لم تكن معركة طرابلس القائمة بالأمر المُفاجئ كما يدّعي المعنيون، فالكل يبحث عن السبيل الذي سيؤمّن به مصالحه من خلال القوى الموجودة على الأرض، فمن جهة كانت هناك دول تسعى للتعجيل بالعملية، ولكن الفرصة لم تكُن لتسنح بعد حفاظًا على ماء الوجه أمام المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى كان المُجتمع الدولي ذاته أداة لنيل الطريق ذاته، وتحقيق المصالح لدول أخرى، وبين هذا وذاك بقيت القُوى المتحاربة دُمى تُحركها الخيطان من خلف الأستار.

حفتر في رداء رجُل الدولة!

في الميزان السياسي الرجل يُسيّر قوات نظامية مُوحدة تحت إمرته، ما يُعطي الفرصة لتوحيد الصف بالقوة على عكس «حكومة الوفاق» التي تُوكِل الأمر إلى جماعات مُسلحة في تسيير أمورها، والتي كثيرًا ما دبّ بينها الخلاف المُسلح، وكان لكلٍ وجهته الخاصة في كيفية الامتثال لأوامر تلك الحكومة، أو الدور الذي يجب أن تقوم به في آلية تسيير العملية السياسية في البلاد عامة، وفي العاصمة على وجه الخصوص، وقد يكون من الصعب صهر تلك القوات تحت لواء موحد خاصةً، وأن أغلب تلك الجماعات يتمركز في ضواحي العاصمة، وانطلاقًا من الغريزة العسكرية فقد رأى الجنرال «حفتر» المُقومات التي تؤهله لرداء رجُل الدولة وتصدر المشهد في البلاد كي يكون من أصحاب النفوذ، خاصة بعدما رأى الحافز المُلهِم في مصر المُجاورة في 3 يوليو (تموز) عام 2013، واستيلاء الجيش على مقاليد الحُكم بانقلاب باغتَ فيه السُلطة الشرعية في البلاد.

لكن طبيعة الصراع لا تبرر أعماله المعروف نهايتها التي ستنال – لا بُد- من سلاسة أي عملية سياسية في البلاد، وأيضًا بالإضافة أن الشعب الليبي قَبلي من الدرجة الأولى، ولغة الـ «أنا» تكون دائمًا في المقام الأول فقد كانت إحدى الأوتار التي لعب عليها «حفتر» لكسب التأييد على الأرض من بعض القبائل أو استخدام تلك النَزعة كمُبرر لخوض تلك العمليات.

تصالح المصالح

إن الدول التي أيّدت المُشير «حفتر» كمصر، وفرنسا، والإمارات، ومن خلفها السعودية ما كانت لتتردد في دعمه علنًا لولا بند الشرعية الذي افتقده الجنرال أمام المجتمع الدولي، والذي حال دون الإفصاح عن ذلك الدعم، فمصر التي تعاني حاليًا من الركود الاقتصادي الحاد، وتبحث عن منافذ للتخفيف من وطأته قد تجد في دعم «حفتر» أرضًا للحصول على بعض الامتيازات على الأرض الليبية، ولا شك أن مصر تطمح في تمكين موطئ قدم للشركات المصرية في برنامج إعادة الإعمار بعد انتهاء الأزمة، فهي -مصر- غنية بالعمالة والشركات التي تؤهلها للقيام بالدور على أكمل وجه، وكما جاء على لسان المتحدث باسم الجيش الليبي التابع «لحفتر» «أن روسيا إلى جانب مصر سيكون لهما نصيب الأسد في إعادة إعمار ليبيا» خاصةً وأن التقديرات الأولية لبرنامج إعادة الإعمار هذا يُقدر بـ100 مليار دولار.

أما الإمارات ومن خلفها السعودية فكان الهدف مُلعنًا وصريحًا «لا مكان للربيع العربي في الوطن العربي».

الاستعمار وحنين الماضى!

يبدو أن السجية الاستعمارية لم تتلاش مع الأيام لدى كل من فرنسا وإيطاليا، فكلاهما معروفٌ مُراده من وراء تلك الأزمة، وسعي كل منهما للسيطرة على إدارة الثروات النفطية في البلد النفطي الأول أفريقيًّا، إيطاليا بدورها تحن إلى مُستعمرة الماضي وترى في دعم «حكومة الوفاق» برئاسة «السّراج» تحت مظلة الشرعية أن الشركات الإيطالية هي الوصي الأوحد على الثروات البترولية الليبية، وليس من حق أي دولة – أيًّا كانت- أن تزاحمها على ذلك المنصب؛ فكانت تعول على حكومة «السراج» في مساعدتها على الحفاظ على هذا المنصب، وأيدت قدر المُستطاع تلك الحكومة في خطوة ضمان لها، حتى إنه كانت هناك تخوفات إيطالية من أن يُفضي مؤتمر «باليرمو» الذي عُقِد في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام المُنصرم إلى تغيير تلك الحكومة أو إجراء أي تعديل عليها، وبالفعل تجاهل المؤتمر العمل على توحيد السُلطة والإبقاء على حكومة «السرّاج».

أما فرنسا فقد حيّدت التحالفات التي جمعتها مع البلد الشريك – إيطاليا- وانتهجت منطق – كما يقولون- «يموت حبيبي ولا استهواش» أي لا مجال لضرري وإن كان صغيرًا مقابل منفعة عظيمة لغيري، فكان لا بُد لها من دعم حفتر في المقابل لإزالة المُعوق الإيطالي.

إن كلا الدولتين التي تجمعهما أواصر التحالفات لم يستطيعا إخفاء مطامعهما في حيازة أكبر قدر من الكعكة الليبية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الليبيين أنفسهم؛ فإيطاليا تعلم ما يُعانيه المجلس الرئاسي في تنفيذ بنود اتفاق «الصُخيرات» نظرًا لتكدُس الجماعات المسلحة في ضواحي العاصمة، والتي طالما دفعته مرارًا للتنازل كي لا يرجع «بخُفي حُنين» في العملية السياسية في البلاد، ومع ذلك فقد عملت على إبقاء الحال كما هو.

ومن جهة أخرى فرنسا التي منحت الدعم المُطلق لحفتر، والتي لم تكترث إلى الجهود الدولية في إحلال الاستقرار، وكيف أن هذا الدعم سيُفاقم الوضع ولكن «لا حياة لمن تُنادي».

تركيا: حل الأزمة مع تأمين المصالح!

لا شك أن تركيا، ومن خلفها قطر، كانا لاعبين مؤثرين في مُجريات الوضع في ليبيا منذ اندلاع «ثورة فبراير (شباط)» حتى الآن، فجُل الدعم الخارجي الذي تتلقاه مدينة «مصراتة» مصدره تركيا وقطر، سواء على المستوى المدني أو العسكري، فمن جهة تُعلن تركيا دائمًا أنها تؤيد خطوات الأمم المُتحدة لحل الأزمة، ولكن من زاوية أُخرى قد تكون السوق الليبية هدفًا للمُنتجات التركية، كما أن ملفي إعادة الإعمار والبترول لم يكونا بمعزل عن أعين الشركات التركية، ولهذا تسعى هي الأخرى لتثبيت ثقلها على الأرض الليبية.

أمريكا.. «إمّعة»!

في البداية لم تُعِر الولايات المُتحدة الشأن الليبي اهتمامًا منذ انتهاء عمليات «الناتو» في 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، واقتصر الدور الأمريكي على ملاحقة التنظيمات المتطرفة التي تنشط في الصحراء الليبية من خلال الغارات التي تشُنها بين الفينة والأُخرى، وكانت التصريحات تجاه الأزمة فاترة «لا تُغني ولا تُسمِن من جوع».

لكن سُرعان ما تبدل موقف الإدارة الأمريكية فجأة، فجاء الاتصال الذي دار بين الرئيس الأمريكي «ترامب» و«حفتر» في 15 أبريل (نيسان) المُنصرم إشارة تلويح بالتأييد التام بالعمليات التي يقوم بها الجنرال، كما أعطى مساحة أيضًا للدول الداعمة له بالإفصاح عن دعمها، والوصول إلى حد إعلان المُشاركة في العملية نفسها.

لكن التكهنات بشأن التلويح الأمريكي بالتأييد -التي طالما نظرت إلى «حفتر» بعين الريبة- تقول إن المرحلة القادمة تحتاجه في المنطقة ولو لوقتٍ قصير، فالمنطقة على موعد مع إعلان ما يُسمى بـ«صفقة القرن» فالطبخة باتت على شفا الإعلان، ولكنها مسألة أيام، فكسب الصمت الليبي حتى وإن كان على مستوى التصريحات فقط، فهو مُفيد بشأن ردة الفعل بعد إعلان تلك الصفقة، فكلما ازداد الأمر سوءًا كانت البيئة مواتية لتمريرها بسلام.

أين الليبيون؟!

في ظل تلك الأزمة المُعقدة، والدُمى التي تحركها التدخلات الخارجية يبقى الشعب الليبي هو الذي يدفع – وما زال- ثمن تلك التدخلات وغياب الحكمة، لكن الموقف يطرح تساؤلات عِدة.

ماذا إن حُسمت المعركة لصالح «حفتر»؟! هل ينجح في بسط السيطرة على كامل البلاد؟ وبذلك يكون قد أنهى أي أثر «لثورة فبراير» وماذا إن فشل؟! ورجحت كفة «حكومة الوفاق» هل تنجح في توحيد تلك الجماعات تحت لواء موحد؟! وحتى بعد انتهاء المعركة لصالح أحد الأطراف فلا شك أن مبدأ التنازل بعيد المنال، مما سيرسخ لصدع كبير يجعل البلاد تتيه في ظلمات الحرب الهالكة.

هذه المقالة تعبر عن نظرة الكاتب فقط إلى الشأن الليبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s