«إذا مرت بك حكاية.. فلا تتركها تمر» ـ أسعد طه

كل ما كان في الأمس القريب يعتبر عاديًا وبديهًا، بل لا يمكن أن تتخيل الحياة من دونه، يكاد لا يكون موجودًا الآن. المولات والأسواق الممتازة، المقاهي والمطاعم الفخمة، المسارح ودور السينما، المدارس والكليات، المساجد والكنائس، محطات القطارات والمطارات، الملاعب والنوادي الرياضية.. التظاهرات العلمية، والمهرجانات الترفيهية، حرية التنقل ووفرة الاختيار.. وأشياء أخرى صارت كلها وكأنها سُلبت منا سلبًا. في وضع غريب كهذا لا يسع المرء إلا أن يُعمل فكره ويتأمل ما حوله؛ لأنه أمر قد لا يتكرر في حياته مرة أخرى، وبالتالي فهو تجربة فريدة من نوعها لا يمكن أن تمر هكذا دون تدبرها.. وفيما يلي 10 دروس مهمة.

حجم الإنسان الحقيقي

لا يسع الإنسان العاقل بعد هذه التجربة، إلا أن يوقن بضعفه ووهنه؛ لأنه وبالرغم مما وصل إليه من معرفة وقدرة وإرادة فإن مخلوقًا صغيرًا لا يكاد يرقى حتى إلى مرتبة الكائن الحي قد يُربك حساباته كلها، ويضع منجزاته كلها على المحك في تحدٍ صريح لقوته وعُجبه بذاته واعتقاده، الذي غُذّي بقليلِ علمه ومعرفته، بأنه المسيطر الأوحد على ما حصل عليه وما هو ساع إليه. لا.. الأمر أعقد من ذلك بكثير، والإنسان المتعجرف أضعف مما يظن بكثير.

وهم الحياة والرفاهية وهشاشة الاقتصاد

أٌجبرت البشرية، ولو مؤقتًا، على التخلي على أغلب ما حصلت عليه نتيجة تراكم تجارب إنسانية على مدى سنين. فكل ما كان في الأمس القريب مدعاة للتفاخر ورمزية على هناء العيش، صار الآن يشكل تهديدًا حقيقيًا قد يُؤْدي بحياة الشخص ومن حوله. ولأن الحياة لا تٌقدر بثمن، وهذا هو الأصل، فإن الإنسان تخلى عن كل تلك الرفاهية، مدعاةِ فخره، ليحفظ حياته التي إن لم تُوجَد لم يوجد شيء من ذلك كله. ولأن هذه الرفاهية ما هي إلا نتاج انغماس في الاستهلاك الذي يشكل عصب اقتصادنا المعاصر، فإن هذا الأخير وجد نفسه على شفا جرف هار قد ينهار به في أي وقت، مخلفًا وراءه فوضى لا يدري أحد كيف السبيل إلى إزالتها. ومنه كان من الواجب إعادة صياغة وترتيب الأولويات، فبات جليًا أن الأولوية تعطى لكل ما له علاقة باستمرار عيش الإنسان وضمان كرامته من مأكل ومشرب ومسكن وتعليم لائق واستشفاء وأمن، وعدل في ذلك كله. كما وجب إعادة النظر في كل ما نراه يضفي إلى حياتنا بهجة ورونقًا، ووضعه في حجمه الحقيقي. إذ لا معنى لمهرجان في بلد لا زال مِن مواطنيه مَن لا يجد سريرًا ينام عليه إذا مرض.

فداحة العقل البشري.. حروب وجرائم وتدمير للبيئة

أدت الإجراءات المتخذة من طرف الحكومات إلى الحد من ضراوة الصراعات والنزاعات في العالم. فقد انخفض عدد ضحايا الحروب والنزاعات خلال فترة الحجر الصحي. كما انخفضت مؤشرات الجريمة تقريبًا في أغلب بلدان العالم في حين انتعشت الجرائم الإلكترونية، وجرائم الغش والتزوير؛ نظرًا لإقبال الناس على استعمال التكنولوجيا. وتراجعت مؤشرات انبعاث ثنائي أكسد الكاربون. وشوهدت الحيوانات البرية في العديد من مدن العالم وقراه. كما سُجل صفاء المياه والأنهار في العديد من المناطق بسبب انخفاض وثيرة استعمال وسائل التنقل المائية. ولعل أغلبنا اطلع على تلك التقارير التي تتحدث عن تراجع تلك السحابة المشهورة التي اعتادها سكان لوس أنجلس بسسب انبعاثات المصانع في الطرف الآخر من المحيط الهادي وتحديدًا تلك المتواجدة في الصين، وذلك كنتيجة لتراجع نشاط المصانع في الصين. نفس الشيء توصل إليه باحثون من كوريا الجنوبية قاموا بدراسة حول تأثير الجائحة على جودة الهواء في الغلاف الجوي.

خرافة المدرسة

تمكن الآباء (ليس كلهم بالطبع) في هذه الظرفية من مساعدة أبنائهم على استكمال مقرراتهم الدراسية. بل إني أضيف أن النتائج كانت جيدة؛ لأن الدرس خاص جدًا: معلم وحيد، وتلميذ وحيد، وعلاقة جيدة. الشيء الذي شكل قناعة شبه معممة مفادها أن المدرسة بشكلها الحالي الكلاسيكي مُتجاوَزَة ويمكن تخطيها. بل إنها قد تكون عقبة في تكوين الناشئة؛ لأنها تستدعي الكثير من الجهد والوقت لإيصال مفهوم، أو الإحاطة بفن من الفنون. يمكن اختصار الوقت والجهد وكذا المال الذي يُصرف لتكوين النشء إذا ما توفرت البنيات التحتية الجيدة والمنصات المؤهلة مع القليل من الإلمام بفنون التربية وأساليبها.

جهلنا بأبنائنا

كم من أب أو أم صدم لأنه لا يعرف قدرات ابنه الحقيقية أو الثغرات أو الميزات السلبية التي قد تكون عنده، والتي كان يعتقد أن المدرسة وحدها قادرة على معالجتها. لكن يبدو أن الأمر أكثر تعقيدًا، ففي الوقت الذي ينشغل فيه معظم الأباء بالعمل من أجل تلبية متطلبات الحياة، يكبر الأبناء وتكبر معهم مجموعة من السلوكات لم يخطر قط بأذهان الآباء يومًا أنها قد تكون من نصيب أبنائهم. فيستعيد الآباء تلك القناعة الفطرية بأنهم هم المسؤولون الأولون والآخيرون عن تربية وتكوين أبنائهم، وأن المدرسة مهما ارتقى مستوى العاملين بها فإنها تبقى طرفًا شريكًا ومساعدًا في العملية التربوية، وأن قيمتها المضافة لا تتعدى إعطاء مجموعة من المعلومات داخل إطار تربوي متغير من قطر إلى قطر بسبب الساسة وحساباتهم الضيقة.

قدرتنا على الفعل

مع انجرافنا في الحياة اليومية التي طُبعت بطابع الاستهلاك، فقدنا الكثير من المهارات، لا سيما تلك التي تندرج تحت مسمى الأعمال المنزلية من إعداد للطعام والحلويات وصناعة ما نحتاجه من أساسيات بما توفر لدينا من مواد ووسائل. لكن الأزمة الحالية، أعادت الأمور إلى نصابها.. فكم من أم طهت الطعام وخبزت الخبز وأعدت الحلويات ورقّعت ما فُتق من لباس لأفراد أسرتها بعد قطيعة دامت سننين نتيجة التزاماتها المهنية. وكم من أب تولى أمر صيانة أو إصلاح ما تعطل من أشياء داخل بيته أو قام بطلاء خزانة أو جدار وهو الذي كان كلما تطلب الأمر ذلك استعان بحرفي لأداء المهمة مكتفيًا بأداء الأجرة ومشتريًا لرفاهية مؤقتة تُفقد الكثير من المهارات والتجارب. وكم من أمة اكتشفت تحت ضغط الجائحة أنها قادرة على صنع ما احتاجت إليه من مواد وأجهزة وأنها في الحقيقة غير محتاجة إلى استيرادها.

وهم الشهرة والمشاهير

في هاته الفترة من الحجر، لا أذكر أنني قرأت أو شاهدت أو حتى سمعت عن عمل مهم مفيد صدر ممن باتوا يعرفون عندنا بالفنانين والمبدعين من مشاهير الغناء والتمثيل والذين ملأوا أوقاتنا وأعمارنا بدقائق تفاصيل حياتهم.. أين ذهبوا؟ لقد اختفوا بكل بساطة.. لماذا؟ لأن المرحلة لا تحتاجهم، بل جميع المراحل في الحقيقة.. فهم كماليات فُرضت علينا فرضًا على شكل أساسيات خُيِّل لنا أنه لا غنى لنا عنها.

أهمية العلم والمعرفة والبحث العلمي

في المقابل سطع نجم العلماء، والباحثين، والأطباء، والمهندسين المبدعين، والمخترعين، وأصحاب العقول النيرة في التصميم وفنون التصوير، وكل إعلامي صاحب رسالة، وذلك في العالم كله. فقد التفت الناس إلى كل من يمكن أن يأتي بحل لهذه المعضلة أو جزء منها.. فظهرت التطبيقات الذكية، والمواد العلمية التوعوية، والاختراعات، وصار العرب يعرفون عقولهم النيرة ويبحثون عن آرائهم ليعرفوا كيف يتعاملون مع هذه النازلة.. كما سطع نجم علماء الدين (وهنا أتحدث بالخصوص عن المسلمين منهم لكوني مسلمًا ومعنيًا بالأمر) وبرزت الفتاوى والاجتهادات الفذة التي سبق وأن رأت النور في عصور مضت، وأُعيد إحياؤها من جديد مؤكدة على صلاح هذا الأمر في كل زمان ومكان. وهرولت الأمم إلى الأذكياء من أبنائها في المختبرات العلمية من أساتذة وطلبة باحثين وهيأت لهم السبل، ووفرت لهم الظروف عسى بذلك أن يجدوا حلًا لمشكل أرّق العالم بأسره. وبات هؤلاء فخرَ الأمم وذُخرَها الحقيقي.

أهمية الاكتفاء الذاتي

أبانت هذه الأزمة عن أهمية الاكتفاء الذاتي، وضرورة عدم الاعتماد على كل ما هو خارجي. فالدول التي زرعت خططًا ناجحة في ما مضى قد جنت فاكهتها الآن. ففي حين عرفت الأمم ارتباكًا شديدًا نتيجة شح سلعها لكونها مستوردة، لم تكدالدول المصنعة حتى أن تحس ببوادر هذا الارتباك، بل إنها عرفت انتعاشًا استثنائيًا مقارنة بنتائجها في نفس الفترة من العام الماضي. وهذا طبعًا يهم كل المواد المهمة، من غذاء، ولباس، ودواء، ومعدات وأجهزة. وعليه وجب على الدول التركيز على تلبية حاجيات السوق الداخلية المهمة قبل التوجه إلى الخارجية منها. وكذا الاهتمام بالقطاعات الحيوية التي ترتكز عليها الحياة حتى لا تكون تحت رحمة السوق العالمية واضطرابها. ولعل النموذج التركي خير مثال.

دور الدولة الحقيقي

عاد إلى الأذهان، بعد غياب طويل، مفهوم الدولة ودورها الحقيقي الذي يتجلى في توفير الأمن وسبل العيش الكريم والمحافظة على الأنفس لكل مواطنيها وأنها هي الضامن لهم، وقد كان ذلك كله. حتى أن الدول نسيت نزاعاتها وخلافاتها الخارجية، وكذا نسي الفرقاء السياسيون خلافاتهم، وانصب التركيز كله على ضرورة تجاوز الأزمة بحفض الأنفس والأموال والخروج بأقل الأضرار الممكنة، وذلك بسن قوانين استثنائية وإعلان حالة الطوارئ واستنفار الجيش والشرطة والاستخبارات لضبط واستتباب الأمن والمحافظة على سير الحياة دون انفلات أو اصطدام في وضع أشبه ما يكون بـ«اقتصاد الحرب».

كانت هذه قراءة سريعة لأهم الدروس المستفادة من جائحة كورونا.. حسب رأيي على الأقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمة, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد