كثر في الآونة الأخيرة رفع أعلام تخص التوجهات الكردية على اختلاف أهدافها، من قبل تيارات يسارية أوروبية، دون أن يكون هناك معرفة مسبقة بخصوصية الانقسام الحاصل داخل السياسة الكردية، إذ تتوزع القوى الكردية على ثلاث هيئات: المجلس الوطني الكردي في سوريا، والمجلس الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي. ومع ذلك، إن أغلب هذه الجماعات أعضاء في المجلس الوطني الكردي في سوريا الذي هو بمثابة مظلة تضم ستة عشر حزبًا كرديًّا سوريًّا.

من الرائع أن نقف مع القضية الكردية التي تستحق الحفاظ على ثقافتها ومدلولاتها وطريقة عيشها، لكن علينا عدم خلط هذا الحق مع فئات كردية اتخذت الشعارات الكردية ذريعة لها لتنفذ سياستها بشكل عدته منظمات حقوق الإنسان انتهاكًا لحقوق الإنسان في المناطق الواقعة مثلًا تحت سلطة حزب الاتحاد الديمقراطي.

إذ أكدت تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش»، وشهادات حية لمواطنين في إطار الانتهاكات بالمناطق الخاضعة لإدارة حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، أن وحدات حماية الشعب تجند الأطفال للحرب، وتجري باعتقالات تعسفية ومحاكمات غير عادلة، وتقصف المشافي ومناطق سكنية يقطنها المدنيون العزل، وتقمع المظاهرات السلمية بالرصاص الحي، وتدمر منازل مدنيين، وفي بعض الحالات تدمر وتحرق قرى بأكملها وتشرد سكانها قسرًا، دون أي أسباب يمكن تبريرها، إنما تسيء استخدام سلطتها وتنتهك بصفاقة القانون الإنساني الدولي في هجمات تُعد بمثابة جرائم حرب، حسب توصيف لمى فقيه، مستشارة الأزمات لدى منظمة العفو الدولية.

كما أنه بموجب أحكام القانون الإنساني الدولي، فإن تدمير المنازل عقابًا لأصحابها لمجرد الاشتباه بطبيعة ولاءاتهم السياسية، أو بدوافع عرقية، وغير ذلك من أسس التمييز تشكل انتهاكًا للحظر المفروض على العقاب الجماعي.

لكن هنالك للأسف من يتناسى هذه التقارير، ويدعون أن الميليشيات الانفصالية في شمال شرق سوريا هي الجماعات الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لدعمها حقوق المرأة الكردية (زج المرأة الكردية في ساحات القتال)، فهذا بنظر الأوروبيين شكل من أشكال المساواة بين الرجل والمرأة.

إن دل هذا على شيء فهو يدل بشكل واضح وصريح على سطحية تعاطي غالبية العامة الأوروبيين مع المشكلات من حولهم في العالم، في محاولة منهم لاختزال الواقع المعقد بأحكام مسبقة، مع العلم أن هذا التعقيد بالذات غير قابل للاختزال.

لكن لا أخفي أيضًا حجم وقوة مجموعات الضغط الكردية داخل دول أوروبا الغربية، وبما فيها ألمانيا. إذ إنهم قادرون على تغيير هتافات المظاهرات في الأول من مايو (أيار) في يوم العمال العالمي كمثال، من هتافات تنادي بحقوق العمال إلى هتافات تضامنية مع هذه الميليشيات، وبالإضافة إلى ذلك قدرتهم على إقناع المئات من المتظاهرين بحمل راياتهم والرفرفة بها.

محاربة هذه الميلشيات لداعش لا يعني أنها تقاتل للقضاء على الإرهاب، بل لبسط نفوذها على مناطق أوسع في سوريا طمعًا بالسلطة والتقسيم.

وحدات حماية الشعب لا تختلف عن داعش بإجرامها وسعيها إلى تقسيم سوريا، وأقتبس هنا ما قاله سابقًا السياسي الكردي السوري مصطفى أوسو: «إقامة إدارة تابعة لحزب معين بدون التوافق مع باقي المكونات عملية غير ديمقراطية وتتم بقوة السلاح ولا تخدم الشعب السوري ولا الشعب الكردي، وتقدم خدمة مجانية لنظام الأسد.

هذه العملية تخدم النظام وتساهم في خلق عداوات بين المكونات المختلفة للشعب السوري والكردي. وحدات حماية الشعب تدعي تمثيلها للشعب الكردي في سوريا وهو أمر غير صحيح.

وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي تخلو برامجها من أي هدف قومي أو وطني».

إذن، لماذا يجب علينا أن نتضامن مع من يمتدح «YPG» أو «YPJ» ويرفع أعلامهم ونروج لهذه الميلشيات، بعد كل ما قرأتموه في الأعلى؟ هذا يتناقض مع القيم والمبادئ الأوروبية!

نحتاج إلى إظهار الاحترام للأشخاص الذين فقدوا أطفالهم وآباءهم وإخوتهم وأصدقاءهم وأحباءهم بسبب هذه الميليشيات، وللأشخاص الذين ما زالوا يتعرضون للاضطهاد من قبل هذه الميليشيات في سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد