

ويأتي على رأس الطائفة الفرنسية ذات الخلفية النصرانية المتعصبة المستشرق والقس هنري لامنس، وكرادوفو صاحب كتاب «مفكرو الإسلام» والذي أسند إليه كتابة عدد من المواد المرتبطة بالسيرة النبوية في دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية في طبعتها الأولى، وهذا أيضًا كازانوفا الفرنسي لم يكن بعيدًا عن التأثر بالخلفية اللاهوتية النصرانية.

أما عن الطائفة الفرنسية ذات الخلفية اليهودية المتشددة فإليها ينتسب هنري ماسيه الذي يؤصل إلى أن الإسلام مختلق ومستوحى من الكتب اليهودية سواء كانت التوراة أو التلمود أو المنشا، والمستشرق إدوارد مونتيه الذي استفاض في شبهة بشرية القرآن وإجبار غير المسلمين في دخول الإسلام بالقوة.

وتنهج الطائفة الفرنسية المادية ذات الاتجاه الإلحادي في دراستهم لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم منهجًا إسقاطيًا مدمرًا لأسس الثقة في معطيات السيرة النبوية، إذ أنهم يسقطون الوقائع المادية المحسوسة على الوقائع الدينية ذات الصلة بالوحي الإلهي والغيبيات، ومن أمثال هؤلاء مكسيم رودنسون، ثم إن المتصفح لكتاب «محمد» لمكسيم يبدو له أن كلام المؤلف على النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام عن شخص آخر، يلملم أجزاء شخصيته ويركب عناصر الوضع الاجتماعي الذي انفعل به بشيء كثير من الهوى ثم يخلص إلى نتائج واستنتاجات غريبة تختلف في كثير من الأحيان عن تلك التي يصدرها المستشرقون النصارى واليهود.

تسائلتُ يوما ما: أليست الثورة الفرنسية ثارت على الدين عموما فلماذا تصالحت اليوم مع النصرانية وناصبت الإسلام أشد العداء؟

فكانت الإجابة فيما بعد:

«إن العلمانية، التي كانت نتاج الثورة الفرنسية نشأت من رحم الصراع الدامي مع الكنيسة، ومع الدين عموما، هذا الصراع جعل الحداثة الفرنسية معاديةً للدين، لا تقبله إلا حين يكون محكومًا مطيعًا ذليلًا، وإذا كانت النصرانية المحرّفة قد قبلت بهذا الخضوع، وتلاءمت معه، لأسباب ذاتية وموضوعية، فإن الإسلام بطبيعته يتأبّى على مثل هذا الخضوع، لأن من شأنه أن يكون حاكمًا ومهيمنًا على غيره من المنظومات الفكرية. ولأجل ذلك، فأغلب الصراع العلماني اليوم مع الأديان، إنما يوجه للدين الذي لا يزال حيًا متيقظًا، وهو الإسلام»[3].

-السيرة النبوية في الموسوعات والمعاجم الفرنسية:

عرفت الثقافة الغربية إنتاج ما يعرف بالموسوعات العالمية والمعاجم الكبرى وهي تؤرخ لمعظم جوانب الثقافة العالمية في شتى فروعها وأجناسها وأنماطها، وفي سياق هذا الاهتمام اهتمت بالإسلام دينًا وثقافة وتاريخًا وحضارة، وتعد الموسوعات والمعاجم الفرنسية واحدة من أشهر وأكبر ما كتبت عن الإسلام ونبيه.

وفيما يلي سرد لأبرز المعاجم والموسوعات الفرنسية التي تضمنت الحديث عن مادة السيرة النبوية:

-دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية (الطبعة الفرنسية): تعتبر أهم أداة عمل غربية في البحث في حقل الإسلاميات، ونظرًا لما لها في الأوساط العلمية من أهمية وانتشار واسع بين الباحثين، فإن أثرها وتأثيرها في القراء أمر لا يخفى، مما يتطلب مراجعة لموادها وتصحيحًا لأخطائها وتقويماً للأفكار والمعلومات الخاطئة الواردة فيها.

-معجم لاروس: وتعتبر مادة «محمد» صلى الله عليه وسلم في هذا المعجم من أهم الكتابات الاستشراقية المعجمية التي صدرت باللغة الفرنسية، وهي تعتمد اعتمادًا واضحًا على مصادر استشراقية محضة تنتمي إلى حقب مختلفة منذ القرن الثاني عشر إلى التاسع عشر أمثال كوسان دي برسفال، وسلفستر دي ساسي، ووليام مويير، وبارتلمي سان هيلير، وبيير بايل، ولم يعتمد قط على مصادر عربية.

-المكتبة الشرقية: ألفها بارتلمي ديربيلو في القرن السابع عشر على حروف المعجم، وجاءت صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المعجم سلبية إلى أقصى درجة.

-معجم الأديان: تأليف إلياد – كوليانو وتم التركيز فيه على جوانب التشكيك وتضليل القارئ بطرق ملتوية فيها كثير من التمويه والتحايل.

-الموسوعة العامة للإسلام: ترجمت عن اللغة الإنجليزية جمعها كل من لامبتون وبرنارد لويس.

-حول الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية في مجالات أخرى:

لم يكن الاهتمام بالسيرة النبوية باللغة الفرنسية منحصراً في إنتاج كتب متخصصة، بل اتسعت الدائرة وتشعبت لتشمل مجالات أخرى، لتعبر بصورة أو بأخرى عن شدة الاهتمام بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم في اللغة الفرنسية، من أبرزها:

1)الكتابات العامة، وفي مقدمات الكتب مثل ترجمات القرآن.

2) ما ترجم إلى اللغة الفرنسية من لغات أجنبية أخرى.

3) الأطروحات والرسائل الجامعية.

4) المقالات والأبحاث في المجلات والدوريات الفرنسية، وهذا الجانب له أهميته وخطورته على مستوى النشر الواسع والتأثير البالغ، ولأنها تطبع بأعداد وافرة وتوزع على أوسع نطاق، كما أن تداولها أيسر وأكثر جاذبية لفئات واسعة، ولا يمكننا حصرها أو الإحاطة بها في مقال أو بحث.

-السيرة النبوية في دراسات المستشرقين الفرنسيين المعتدلين:

سنكتفي في هذه الفقرة بإيراد مسألة مهمة ذات طابع منهجي متعلقة بهذا المبحث وهي أن البعض قد يرى أن اعتماد عدد من الشهادات الإيجابية إلى حد ما لهذا المستشرق أو ذاك، عن جانب ما من جوانب الإسلام يعني تزكية له وإقرارًا بإنصافه وموضوعيته، وهذا غير صحيح، فالمستشرق كيفما كان لا بد أن تتضمن أبحاثه ودراساته شبهات وطعونًا في حق الإسلام ورسالته، وعلى ذلك فينبغي لدارس السيرة النبوية ألا يغتر بعبارات الثناء والمدح، بل يجب النظر في مجمل دراساتهم وتحليلها ونقدها، إذ قد أضحى معروفًا أن عبارات التمجيد والإشادة من طرف المستشرقين المعاصرين يقصد بها في أغلب الأحيان إيجاد جو من الثقة والاطمئنان إلى نزاهتهم لأغراض أخرى.

-السيرة النبوية في كتابات المستشرقين الفرنسيين الذين أسلموا.

إذا كان معظم المستشرقين الذين اطلعوا بعمق على حقائق الإسلام المثلى وقيمه السامية لم يهتدوا إلى طريق الحق، فإن قلة قليلة منهم قد دخلوا في الإسلام واعتنقوه عن قناعة وصدق، بيد أن قلة من هؤلاء القليل كتبوا في جانب السيرة النبوية بينما اهتم الآخرون بالكتابة والتأليف عن جوانب الإسلام الأخرى، ونذكر من هؤلاء:

-اللورد هدلي الكاثوليكي (الشيخ عبد الواحد يحيى).

-كرستيان شرفيس أحد الأدباء الفرنسيين المشهورين.

-ومارتن لينغز الذي اعتمد في كتابه المصادر العربية الأولى للسيرة مثل كتب ابن إسحاق وابن سعد والواقدي والطبري والسهيلي، وقد ضم كتابه 85 فصلاً لمحطات رئيسية في حقل السيرة النبوية.

-ناصر الدين دينيه المستشرق الفرنسي الذي ألف كتابا مستقلاً عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي اعتمد فيه على أقدم كتب السيرة العربية كابن هشام وابن سعد وعلى روايات علي بن برهان الدين الحلبي، وعندما ألف ناصر الدين كتابه ثار عليه المستشرقين بالنقد، وزعموا أنه ترك ولم يعبأ بالأبحاث العلمية الدقيقة التي ألفها المستشرقون، وأن اعتماده كان على السير القديمة المشكوك في صحتها على حد زعمهم.

-كتابات المسلمين حول السيرة النبوية باللغة الفرنسية:

ينطلق اهتمام الباحثين المسلمين في التأليف باللغات الأخرى من باعثين:

أحدهما تحقيق واجب الدعوة الإسلامية لتثقيف المسلمين الأعاجم، أو دعوة غير المسلمين منهم وتعريفهم بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم.

والآخر مواجهة الكتابات الاستشراقية المهيمنة وفرض بديل لدراساتهم المشوهة لحقائق السيرة النبوية، تحقيقًا لواجب الرد والتصدي لمن يطعن في رسالة الإسلام ونبيه.

ولعل أبرز هذه الكتابات الإسلامية:

1)كتاب «محمد» صلى الله عليه وسلم لمحمد باي، وقد يكون متأثرًا إلى حد ما بالمنهج الاستشراقي في الكتابة.

2)كتاب «معراج النبي» صلى الله عليه وسلم للدكتور جمال الدين بن الشيخ.

3)كتابات البروفيسير محمد حميد الله الحيدر آبادي رحمه الله تعالى، ويمكن الجزم بأن الشيخ هو أبرز من تخصص في إظهار وقائع السيرة النبوية باللغة الفرنسية.

يقول المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون عن كتاب محمد حميد الله: نجد في كتابه نفس الخصائص المعتادة في كتبه الأخرى، معرفة عميقة بالمصادر الإسلامية واطلاع واسع على التراث الاستشراقي وهو أمر نادر عند العلماء المسلمين، ولكنه لا يكاد يوظفها إلا قليلاً، ثم إنه يتوفر أخيرًا على إيمان قوي بالإسلام وعقيدته، ولا يسعنا إلا الإعجاب بهذا الإيمان القوي والهادئ لدى الرجل.

وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من الاعتراف بأن ما كتب عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم باللغة الفرنسية من طرف العلماء والباحثين المسلمين ضئيل جدًا أمام هيمنة واسعة للكتابات الاستشراقية باللغة الفرنسية.

لذلك تكمن المعضلة الحقيقية في مواجهة الكتابات الفرنسية عن حياة وشخصية رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم أن المكتبة الفرنسية زاخرة ومليئة بالمصنفات والمؤلفات منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وهي لا تقتصر على كتابات بسيطة لأفراد يسهل تفنيد شبهاتهم والرد عليها بل يتعدى الأمر إلى معاجم ضخمة معتمدة عالميًا ودوليًا وأن هذه المعاجم تُعد أداة عمل ومفتاحًا من مفاتيح الثقافة الرئيسية في البحث عن المعلومات والأفكار تلجأ إليها كل الشرائح الثقافية من طلبة وأساتذة وعموم المثقفين والباحثين.

وختامًا نستخلص مما سبق أن هناك واجبًا شرعيًّا كفائيًّا وضرورة ملحة في مزيد من التأليف بجانبيه الميسر والموسوعي باللغة الفرنسية واللغات الأخرى للتعريف بدين الإسلام ومنهجه وشريعته عامة وبنبي هذا الدين خاصة ورد الشبهات حولهما، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق رجالاً ويستعملهم في ذلك.

* قصيدة «سم الهلال إذا عاينته قمرا» لأبي العلاء المعري شاعر العصر العباسي المعروف.

[1]- من مقدمة محاضرة وجودنا بين القديم والجديد لبنت الشاطئ.

[2]- هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام.

[3]- د.البشير عصام المراكشي من تصريح لجريدة الواضح.

**أشار المؤرخ الفرنسي آلان دوسلييه إلى أن الراهب ثيوفان الواعظ أول مؤلف قدم أوائل القرن التاسع الميلادي نظرة عامة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمجتمع العربي، وأسس لشبهة أخذ الإسلام من التراث اليهودي والمسيحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد